اطبع هذه الصفحة


العولمة الثقافية لا تقل خطورة عن الإرهاب

د. أميمة بنت أحمد الجلاهمة
أ
كاديمية سعودية .. جامعة الملك فيصل الدمام

 
إن اهتمامنا عند الحديث عن التحديات المعاصرة التي تواجه أمتنا الإسلامية، وعن ضرورة مواكبة مناهجنا لهذه التحديات، لا تتحقق الغاية منه بمعالجة أحد الجانبين دون الآخر، ولو فعلنا فسنصل بمجتمعاتنا إلى المهالك

بما أن النية لم تكن قد توجهت للكتابة فيما أنا بصدده كان لابد من إيعاز الفضل لأصحابه، فلقد توقفت عند اهتمام الصحف المحلية بما دار في افتتاحية المؤتمر السنوي الذي تنظمه رابطة العالم الإسلامي، والذي تمت تسميته بـ(مناهج العلوم الإسلامية)..

لقد تأملت الكلمات التي ألقيت يوم الافتتاح، وعاودت تأمل محتواها مرات عدة، لأنتهي بعد هذا كله لحالة من الذهول، حالة أصبحت هذه الأيام ترافقني كظلي، فقد لا أفهم كيف هذا؟.. ولم كان ذاك؟.. ولكني بالتأكيد أفهم ما علينا فعله تجاه ديننا ثم أوطاننا.. فالأمانة تجاههما لا تتجزأ ولا يتأتى لها ذلك.. وبالتالي كان من الطبيعي عدم تمكني من التغاضي عن النقص الذي وصل إلينا في كلمة الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي الأستاذ الذي أعتز به وبعلمه معالي الدكتور عبدالله بن عبدالمحسن التركي، وكلمة مفتي عام المملكة ورئيس المجلس التأسيسي للرابطة سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ، فكلا الكلمتين - وكما وصلتا إلينا عبر الإعلام المقروء - تحدثت عن التحديات الداخلية التي وصمت أمتنا إلا سلامية بالإرهاب، وعن كيفية فهم حقيقة الدين الإسلامي كما ينبغي لنا أن نفهمه، وعن دوره وتعاليمه في تدعيم الحضارة الإسلامية، إلا أن كلا من الكلمتين غضت الطرف عن تبيان أهمية وضرورة رعاية مناهج العلوم الإسلامية في عالمنا للتحديات الخارجية، والتي تحاول التربع على حياتنا الاجتماعية والاقتصادية مرورا بحياتنا السياسية، بل حتى الدينية، تحديات لا تقل أهمية عن تحدياتنا الداخلية.. بأي حال من الأحوال.

وفي هذا الصدد أدعو المولى سبحانه أن يكون ما وصلنا من كلمتيهما ناقصا، إذ كيف لهذين الشخصيتين الإسلاميتين العالميتين التغاضي عن هذه الجزئية الهامة في مؤتمر عالمي إسلامي، تم تخصيصه للحديث عن (مناهج العلوم الإسلامية )..
إن الكلمة التي أراحت فوادي وهدأت من روعي وأنا أتابع الكلمات التي ألقيت يوم الافتتاح كانت كلمة خادم الحرمين الشريفين، فقد توقفت عند بيان خطورة التحديات الداخلية والخارجية ولم تبخس حق أي منهما من الاهتمام..

ولأن المسلمين وغيرهم يتطلعون لما يصدر على لسان الملك عبدالله بن عبدالعزيز بحكم كونه خادم الحرمين الشريفين، وبحكم كونه ولي أمر وطن اختصه الله سبحانه بثروات طبيعية حيوية، لهذا كله اخترت التوقف معكم عند أهم معالم كلمته تلك، فقد جاء فيها ما يلي:
* إن العلوم الإسلامية هي المواد التي تصاغ منها الشخصية الإسلامية الفردية والجماعية، فتحدد.. هويتها ووجهتها.
* كل أمة على وجه الأرض من حقها أن تنقل المبادئ الأساسية لثقافتها وحضارتها إلى الأجيال المتلاحقة عبر وسائل التعليم والتربية.
* من حقها أن تكفل الحماية لتلك المبادئ من الانتهاك والتعدي عليها وبشتى وسائل الحماية ومن خلال ما ترسمه من نظم وتشريعات أساسية وثانوية.
* يواجه العالم الإسلامي اليوم تحديات جسيمه، ما فتئت تتعاظم وتلقي بانعكاساتها الوخيمة على الأوضاع السياسية والاقتصادية والثقافية والعلمية، مما أضعف الأمة الإسلامية في العالم المعاصر.
* إن مما يجب علينا أن نفعله للمحافظة على ذاتيتنا وحمايتها من خطر العولمة الثقافية التي تهددها هو أن نقف وقفة الواثق بنفسه المعتمد على ربه.
* لنبرهن للعالم أجمع بالأقوال والأفعال أننا أمة نشرت أيام قوتها حضارة العلم والمعرفة والحق والعدل وصيانة حقوق الإنسان بين أمم العالم.. وأنها بمنأى عن التطرف والإرهاب في التعامل مع الغير.
* إن ما يحدث في الواقع مما يخالف ذلك لا صلة له بجوهر الثقافة الإسلامية، وإنما له أسبابه الطارئة التي يجب أن نعالجها بما تتطلبه من جهود في التوعية والتربية والتوجيه والتصدي لأصحابها بقوة وحزم.

لقد اهتمت هذه الكلمة بتحديد منبع شخصية الإنسان المسلم وهويته، وحقه كإنسان في نقل مبادئ ثقافته وفكره عبر التربية ومناهج التعليم لأجياله المتلاحقة، كما اهتمت بتقرير حق الأمم أن تكفل الحماية لتلك المبادئ من الانتهاك ولو بسن القوانين والتشريعات لهذا الشأن. كما توقفت عند التحديات الخطيرة التي تواجه العالم الإسلامي اليوم، والتي تتطلع للمساس بأوضاعنا السياسية والاقتصادية والثقافية وحتى العلمية منها، وكما أشارت إلى أن السبيل للمحافظة على ذاتيتنا وحمايتها من خطر العولمة الثقافية التي تهددنا هو أن نقف وقفة الواثق بنفسه المعتمد على ربه.. وهي في هذا كله لم تغفل خطورة التحديات الداخلية والمتحققة بالفكر الإرهابي التكفيري،مبينة أهمية توافق أفعالنا مع أقوالنا التي تؤكد أننا أمة الحق والعدل وصيانة حقوق الإنسان، وأن علينا أن نقف موقف القوة والحزم أمام كل من يخالف هذا المنهج، مع ضرورة استئصال جذور هذا الفكر الذي لا علاقة له بجوهر الإسلام من أساسه، مسخرين لهذا الهدف مناهج التربية والتوجيه.

إن الواجب عند الحديث عن التحديات التي تواجهنا كأمة إسلامية يلزمنا النظر في تحديات داخلية تركت علينا وعلى غيرنا آثارا سلبية تتطلب منا تضافر الجهود للتصدي لها، كما يلزمنا في الوقت نفسه الحديث عن تحديات ترعرعت ونمت في الخارج تتطلع بشغف للقضاء على معالم ثقافتنا إسلامية المنبع، عالمية الرسالة، إنسانية الهدف، بثقافات مادية جافة لا تمت إلينا بصلة ولا تعتد بالروح، ثقافات لا ترى خلف الأبدان إلا التراب، ثقافات أثبتت فشلها على الصعيد الإنساني، وبشهادة أهلها،
إن اهتمامنا عند الحديث عن التحديات المعاصرة التي تواجه أمتنا الإسلامية، وعن ضرورة مواكبة مناهجنا لهذه التحديات، لا تتحقق الغاية منه بمعالجة أحد الجانبين دون الآخر، ولو فعلنا فسنصل بمجتمعاتنا إلى المهالك.. وسيتجرع أبناؤنا وأحفادنا المرارة جراء هذا التهاون، عندها قد لا نكون معهم، أو قد نكون حينها مسلوبي الإرادة..

وأخيرا لا أشك أن معظمنا يتفق أن العولمة الثقافية الهادفة لإلغاء ثقافات الشعوب لا تقل خطورة عن الإرهاب..
 

أميمةالجلاهمة
  • مـقـالات
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط