اطبع هذه الصفحة


اجتلاء / انجلاء العِيـد ..

نُور الجندلي

 
جاء يومُ العيد، يومٌ تقنين سعادة الأيام الثلاثة إلى دقائق من فرح، دقائق لا تتجاوز لحظات التكبير وهي تتصاعدُ من المآذن، تلفظها الحناجرُ ولا تلفظها القلوب، لا تتجاوزُ عتبة المسجد إذ نؤمّنُ على دعاء الإمام، ثم نمضي وقد نسينا الشّهر والطاعة والخطبة وصلاة العيد .
يومُ التباهي بالملبس والزّينة، وإشاعة مهرجان التنافس في كل شيء، والسباق إلى إبراز الأفضل والأجمل في عيون الناس، وكسر نفوس الفقراء الذين لا يصلهم إلا أقلّ القليل .
....
يومُ العيد؛ يومُ العودة للنارجيلة والتدخين، وسماع الأغاني بصوتٍ عالٍ دون تحرّج، وتأخير الصلوات دون أعذار، ويوم النوم المفتوح، إذ لا عمل يُنجز، ولا مهام تُنتظر ..
ويوم تقليب النظر في شاشات الفضائيّات، والضّحكُ حتى يموتُ القلب على إسفافٍ لم يُسبق مثيله في تاريخ القنوات، أو تاريخ البشر !
يومُ كسب النقود وإنفاقُها بلا وعي في الملاهي، يومُ الإسراف في كل شيء، والسّخاء على كل شيء، إلا على ما يستحق السخاء .
....
يوم العيد؛ يوم التملّص من الواجبات الاجتماعيّة الإسلاميّة، وصلة الأرحام، فيه نتذكرُ أحقادنا، خلافاتنا، وصراعاتنا مع أقاربنا، فنولي الظهور ونغلّق الأبواب لكي لا تتقابل النظرات، ولا تحلّ ككل عيد الابتسامات الصفراء الباهتة، ولا يقول أحدنا للآخر بجفاء .. كل عام .. لا تكُن بخير .. أقصد : كل عام وأنت بخير، ينطقها اللسان ولا يخفق بها القلب .
عيدُ الاحتفال بثورة التكنولوجيا، وتواصل الإخوة في البلد الواحد والشارع الواحد عن بعد عبر الجوّالات والرسائل الإلكترونيّة.. فهي الطريقة الأنجع للتهرّب بلباقة ممن لا نحب، إذ أننا نقتبسُ عبارات غيرنا لنقدّمها لهم، وننحي مشاعرنا بعيداً، ونصمتُ خفق قلوبنا فنرسلها لهم معلبة جافة، ونسكتُ تأنيب الضمير، وفي ذات الوقت لا نسمعهم، ولا نراهم، ولا نكلمهم !
...
وخرجتُ أبحثُ عن مظهر العيد على وجوه العابرين، فلم ألحظ بسمة حقيقيّة من قلب طفل، بل وجدتُ تذمراً وغضباً وعدم مبالاة بروح العيد .
فهذه الوجوه ما عادت نضرة بابتساماتها، وما عدنا نسمعُ صوت ضحكاتها، فالبكاء هو الوسيلة الأسهل لإيصال الطلبات إلى الوالدين، وعبر الدموع لا يملكون سوى السمع والطاعة !
...
هؤلاء الأطفال المحرومين من معاني السعادة، إذ أن الترف أهلكهم، فلا وجود لبهجة ثوب العيد، فالأثواب تتنافس في خزائنهم، ولا معنى للعيديّة مالاً كانت أو حلوى، أو حتى لعبة حلوة .. فقد أصبحت كلها من عاداتهم اليومية، فأي شيء تراه قد يبهجهم، وقد انقلبت موازين الحياة ؟! وأي عيد قد يعيشونه مع خادمة أجنبيّة وسائق هندي، ووالدين من فرط الانشغال بمعاني الفرح لا يملكان الوقت لتقديمه إلى هذه الكائنات الصغيرة التي تئن قلوبها حنينا للمسة أب أو قبلة أم .
...
عذراً أستاذي الرافعي، فقد هيجت فيَّ الحزن وأنا أقرأ ( اجتلاء ) العيد في زمانكم الجميل ، ولم أشعر بنفسي إلا وأنا أكتب ( انجلاء ) العيد في أيامي ..
فما عادت له النضرة والبهجة التي كانت، وما عادت الرّوح تسكنه، ولا المعاني الإسلاميّة الحقيقيّة تزينه، حتى الحلوى غربيّة، وقطع الشكوكولا سويسريّة ، والملابسُ والزّينة أوروبيّة .. وقضايا الأمة في طيّ النسيان.
فلتعذر جرأتي على روعة معانيك، فقد افتقدتُ الفرح ورحتُ أفتشُ عنه في زحمة العيد، وبين الوجوه العابرة، فما لمحتُ إلا وجوهاً كئيبة كالحة، وأخرى حزينة حائرة، تفتشُ مثلي عن معانيه ..
ولأنني لستُ من أنصار المبالغة والتعدي على الحقيقة ..
فآثارُ العيد الحقيقي ما تزال تسكنُ قصور بعض القلوب المنيفة، تلك القلوب التي عرفت معنى العيد فاحتفلت به في قلبها وبياض هيئتها ونقاء سريرتها، قبل أن تبدده الدنيا في ابتعاد عن أثمن ما كان يقدمه للمسلم العيد السعيد !

 

نُورٌ ومِسك
  • مـقـالات
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط