اطبع هذه الصفحة


الاعتذار الثقافي هو ما نبغي

د. أميمة بنت أحمد الجلاهمة
أ
كاديمية سعودية .. جامعة الملك فيصل الدمام

 
الواجب يحتم علينا أن نتوجه لتحليل دلالات ومفردات قرارات وتوصيات المؤتمر العالمي لنصرة النبي، أما الوقوف إجلالا لها وللقائمين عليها فأمر لا مناص لنا منه، فقد انتهى مع خروجها جزعنا من أصوات عربية بدت للعالم أجمع نشازاً لا قيمة له في محاولاتها التقليل من دور المقاطعة وتسفيهها...

إن (المؤتمر العالمي لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم) الذي انعقد نهاية الأسبوع الماضي في مملكة البحرين، بحضور أكثر من 300 عالم وداعية ومفكر إسلامي توافدوا من شرق الأرض وغربها، شمالها وجنوبها، كان تظاهرة ثقافية حضارية صامدة مثلت كل الأطياف الفكرية الإسلامية. كان الهدف الأساسي من هذا المؤتمر توحيد الجهود الإسلامية العالمية في نصرتها للرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، والإنصات لتجارب الأقليات الإسلامية، التي هي الأقدر على نقل صورة مجتمعاتهم الإيجابية والسلبية تجاه الإسلام كدين، وأسباب كل منها، والوسائل المثلى لتصحيح مسار ما شوه من تعاليمه وتشريعاته، كما تطلع المؤتمر لإصلاح أمة الإسلام ونهضتها، "وإن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم".
ولأن التوصيات التي خرج بها هذا المؤتمر ليست مغيبة، فلا أعتقد أن المجال هنا لسردها بالنص، فالواجب - كما أراه - يحتم علينا أن نتوجه لتحليل دلالاتها ومفرداتها، أما الوقوف إجلالا لها وللقائمين عليها فأمر لا مناص لنا منه، فقد انتهى مع خروجها جزعنا من أصوات عربية بدت للعالم أجمع نشازاً لا قيمة له في محاولاتها التقليل من دور المقاطعة وتسفيهها، بمعنى آخر تسفيه ما يزيد عن مليار مسلم ساءهم ما نال رسول الرحمة محمد عليه الصلاة والسلام من أولئك.
إن الناظر المتتبع لقرارات وتوصيات هذا المؤتمر يعجب من سمو اللغة التي كتبتا بها، فاللغة المستخدمة في كلتيهما تليق بعظم هذا الدين وبنبيه خير البرية محمد عليه الصلاة والسلام المبعوث رحمة للعالمين، فهي على اختلافها عالجت هذا الحدث الجلل بعقلانية يفخر التاريخ الإسلامي بل الإنساني بها، هذا ما سيقف عليه المتتبع المحايد الذي لن يجد فيهما عبارة يمكن تفسيرها أو تأويلها بشكل يخرجها عن مضامينها، هي بحق حجة لنا لا علينا.
لقد حرص هذا المؤتمر على طرح مطالبة المسلمين بتمكينهم من نشر الصور الصحيحة للإسلام ولنبيه والدور الحضاري لهذه الأمة وهو ما أطلق عليه (الاعتذار الثقافي)، وفي الوقت نفسه حرص على شكر الحكومات والمؤسسات الخاصة والعامة على السواء وكل من كان له دور إيجابي في رفضه لهذا التطاول.
والرائع في هذا الفتح المبين هو تعالي هذا المؤتمر على صغائر الأمور، فقد بين أن العلاقة بين المسلمين والغرب ينبغي أن تكون قائمة على العدل والاحترام وحفظ الحقوق وبيان أهمية فتح الحوار الإيجابي في تدعيم ذلك كله، كما دان الأفعال الخاطئة التي قام بها بعض المسلمين من حرق وإتلاف دور العبادة والممتلكات لخروج هذه الأفعال عن مضامين هدي الإسلام الحنيف، مؤكدا قوة وفاعلية المقاطعة الاقتصادية في إظهار رفض المسلمين المساس بدينهم ومقدساتهم، وتدعيمه لذلك بوثيقة المقاطعة ووثيقة ضوابط النصرة الشرعية، مع حرصه على بيان أهمية الالتزام بها، وفي الوقت نفسه لم يغفل توجيه توصياته لحكومات الدول الإسلامية بضرورة الاهتمام بتدعيم الثقافة الإسلامية عبر مناهج التعليم ووسائل الإعلام وأهمية تدعيم الاقتصاد المحلي والإقليمي، كما أشاد بالتعامل العقلاني لمسلمي الدنمارك مع القضية المطروحة، والذين هم في حقيقة الأمر في وجه المدفع، موضحا في حيثياته أهمية رعاية ودعم الجمعيات والمنظمات الإسلامية العاملة على نصرة الإسلام ونبيه، ولأن من لا يشكر الناس لا يشكر الله سبحانه، أظهر المؤتمر موقفه الممتن من شركة (آرلا) الدنماركية، التي أعلنت استنكارها وإدانتها ورفضها لكل المبررات المرافقة لتلك الصور، متطلعة لحوار معها ينصف جميع الأطراف، وينتهي إلى الاتفاق على خطوات إيجابية تتناسب وعظم القضية المطروحة.
عندما أتابع قرارات وتوصيات المؤتمر العالمي لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم أشعر بالفخر، خاصة عندما أقارنه بمضامين بيان (معا لمواجهة الاستبداد الجديد) الذي وقع عليه كتّاب وصحفيون ومفكرون علمانيون، فهو في مجمله إكليل من السباب والقذف، ينم في صياغته وأفكاره على ضحالة فكر أصحابه ومحدودية عقولهم، فقد وصفت أمة محمد صلى الله عليه وسلم، التي هبت تذود عن رسولها عليه الصلاة والسلام تجاه ذلك الفعل بصفات تدل على مدى استفحال عداوتهم للإسلام وأهله، فقد جاء في وصفه لأمة الإسلام على سبيل المثال: (الثيوقراطيين) و(الظلامية والاستبداد والكراهية) و(الإسلاموية فكر رجعي يقتل المساواة والحرية والعلمانية)، وبطبيعة الحال لم يكن ممكنا لهؤلاء التغاضي عما اعتقدوها الحلقة الأضعف في العالم الإسلامي (المرأة المسلمة) فعمدوا كعادتهم دوما على الضغط عليها لعلها تتحرك باتجاههم، فما زادها ذاك إلا ابتعادا عنهم وعن توجهاتهم - ولله الحمد - إلا القلة القليلة ممن تنام وتصحو على غير هدى، هداها الله.
والواقع أني لم أجد في بيانهم ما يمكن أن أتفق معهم عليه إلا عبارة يمكن أن تفسر بحسب مصدرها، فقد جاء في بيانهم: (نناشد.. أصحاب الروح الناقدة، حتى يكون قرننا هذا قرنا للتنوير وليس قرنا للظلامية).
وأنا أناشد بدوري كل العقلاء من أبناء أمتي أن يسعوا للقيام بواجبهم في تنوير المسلمين والعالم بحقيقة هذا الدين، فقد جاء ديننا ليحمل النور والحق والحضارة للعالم أجمع، أناشد المسلمين أن يعوا الواجب المناط بهم تجاه أنفسهم وتجاه غيرهم، والذي عاجلا أم آجلا سيحاسبون عليه، ورحم الله الملك فيصل بن عبدالعزيز، فقد قال في كلمته في حج عام 1389هـ: "لو عدنا إلى ديننا وإلى عقيدتنا وإلى مثلنا لوجدنا أمتنا في المركز الذي يمكن أن يعطي للعالم نورا يستضيئون به وليهتدوا إلى سبيل الرشد، ويعودوا عن غيهم الذي يتخبطون فيه".

 

أميمةالجلاهمة
  • مـقـالات
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط