اطبع هذه الصفحة


في بيتنا وطوَاطٌ وعَنكبوتٌ..!

نُور الجندلي

 
أنجدوني من فضلكم، فلكم أكره الحشرات بأنواعها، أضف إليها الجرذان والفئران والضفادع، وكل من يقفز ويتسلق ويصدر أصواتاً حادة ..
لقد اكتشفتُ أنهم يعيشون معنا في بيتنا، بكل وقاحة يفرضون هيمنتهم على المكان، الوطواط يحوم بجرأة في وضح النهار، يمتصّ قبل الدماء أرواحاً بريئة، والعنكبوتُ يحيك شباكاً لزجة على العقول، فتتقيّد فجأة به، تنساق نحوه، وبعنجهية يصبح وحده الآمرُ الناهي في المكان، وكلنا دون استثناء عبيد عنده .
قال لي ولدي إنه إنسانٌ حشرة أو حشرة إنسان .. سمّها ما شئتِ يا أمي.. لكنه الوحيد الذي سيخلص العالم من قوى الشّر ..!
بيديه يرفعُ أبراجاً عالية آيلة للسقوط، وبنفخة يحطم مروحية الأعداء، وبقفزة يحول دبابة إلى أشلاء، إنه بطل قوي يا أمي.. لستِ تفهمين ؟!
في الحقيقة تمنيتُ أن أصارحه بعدم فهمي، وبأن شكل هذا الشيء الغريب لا يروقُ لي، وبأنني أكره حركاته الغريبة، ولا أصدق هذه الأكاذيب عنه، لكنني وجدت ابني مسحوراً به، وخفتُ عليه من هذه اللوثة، فقررتُ أن أستشير أختي لمعرفتي بمعلوماتها التربوية ، فوجئتُ بها عائدة من متجر الأطفال ومعها ولدها إياد قرير العين مبتسماً ..
شدّ على يدي بفرح وقال لي متباهٍ ..
- انظري يا خالة، لقد اشترت لي أمي ثياب الرجل العنكبوت، وسأصبح بطلاً قوياً مثله.
بادلته فرحه بابتسامة صفراء، ونظرتُ في عيني أختي لأفهم هذا اللغز، فهزّت كتفيها كمن لا يملكُ من أمره شيئاً .
تركتها وعدتُ خائبة إلى المنزل، فإذا بزوجي على غير عادته قد أتى باكراً . ألقيتُ التحية فلم يجب، كانت حواسه كلها مع التلفاز.
تذكرتُ أنه جلس بذات الاهتمام مرة واحدة في حياته، يوم 11 سبتمبر عندما كانت الطائرات تخترق برجي التجارة ..
أسرعتُ إلى الشاشة أنظرُ خائفة، فإذا بسيارة مقلوبة، وبناء على وشك أن يتهاوى.. صرختُ خائفة ..
- هجومٌ جديد ؟
- أجل لقد دمّرت المدينة كاملة !
- رباه .. كم عدد الضحايا ..
- لا أدري .. هذا غير مهم !
- وما هو المهم يا زوجي الغالي ؟
- الرجل العنكبوت سيأتي هذه اللحظة، تابعي فقط وكفّي عن الثرثرة ..!
ما قصّة هذا المسخ أينما ذهبتُ صادفته، ونظرتُ إليه فقرأت ابتسامة مكر، وكأنه يهزأ بي ..
الرجل العنكبوت هو قوة الخير الخارقة التي ستقضي على كل قوى الشر في العالم ..
هذا ما فهمته أخيراً عن السيد العنكبوت أو الحشرة العنكبوت ..أو أياً كان ذلك الشيء !
هكذا أخبرني ولدي الراشد محمد وهو ينظرُ غير آبه إلى الفيلم الذي يحمل اسمه ..
- إنها أكاذيب يا أمي، كلها أكاذيب، لست أدري كيف يصدقها الصغار ويشاهدها الكبار ..
حمدتُ الله أن وجدتُ من يفهمني ..
- بوركت يا محمد من ولد ذكي، إنها مجرد أوهام يبثّونها هنا وهناك ليسيطروا على قوى الناس العقلية ..
- لا أفهم ما تقولين يا أمي لكنني في الحقيقة معجب بفروسية البطل زورو وقناعه الأسود ، إنه يعطيه غموضاً وجاذبية، أضيفي إلى ذلك سيفه الذي لا يقهر ..
لأول مرة في حياتي أشعر بأنني أسكنُ في مصح عقلي، يتسع ليشمل الأهل والجيران والضاحية والمدينة والعالم كله ..
إنني في الحقيقة أعذرهم، فلدينا أزمةُ أبطال في واقعنا، ولدينا من الهموم والنكسات ما يجعلنا نتعلق بظل بطل، حتى وإن كان هذا البطل فأراً أو عنكبوتاً ..
قد دفنا أبطالنا في كتب التاريخ، وعبرنا فوق أمجاد صلاح الدين، ولم نكترث لفتوحات خالد، ولا التفتنا إلى قائد كان يدعى في زمن من الأزمنة محمد الفاتح ..
من يكونون هؤلاء؟ أبطال أبعدناهم عن مكانة القدوة في نفوسنا ، وتوجهنا بكل حواسنا نهتف لزورو والوطواط ..
من يدري .. فقد يأتي يوم يحرر فيه الوطواط فلسطين، وبحركة واحدة، قد يسجن العنكبوت جيوش المحتلين في شباك متينة، وقد نصنعُ من أولادنا جيش وطاويط يرتدون ذلك الزي الغبي، ويحاربون بسيوف بلاستيكية قوى الشر الوهمية، وسيصدقون أنهم أبطال ، وبأنهم لن يقهروا، وستأتي هبة ريح تسقطهم من على ظهور خيل الغفلة، لتتحطم أسطورة الإعلام الواهية، وتكشف حقيقة الفيروسات التي يطلقونها إلى عقول أبناء أمتنا، عبر شاشة فضية ..!

 

نُورٌ ومِسك
  • مـقـالات
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط