اطبع هذه الصفحة


"الانسلاخ" مصطلح يستحق التدبر

د. أميمة بنت أحمد الجلاهمة
أ
كاديمية سعودية .. جامعة الملك فيصل الدمام

 
"الانسلاخ" مصطلح يستحق التدبر، فهو يطلق على عملية طرح "الحية " لجلدها الميت واستبداله بجلد جديد، تدار هذه العملية بشكل دوري غريزي لا يترتب عليه بطبيعة الحال جزاء أو عقاب، وهذا الطرح أمر مفروغ منه لا يحتاج جدالا لإثباته، وبالتالي فطرحه هنا ليس مقصودا لذاته، بل لأن هذا الانسلاخ الطبيعي لهذه الكائنات ذكرني بانسلاخ آخر نتابعه يوميا، انسلاخ مكتسب يدار بوعي كامل من صاحبه، انسلاخ لا أجد له تفسيراً إلا قلة العقل، وقد يتشابه صاحبه أيضا مع حواس الحية فهي تعتمد على حاستي التذوق والشم، ومع كونها تبقي عينيها مفتوحتين دائما فهي لا تملك الرؤية الجيدة إلا لمسافة قصيرة فقط، بمعنى أنها لا تستطيع التركيز جيدا ولا تملك بعد النظر، فشغلها الشاغل لا يتعدى إشباع معدتها وحماية هذه المعدة..

فمع الأسف نجد كثيراً من بني البشر امتهنوا انسلاخاً كهذا الانسلاخ، ممن عطلوا بقية حواسهم معتمدين على حاستي الشم والتذوق، إلا أن الاختلاف الوارد والواضح بينهم وبين هذه الزواحف يكمن في تفنن ابن آدم في طريقة اختياره لجلده الجديد، فتارة قومي عربي، وتارة اشتراكي، وتارة إسلامي متعصب، وتارة رأسمالي، وتارة إلحادي بهيمي! تارة يقف على المنبر, وتارة يقف في ساحة عامة، وتارة يرتدي ثياب العلماء, وتارة أخرى يمشي رافعا الشعارات، ولا ضير لو كان في كل منها مناقضا لنفسه محاربا لأقواله.. فالحكمة كل الحكمة أن يغير جلده ويبدع في ذلك.

إلا أنه من الإجحاف كل الإجحاف إنكارنا محاولته الحثيثة الاستفادة كل الاستفادة من قدراته المحدودة نسبيا بالنسبة لأمثاله، فهو عادة ما يراعي في اختياراته شتى فصول السنة ومستلزماتها، فما يناسب الشتاء لا يتوافق والربيع، كما أن الاختلاف بين طبيعتي ومتطلبات فصلي الصيف والخريف أكبر من أن يطرح في هذه العجالة، ولذا قد نراه اليوم زاهيا ضاحكا ولو بدون سبب، وقد نراه غدا متهجما عابسا وأيضا دون سبب، وقد نراه غدا متفائلا أو متشائما، نباتيا أو حيوانيا، فالمصلحة تقتضي هذا التغيير المفاجئ في المفاهيم والمبادئ وبدون إبداء الأسباب! أمثال هؤلاء يخرجون من هذه الحياة بأقل مما دخلوا.. متحسرين، خاسرين، تاركين خلفهم فلسفة خاصة جدا تليق بهم وتلك الحيات، فقد أمضوا حياتهم فيها يزحفون كالزواحف.. يغيرون جلودهم بحسب مقتضيات الحال والأحوال.

إن متابعتي لحياة أمثالهم تجعلني أصر على وجود تشابه واضح بينهم وبين هذه الزواحف، فمعظم الناس يعتقد أن الحيات سامة بطبيعتها، إلا أن الواقع يؤكد أن هذه الصفة ليست ملازمة لكل أنواعها، بل إن معظمها غير مؤذ، هذا ما أكدته" الموسوعة العربية العالمية " ولا تعني الموسوعة أن هذه المخلوقات تترفع عن جلب الأذى للغير، بل تعني أنها لا تملك القدرة على إحداث الأذى، وصاحبنا ذاك يبذل الكثير لإلحاق الأذى بالغير، إلا أنه يعود خاوي الوفاض من حيث بدأ، فلا مجال لتحريك الثابت، في حين أن المجال كل المجال لتحريك من اعتاد مسايرة الرياح ولو بنزع سقف بيته بيده.

والمؤلم أن أمثاله لا يتعظون بتاريخ كانوا هم جزءاً منه، المؤلم أنه قلما توقفوا عند أناس كانوا بالأمس يمرحون بينهم وهم اليوم تحت الثرى، مآلنا الأخير لا محالة، وهذا الجانب من تفكيرهم يذكرني أيضا بالحية فقد أكد الباحثون أنها من الكائنات قليلة الذكاء، فمن خلال تجارب علمية أجريت على بني جلدتها أظهرت قدرتها القليلة على التعلم، وبالتالي فهم في هذا الجانب أيضا متوافقون، فكما أن التجارب العلمية أكدت ضحالة القدرة العقلية للحية، فالتجارب الإنسانية على مدى التاريخ أظهرت أيضا ضحالة القدرة العقلية لفئة رأت وعمدت إلى تغيير خياراتها ومبادئها يوما بعد يوم، معتمدين كما يبدو على ضعف الذاكرة الإنسانية التي ظنوا أنها ستتوقف عن الإشارة لقفزاتهم وجولاتهم، فأمثال هؤلاء لا يقرؤون التاريخ ولا يتوقفون عند أحداثه، كما أنهم لا يتعظون بالفصول التي يعولون في تحركاتهم وتوجهاتهم على معطياتها، فقد تصب كل أيامها في كفة خصم اعتقدوا يوما أنه للزوال، وليجدوه متربعا على قمة لم يصل حدود بصرهم يوما إليها.. المؤلم أنهم ما زالوا يمتهنون تغيير جلودهم، ناكرين لقديمها..كإنكار الحيات لجلدها القديم.. مطبقين وعلى أرض الواقع انسلاخ الحيات.. وزحف الزواحف.

 

أميمةالجلاهمة
  • مـقـالات
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط