صيد الفوائد saaid.net
:: الرئيسيه :: :: المكتبة :: :: اتصل بنا :: :: البحث ::







مؤتمر الغزو

د. أميمة بنت أحمد الجلاهمة
أ
كاديمية سعودية .. جامعة الملك فيصل الدمام

 
 (1)
 

لم أكن أتوقع أن أجد خلف تلك الملامح المستكينة خبراً جللاً. هكذا ظننت وأنا أتابع "إقبال" إحدى طالباتي حاملة بين يديها كتاباً صغيراًً نسبياً (أعتقد أنه كتاب يستحق الدراسة. لقد وجدته على إحدى أرفف المكتبة العامة ظناً مني أنه يعالج مشكلة إسلامية، لكني وجدته غريباً في محتواه خطيراً في مضامينه .. آمل أن أسمع رأيك فيه قريباً) ..!! أجبتها بإيماءة سريعة؛ فلم أكن أملك غير هذا ..أمام ازدحام الطالبات اللائي يستفسرن –عادة- في مثل تلك الفترة عن مواعيد الامتحانات، ولهذا دون غيره اختلست نظرة سريعة على عنوان الكتاب الذي وُضع عنوة بين يديّ، وللوهلة الأولى وجدته تقليدياً (التنصير خطة لغزو العالم الإسلامي)، مما دفعني إلى وضعه جانباً، فلم يكن همي في تلك اللحظة إلا استيعاب المقترحات المطروحة أمامي، ومعالجتها بما أستطيع ..
بقي الكتاب مهملاً عدة أيام .. ،إلى أن بادرتني إحدى زميلات صاحبة تلك الملامح المستكينة .. (هل اطّلعت على الكتاب.. ؟ متى سنسمع رأيك؟) لم أملك إلا الاعتذار لها ولزميلتها، فقد نسيت أمره لانشغالي بالإعداد لموسم الامتحانات .. وما يتبع هذا الموسم من تنظيم.. و.. و.. ولكني سوف .. وسوف .. ، كانت مسوغات واهية بطبيعة الحال، ولذا حرصت في نهاية دوام ذلك اليوم على مرافقته ضيفاً عزيزاً في منزلي، وكيف لا أفعل .. وأنا التي كنت دوماً أحض طالباتي على إنجاز الأعمال المناط بهن في حينه، ألا يكفيني ما قدمته من تسويف.. فعلت ذلك وقد عزمت النية على النظر فيه، ولو بشكل سريع؛ إذ لم أعتقد أنه يحمل الجديد، خاصة أنه لم يُذيّل باسم كاتبه، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى كان حجم الحرف الذي اختير لطباعته صغيراً نسبياً، أما صفحاته فقد تجاوزت الثمانين صفحة.
وتكرر الأمر مجدداً، لم أتمكن -ولعدة أيام من تصفّحه- هذه المرة كان انشغالي غير مقبول لا لي ولا لغيري، عندها أدركت أنه لا بد من اقتطاع -ولو ساعة- من وقتي ..لعلي أطلع على أسباب اهتمام شابتين متميزتين بمناقشة محتوياته ..
وكانت المفاجأة والصدمة تنتظرني مع سطوره الأولى؛ فهو يحكي قصة ميلاد مؤتمر عالمي خُصّص لتنصير المسلمين، هذا الكتاب بطبعته العربية لم يُطبع ليقع بين يدي أمثالنا، بل ليكون مرجعاً للمنصّرين الجدد في عالمنا العربي، هذا ما ذكرته بوضوح المقدمة التي جاء فيها: (عملية تنصير المسلمين من أعظم التحديات على مر العصور ..وانطلاقاً من ذلك فإن لجنة التنصير في لوزان قد تسلمت -بارتياح شديد- اقتراحاً لعقد هذا المؤتمر في أمريكا الشمالية عام 1978م..كما قدمت منظمة التصور الدولي الدعم المالي السخيّ لإنجاح هذا المشروع .. وقد تم اختيار المشاركين فيه بكل عناية ودقة بحيث يكونون أكثر الناس اندفاعاً وحماساً للعمل.
قامت لجنة المؤتمر بتوزيع أربعين بحثاً أساسياً على أشخاص بارزين في مجال التنصير، كما تم اختيار المشاركين في المؤتمر، والذين بلغ عددهم (150) شخصاً، عملوا على مجابهة مشاكل تنصير المسلمين وتقييم تجارب الماضي وجهود الحاضر، وقد انتهى هذا المؤتمر العالمي إلى تحديده للهدف الكبير ألا هو العمل على تنصير 720 مليون مسلم) !! هذا العدد هو عدد مسلمي العالم فترة انعقاد المؤتمر .
كما جاء في تصدير هذا المصنف ما يلي: (يجتمع المؤتمرون في كثير من المؤتمرات فيتبادلون الرأي ويعلنون بعض القرارات ثم ينفضون فتصبح مجهوداتهم حبراً على ورق .. ولكن بعض المؤتمرات تغيّر مجرى التاريخ، ولا ريب أن مؤتمر (صاموئيل زويمر) الذي انعقد في أمريكا الشمالية عام 1978م، قد أصبح واحداً من هذه المؤتمرات القادرة على تغيير مجرى التاريخ .. تشرح الأبحاث الأساسية للمؤتمر ..الفرص المثيرة للتنصير في الوقت الحاضر؛ فالعالم الإسلامي يمر اليوم بحالة من التمزّق الاجتماعي والسياسي، ولذلك يوجد لدى المسلمين اليوم استعداد قلبي وعقلي لتقبل رسالة المسيح ..).
إن الناظر غير المتحيز في هذا الكتاب سيدرك أن تنصير المسلمين لن يكن في الحقيقة ماثلاً كهدف أوليّ في أذهان هؤلاء، مع تتبعه للصفحات الأولى لهذا الكتاب؛ إذ سيجد أن ارتداد المسلمين عن دينهم -على أهميته بالنسبة لهؤلاء- يتراجع أمام طمع هؤلاء المنصرين في ثروات العالم الإسلامي الذي هو المحرك الأساس لتحركاتهم في هذا الاتجاه، وسأذكر لكم هنا مثاليين من السطور الأولى من البحثين الأولين واللذين عُرضا في هذا الكتاب، فقد جاء في بداية الدراسة المقدمة من (دون ماكري) والمعنونة بـ(حان الوقت المناسب لمنطلقات جديدة) ما يلي: (ظل النزاع العربي الإسرائيلي محط الأنظار السياسية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، والبترول الذي يشكل شريان الحياة الصناعية في الغرب هو اليوم أساس الاقتصاد العالمي ..)، أما العرض الذي قدمه (ستانلي مونيهام) تحت عنوان (الخطاب الرئيسي) فقد جاء في سطوره الأولى: (أولاً .. أشعر بدقة التوقيت الصحيح لهذا المؤتمر، وأشعر أنه عُقد في الوقت المناسب الذي اختاره الرب، إن العالم الإسلامي يشغل اليوم حيزاً مهماً في الأخبار أكثر من أي وقت مضى .. وكل إنسان في العالم يتأثر في الواقع تأثراً مباشراً متى اجتمعت الأمم الإسلامية المنتجة للنفط لتقرر كم ستتقاضى على برميل النفط الخام، ويحبس العالم أنفاسه قلقاً كلما اجتمعت منظمة الأوبيك) لا أعرف ما علاقة النفط بهذا المؤتمر التنصيري ليولوه هذا الاهتمام، فيقوموا بالحديث عنه ابتداءً!!.. ألا يبدو لكم هذا المؤتمر كمؤتمر عُقد للبحث في قضايا ومشكلات الطاقة؟!
لا شك أن الحديث قد يطول، ولكني قد عزمت الأمر على محاولة تحريك المياه الراكدة، داعية المولى أن يعينني وإياكم على الصبر فأستطيع -بعون الله- الإشارة في المقال التالي إلى أهم محتويات هذا الكتاب الخطير في خطته وأقلامه وأهدافه .. ولكني قبل أن أصل إلى نهاية الطريق ، أجد أن الواجب يحتم عليّ توجيه الشكر لطالبتيّ على غيرتهما، وبعد نظرهما؛ فهذا المؤتمر مع أنه قديم نسبياً إذ انعقد عام 1978م، إلا أنه يوضح مدى الخطورة التي كانت وما زالت تحيط بنا كمسلمين ومجتمعات مسلمة .. فهل نحن غافلون .. أم مستغفلون؟
 


(2)
 

كنت قد وعدتكم أن أتطرق إلى بعض محتويات كتاب (التنصير.. خطة لغزو العالم الإسلامي)، وهو الترجمة الكاملة لأعمال المؤتمر التبشيري الذي عُقد في مدينة (جلين أيري)، بولاية كولورادو في الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1978م ، ولمن أراد الاستزادة فقد نشرته دار (Marc) للنشر بعنوان (The Gospel and Islam A 1978 Compendium).
أما النسخة العربية التي بين يديّ فلم أتمكن من الوقوف على دار نشرها، و لعل دار النشر نفسها قامت بطباعة هذا التقرير بعدة لغات، وكانت منها اللغة العربية.
وإن كان الفضول هو الدافع الأساسي من قراءة هذا الكتاب، لكنه لن يكون السبب نفسه الكامن وراء محاولة دراسته وطرح خلاصته عليكم؛ إذ إني أتطلع معكم لتحفيز همم أكثر من مليار مسلم لمواجهة خطط تنصيريّة تعمل على تغيير قبلتنا من مكة المكرمة إلى دولة الفاتكان!!
إن الغريب في هذا المؤتمر هو اعتراف أحد الباحثين فيه بتميّز الدين الإسلامي وتفوّقه، وإن شريعته هي الصورة الكاملة للحياة بكل جوانبها، هذا ما أكّده (بروس .نيكور) بقوله: "إن الإسلام هو أكثر من عقيدة دينية، إنه نظام متكامل للحياة والدين، فالإسلام يدمج كل المؤسسات الدينية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية على أسس الإيمان والاقتناع والالتزام بقبول الله رباً، والاستسلام كلية لإرادته كما ورد في الشريعة. إن الإسلام عقيدة الجماعة تمثل حركة اجتماعية .. إن مركز الإبداع في الإسلام هو التوحيد أي الشهادة بأن لا إله إلا الله، والتوحيد يعني أن الله هو الخالق أي السبب الجوهري لكل الوجود والنشاط، وعليه فان الدين والثقافة في الإسلام شيء واحد .. فكما قال إسماعيل الفاروقي: "إن الإسلام يقف بوضوح داخل التقاليد الدينية لوادي الرافدين حيث الدين هو الحضارة والحضارة هي الدين". ولم يكتف هذا الكاهن بهذا الغزل المبطن بكيْد دفين، بل أشار إلى بعض توصيات لبعض المؤتمرات الإسلامية، فقال: "تجدر الإشارة هنا إلى مؤتمرين عُقدا مؤخراً للتأكيد مرة أخرى على هذه النظرة التوفيقية، ففي المؤتمر الإسلامي الدولي الذي عُقد في لندن في نيسان 1976م حول "الإسلام وتحدّيات العصر" تم تقديم الإسلام كنظام متكامل من القيم ومصدر إلهام لكل منجزات العلم والدراسات الإنسانية، والمصدر الوحيد الراسخ للإيمان والسلوك، ومرة أخرى دعا المؤتمر الدولي حول التعليم الإسلامي، والذي عُقد في جامعة الملك عبد العزيز في جدة، نيسان 1977م إلى دراسة النفوذ العلماني للتعليم الغربي، لإعادة تصنيف مجمل المعرفة وفق وجهة النظر الإسلامية".
وأمام معرفة هذا المبشر بحقيقة هذا التفوق الذي يمتاز به الإسلام، كان يُفترض أن يقترح على زملائه من مبشرين البحث عن أسباب تميّز هذا النظام الإسلامي المتكامل للحياة والدين لعلهم يقفون على حقيقة هذا الدين السماوي، ولكنكم ستُفاجؤون عند الاطلاع على قوله الذي جاء فيه: "أقترح أن نقوم باستكشاف مفهوم مملكة الرب في الكتاب المقدس، على أنها تلك المملكة التي تلبي بفاعليه كل الحاجات الثقافية والدينية للمسلم، وتقدم رداً شاملاً على المفهوم الإسلامي للدعوة والدين!!".
والذي لا أفهمه هو ذلك اليقين الذي عم الحضور بتميّز الإسلام وكماله، حتى عن دينهم الذي يدعون إليه!! يقين لم يتفكروا فيه بعيداً عن التعصب الأعمى الذي حل بهم، هذا اليقين دفع أحد المعلقين للقول: "لا بد من الإجابة عن هذا السؤال، فالإسلام هو ترجمة صادقة وواضحة لحكم الله على المستوى السياسي المتمثل في الدولة وفي رجال الدين، فنحن ننكر أن مثل هذا الحكم الواضح مطابق لمفهوم ملكوت الرب على الرغم من تأكيد هذه الحقيقة أحياناً في الكنيسة، ولكن ما الذي يمكن أن نقدمه كاختبار أو دليل على وجود ملكوت الرب على ظهر البسيطة أو في الكنيسة؟".
لقد تُركت إجابة هذا السؤال دون أدنى اهتمام، ولا أدري هل عجز جميع الحضور بمن فيهم الباحث عن إدراكه، أم لعلهم لم يجدوا في دينهم الجواب الشافي لسؤال وجدوا إجابته باعترافهم في النظام الإسلامي المتكامل!!
وأمام هذا الدين العظيم الذي عرفه بعضهم حق المعرفة، كان طبيعياً أن يُخشى من تحوّل فئة منهم إلى الإسلام، كان طبيعياً أن يقوم أحدهم بتحذيرهم من الإنسان المسلم التقيّ الذي يملك من الإيمان ما قد لا يمكن مقاومته، هذه الخشية دفعت أحدهم إلى القول: "يمكن أن يكون العاملون في مجال التنصير في هذه الأيام والذين كيّفتهم الظروف قد تأثروا كثيراً بالتقوى والولاء الديني للكثير من المسلمين حتى كادوا يهملون حقائق الشهادة الإنجيلية الواضحة، قد يكون تركيزهم على هذه التقوى المثيرة للإعجاب..لقد وقفوا بكل رهبة أمام المسلم المنهمك في عبادة الله وقوته وعظمته، وتجاوبوا مع التزامه المحسوس للخضوع لرغبة الله .. إنهم يحسدون غيرة المسلم على عبادة الرب الواحد الذي يتصرف في ملوكته، وليس كما يفعل شيخ مستبد من الصحراء، إنما كحاكم وكمشرّع أعلى ..هو الواحد فوق الجميع، من المؤكد أن يقول هؤلاء الرجال: "إن مثل هذه القوة والخشوع لله تفوق تقواهم ..". هذا الباحث دون غيره قال: "إن كل محاولات تأكيد التفوق الأخلاقي والاجتماعي للنصرانية محتوم عليها بالفشل ..فتاريخ الكنيسة الطويل تغلب عليه المعاناة" أيّ معاناة يقصد الباحث هنا؟ المعاناة الأخلاقية أم الاجتماعية، أم كليهما .. لم يفسر للأسف!! أو لعله فضّل ترك التوضيح لتاريخ لم يتمكن أهله من ستر وقائعه المخزية.
لقد وضّح المؤتمر بكل وضوح أن المسلمين المؤمنين على أساس علمي لن يكونوا محل اهتمام هؤلاء المبشرين، فذلك لن يجدي نفعاً، وبالتالي أعلنوا أن اهتمامهم كمبشرين منصب على نوع معين من المسلمين، تمّت الإشارة إلى مواصفاتهم في أكثر من دراسة عُرضت أثناء هذا المؤتمر؛ إذ قال (ديفيد أ فريزر): " إن غالبية المسلمين الذين يُحتمل أن يتنصروا هم من الذين يعتنقون ما يُطلق عليه الإسلام الشعبي أو إسلام العوام، هم الأرواحيون يؤمنون بالأرواح الشريرة، وهم الذين يعرفون القليل جداً عن الإسلام الأصيل..والباب الذي يمكن من خلاله التأثير على هؤلاء وتنصيرهم هو أن يقوم شخص بتقديم منافع دنيوية لهم"!! فحتى المسلمين الذين يملكون علماً بسيطاً عن حقائق الدين الإسلامي، والذين هم في حكم الجهلة لن يتمكن المبشرون من إقناعهم بالنصرانية، والحل المقبول في هذه الحالة دون غيرها تقديم فؤاد مادية!!
في حين ينقل (دون م. ماكري) عن آخر قوله: "أينما يمرّ الناس بتحوّل اجتماعي واقتصادي أو جذري سريع فإن الكنائس يمكن أن تزداد ..فمن أهم العوامل التي تجعل الإنسان على استعداد لتقبل التنصير هي التمدن، والصناعة الجديدة، والتهجير والاستعمار، واعتماد النمط الغربي في الحياة، والتغييرات السياسية والثورات والقمع..." ليتنا نحذر ونُحذّر شباب أمتنا مما يُحاك ضدنا كأمة .. التمدن، والصناعة الجديدة، والتهجير، والاستعمار، واعتماد النمط الغربي في الحياة، والتغييرات السياسية والثورات والقمع ..كل هذه الأوضاع تمر بنا دون وعي أو إدراك، بينما هم ومن زمن بعيد مطلعون على تحركاتنا، وعلى مؤتمراتنا..؛ إذ كيف تمكّنوا من الاطلاع على توصيات المؤتمر الذي عُقد بجدة عام 1977م ...
إن أرضنا خصبه فلنزرعها بالإيمان والعمل الصالح، ننل بذلك رضوان الله وبركاته.. وللحديث بقية، والله المستعان.
 

اعداد الصفحة للطباعة      
ارسل هذه الصفحة الى صديقك
أميمةالجلاهمة
  • مـقـالات
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط