اطبع هذه الصفحة


هؤلاء ينظرن بعين الغبطة للجواري

د. أميمة بنت أحمد الجلاهمة
أ
كاديمية سعودية .. جامعة الملك فيصل الدمام

 
أعتقد يقيناً أن النساء اللائي يفرض عليهن زواج المسيار ينظرن بعين الغبطة للجواري اللائي يتمتعن في الشريعة الإسلامية بحقوق تفوق حقوقهن، ففي حين تملك الجارية حق الإشهار، وحق الرعاية المادية، يفرض على تلك التنازل عن ذلك كله باسم زواج المسيار!.


لا أدري أأنا اليوم أقف ها هنا لأني امرأة. أم لأن أمر بنات جنسي يعنيني كأم وأخت وصديقة وزميلة. أم لأني كمسلمة أملك من الكبرياء والشموخ ما يكفي لغيري من النساء اللائي لا يدركن عظم شأن دين رفع النساء فوق هامة البشر فلا تطالهن الأيدي ولا الأبصار. أم لأني أثق كل الثقة بعدالة علمائنا الكرام، وأدين لهم بالطاعة، أم لذلك كله؟.
ولكني وفي كل الأحوال لا أملك إلاّ أن أعلن رأي الغالبية العظمى من النساء التي رأت في دينها حصنا يحميها من ظلم وجبروت بعض الرجال، دين يحميها من ضعفها وقلة حيلتها، دين ساندها وحذر الرجال من ظلمها والتطاول عليها، دين عدها بشارة وأوصى بالرفق بها بنتا كانت أو زوجة أو أماً تتطلع لأبنائها، دين أضفى عليها ثقة فأضحت تتعامل بها دون وجل.

(زواج المسيار) الذي نال الحظوة مؤخرا بإعلان المجمع الفقهي الإسلامي القرار بجوازه إذا توفرت فيه الأركان من الإيجاب والقبول والإعلان ولو على الحد الأدنى منه (شاهدين وولي) وبدفع مهر قل أو كثر، أو بدون مهر في حال تنازل المرأة عنه. زواج كهذا ما زال حديث الساعة بالنسبة لنا نحن معشر النساء، وما قيل من مبررات من مراعاة الزوج لمشاعر زوجته الأولى أو من حاجة الوالدين لرعاية ابنتهما أو بسبب فقر الزوج أو... أو...،هذه المبررات وأمثالها والتي كانت الدافع للنظر في حله والقبول به، حتى قبل قرار المجمع الفقهي، مردود عليها، فبعض علمائنا الأفاضل عندما أحلوه قالوا إنه زواج خالف ما هو أولى، وبعضهم قال إن زواج المسيار يخدش العقد وينال منه، ومع أنه لا يبطله إلا أنه ليس الزواج الإسلامي المنشود.
أما نحن النساء فلنا وجهة نظر نأمل تأمل علمائنا فيها وفي أبعادها، فنحن عندما نرفع هذه القضية لهم نطلب منهم - دون غيرهم - إعادة النظر في هذا النوع من الزواج، أو على الأقل بيان سلبياته ومناقشتها دون استحياء.
فهذا الزواج الذي أصبح معتبرا عند الكثيرين أساء أكثر ما أساء لبنات ولرجال المملكة العربية السعودية، ولغيرها من دول الخليج، فنساؤنا كما توصف اليوم متكالبات على الرجال، أما رجالنا ففاقدو الأهلية جبناء معدومو الرجولة، وهو أمر لا أقبله على بنات جنسي ولا على رجالنا.

وسأحاول هنا بيان وجهة نظري كامرأة في بعض ما طرح من مبررات لجوازه، فالقول إن رعاية الوالدين اللذين قد يصران على زواج ابنتهما زواج المسيار لحاجتهما لرعايتها وخدمتها مردود، فرعاية الوالدين من واجب الأبناء خاصة - في حالة وجودهم - وليس ذلك مناطاً بالفتيات، ولو اختارت الابنة البقاء دون زواج لخدمة والديها فذلك بر منها وتفضل، إذ إن الشرع لم يلزمها بأي حال من الأحوال بعدم الزواج لهذه الغاية، كما لم يلزمها بقبول هذه الصورة من الزواج، بل إن الشريعة قدمت طاعتها لزوجها على طاعتها لوالديها، فكيف نلزمها بالتنازل عن حقوقها المشروعة لهذه الغاية؟.
زواج المسيار الذي يشترط فيه الإعلان ولو في الحد الأدنى أي بوجود ولي وشاهدين، محل نظر، فما هي المبررات التي تدفع الزوج لهذا النوع من الشرط، فالحد الأدنى للإعلان المحصور بثلاثة أشخاص دون غيرهم، فيه كثير من العنت فالتعامل مع زواج المسيار كتعاملنا مع الأسرار التي نتعمد إخفاءها ونخشى كشفها يذكرني بالحديث الذي جاء فيه: (الإثم ما حاك في النفس وكرهت أن يطلع عليه الناس).

ثم لا أفهم كيف جاز له أن يشترط على من يرغب في الارتباط بها حرمانها من حقها في المبيت!، لا أفهم كيف جاز له أن يفعل ذلك دون سبب يحول دونهما كسفره لحاجة مباحة ومحددة بفترات معقولة لا تتعدى الأشهر الأربعة على سبيل المثال!، ثم ما العمل لو قدر الله سبحانه وحملت من زواجها هذا؟ وما هو موقف الزوج الذي على الأغلب يخجل أو يخاف الإعلان عن زواجه منها - إلا في أضيق الحدود -، فكيف يفترض أنه يملك القوة للاعتراف بأبنائها؟، ثم ما هو موقف المجتمع الذي لا علم له بهذا الزواج وقد ظهرت على بدن زوجته معالم الحمل؟.
ثم ما هو موقف المجتمع من أبناء فرض على أمهاتهم التنازل عن الكثير من حقوقهن الشرعية، فنالهم كأمهاتهم بذلك الظلم الكثير؟، فتلك أمهم التي تعمد والدهم إخفاء زواجه بها، فوالده وأمه قد لا يعلمان وكذلك أعمامه وإخوته وأخواته بل وزوجته الأولى وأبناؤها منه!.

الأبناء من زواج المسيار أبناء من الدرجة الثانية، حالة اجتماعية ستظهر لا محالة نتيجة لفعل رجل جبان. أبناء سيتولد في نفوسهم الكره لوالديهم ولأمهاتهم ولمجتمعهم الذي ارتضى أن يكون هذا مصيرهم. فذاك الوالد يكيل بمكيالين ففي حين يتحرج من الاعتراف بهم ومن الوقوف معهم والحديث إليهم أمام الناس، يتباهى بأبنائه من أخرى.
ثم إن التحصين النفسي والجسدي لكلا الزوجين من أهم أهداف الزواج في الإسلام، فكيف يتحقق بهذا النوع من الزواج الذي لا يلزم الزوج بأي التزام من جانبه لزوجته فلا مبيت ولا نفقة، فهو المحصن بارتباطه بغيرها، أما هي فمحكوم أمرها برغبة الزوج ومزاجه!.

نعم قد تقبل الزوجة التنازل عن النفقة بسبب فقر زوجها وعجزه، بل قد تسانده بمالها، متطلعة لرضا المولى سبحانه، مدركة لعظم أجرها في ذلك، لكن أن يشترط عليها قبل عقد الزواج التنازل عن ذلك، فغريب عجيب، فرسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام قدوتنا في أقواله وأفعاله وتقريراته تزوج أمنا خديجة رضي الله عنها وهي السيدة الثيب التي تكبره بكثير، وعلى فقره وغناها لم يتعامل معها بالصورة المهينة لزواج المسيار، على اعتبار أنها ثيب أكبر منه، أو لأنها لا تحتاج للنفقة فهي الغنية وهو الفقير، كان عليه الصلاة والسلام معها رضي الله عنها مثال الزوج المحب لزوجته المقدر لها ولمساندتها له، الفخور بالارتباط بها، كان ذلك حاله معها قبل نزول الوحي و بعد نزوله.
ثم هل يقبل الرجل بزواج تطلب فيه المرأة تنازله عن حقه في القوامة، مشترطة إبقاء ذلك في يد والدها؟، وهل يقبل بكتابة هذا الشرط في العقد، أم إن ذلك سيجرح من كرامته فيستشيط غضباً؟.

أعتقد يقينا أن النساء اللائي يفرض عليهن زواج المسيار ينظرن بعين الغبطة للجواري اللائي يتمتعن في الشريعة الإسلامية بحقوق تفوق حقوقهن، ففي حين تملك الجارية حق الإشهار، فسيدها معلوم للجميع، كما تملك حق الرعاية المادية، يفرض على تلك التنازل عن ذلك كله باسم زواج المسيار!.
 

أميمةالجلاهمة
  • مـقـالات
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط