اطبع هذه الصفحة


أصوات أمريكية رافضة للمساواة وللتعليم المختلط

د. أميمة بنت أحمد الجلاهمة
أ
كاديمية سعودية .. جامعة الملك فيصل الدمام

 
في المجال الإنساني من الحكمة التوقف عند النتائج قبل المبادرة بالسير في منهاج ما، من الحكمة البدء من حيث انتهى الآخرون لا من حيث بدؤوا، فالحذر مطلوب خاصة عندما يتعلق الأمر بالفكر الإنساني، والأمر يزداد إلحاحا عندما نتوقف عند فكر افتقر على أرضه وبين أهله إلى مقومات النجاح، مما دفعهم للسعي لتصحيح توجهاته بفكر مضاد، هذا ما تبادر إلى ذهني وأنا أتابع سياسة تعليمية اعتمدها "جورج بوش" الابن، سياسة توافقت مع الأصوات الرافضة للممارسات الملغية للفوارق بين الجنسين، وبمعنى آخر أصوات رافضة للمساواة بين الجنسين الذكر والأنثى، فنتائج هذه الممارسات الأمريكية على أرض الواقع لن تجد وصفا لائقا بها أكثر من القول إنها كانت وما زالت مروعة مما دفع الأهالي إلى المطالبة بفصل البنين عن البنات في مراحل التعليم، خاصة المتوسطة والثانوية منها.

أما سياسة رئيس الولايات المتحدة جورج بوش التعليمية فتتضمن تخصيص ميزانية ضخمة تصل إلى ثلاثمئة مليون دولار بغية الفصل بين البنين والبنات في مراحل التعليم النظامي، وبمدارس تخصص لكل منهما على حدة، وقد انتهت تقارير صدرت عن وزارة التعليم الأمريكية نشرت مؤخرا وبالتحديد في أبريل من عام 2006م، إلى أن عدد المدارس الحكومية غير المختلطة بلغ (223) مدرسة بمعدل زيادة سنوية قدره 300%، أما عن الولايات التي انتهجت سياسة التعليم غير المختلط فبلغت (32) ولاية، وهو عدد لا يستهان به إذا أخذنا بعين الاعتبار العدد الكلي للولايات المتحدة الأمريكية والبالغ (50) ولاية، وبالتالي فأغلبية هذه الولايات رأت صلاح التعليم غير المختلط فتوجهت إليه وطبقته.

وفي هذا الصدد سأتوقف معكم عند دراسة تحليلية لسياسة التعليم في المجتمعات الغربية، السياسة التي اعتمدت منذ عقود اختلاط البنين بالبنات، هذه الدراسة ظهرت في كتاب"سوء تعليم النساء" للبروفيسور "جيمس تولي" وهو أستاذ السياسة التربوية بجامعة نيوكاسيل ابون تاين البريطانية،وقد قامت الأستاذة (اي دجي ويبكنسن)المتخصصة في قضايا المرأة، والمتواجدة حاليا في الرياض، بعرض هذه الدراسة في مجلة المعرفة في عددها (139).

ولا بد أن أشير إلى أني وقفت على هذا العدد بالذات وأنا في صالة الانتظار في أحد مطارات المملكة، وعندما حان الوقت لصعود الطائرة، لم أتمكن من مغادرة الصالة دون الاستئذان بحمل المجلة معي لعلي أتمكن من إكمال قراءة محتوياتها أثناء الرحلة، لقد كانت تلك الحاجة ملحة، فمحتويات هذه الدراسة أخافتني بقدر ما أخافت العقلاء في المجتمع الغربي بشكل عام، والبريطاني بشكل خاص.

على أية حال لفت نظري أن "جيمس تولي" أشار إلى أن السياسة التعليمية التي وضعت وأسست لفكر المساواة والاختلاط في التعليم بين الذكور والإناث في المجتمع الغربي تتمتع بنفوذ قوي، فلا يحق لأي كان أن يقترح سياسة مخالفة لتلك السياسة، بل إن المستشار المهني يحظر عليه اقتراح الأمومة كخيار لطالبة الوظيفة،بغض النظر عن مؤهلاتها أو الظروف المحيطة بها، فهذا الخيار يعد طرحه جريمة في حق الحضارة الغربية، كما أشار البروفيسور" تولي" من أن المجتمع الغربي عليه الأخذ بعين الاعتبار الفوارق الطبيعية بين الرجل والمرأة عند وضعه للسياسات التعليمية، واعتبار اختلافهما حقيقة لا يمكن تجاهلها في الواقع، كما لا يمكن له تجاهل رغبة الإناث في العمل في وظائف تتناسب وميولهن، وتختلف مع وظائف يميل الرجال عادة للعمل في نطاقها.

هذا الكلام ذكرني بما قاله البروفيسور" ألكسس كاريل" مع بداية القرن العشرين، في كتابه (الإنسان ذلك المجهول) علما أنه نال جائزة نوبل عام 1912م على أبحاثه الطبية الفذة في مجال علم وظائف الأعضاء، فقد قال حينها: (علينا أن نعيد إنشاء الإنسان الذي أضعفته الحياة العصرية، يجب ألا يتقمص الإنسان ذكرا أو أنثى صفات الجنس الآخر أو ميوله أو طموحه الذاتي) هذا الطبيب المحنك، الذي بهر العالم بأبحاثه الطبية في مجال وظائف الأعضاء، والذي نال عن استحقاق جائزة نوبل العالمية، قال أيضا في هذا المجال: (الاختلاف بين الذكر والأنثى لا يرجع للأعضاء التناسلية ووجود الرحم والحمل، بل للأنسجة وتلقيح الجسم بمواد كيمائية محددة يفرزها المبيض، كما أن كل خلية من خلايا جسم الإنسان تحمل طابع جنسه ونوعه، وهذا الأمر متحقق أيضا بالنسبة لبقية الأعضاء بل للجهاز العصبي) كما حملتني دراسة البروفيسور(جيمس تولي) لكتاب نشر حديثا أثار - أيضا - جدلا عظيما في الأوساط المثقفة الغربية، وهو للمذيعة الألمانية الشهيرة "إيفا هيرمان" والتي قالت فيه منتقدة الحياة الغربية التي تقضي فيها المرأة جل يومها خارج المنزل لتعود إليه مع نهايته وهي منهكة ومتعبة،لا طاقة ولا وقت لديها لتكون أما أو زوجة، فقد قالت: (نحن النساء - في ألمانيا - نجد أنفسنا يائسات بعيدا عن الأمن والبيت والعائلة، نكافح يوميا في نضال وحدنا في عالم العمل الخاص بالرجال..) إيفا في كتابها هذا تنتقد المرأة العصرية التي تلبس البنطال كالرجال وتذهب للعمل على حد وصفها، كما تؤكد أن النساء اليوم كما الرجال لا يردن الأطفال، يردن الابتعاد عن المسؤولية وعما يترتب على وجودهم من مصروفات.

والغريب في الدراسة التي طرحتها مجلة (المعرفة) هو ما أشارت إليه من مضامين لكتاب (المرأة الكاملة) بقلم الكاتبة "جرمين غريز " والتي أشارت فيه إلى أن حياة المرأة أصبحت أكثر صعوبة وليس العكس، وهو أمر يدعو للسخرية، لأن الثورة التي ألهمتها بأفكار ورفعت من خلالها شعار انتهاء زمن معاناة النساء والدعوة للتمرد ورفض الإنجاب حين لا ترغب هي بذلك، كان يفترض مع تحقق هذه القضايا، أن ينخفض القلق عند النساء فقد تحقق لهن الاستقلال وأصبحت لهن حياة مستقلة عن الرجال، إلا أن الأمر يزداد سوءا.. فقد أثبتت الدراسات أن المرأة اليوم أقل سعادة مما كانت عليه قبل ثلاثة عقود.. وقبل تطبيق توجهات الحركة النسائية.

كما أشارت المجلة نفسها على لسان البروفيسور"جيمس تولي" إلى السياسات التعليمية القائمة على المساواة في النوع الاجتماعي "الجندر" الذي اعتبر في السبعينات من القرن المنصرم دراسة الطلاب والطالبات لمواد مختلفة أمرا مخالفا للقانون، ومن ثم تم تقديم منهج دراسي إجباري موحد للطلاب والطالبات، لا يحظى بنجاح يذكر، ولم يستطع تحقيق سعادة المرأة، فبعد فرض النوع الاجتماعي "الجندر" في المدارس بثلاثين سنة، ما زالت الصورة الفطرية قائمة للفروقات المتحققة بين الذكور والإناث، ذلك أنه كلما أعطيت الفتيات فرصة للاختيار فإنهن يخترن المواد التقليدية ذات الطبيعة الأنثوية.

ومن هنا أعتقد أن على وزارة التربية والتعليم التي تعنى بمناهج أبنائنا وبناتنا في مراحل التعليم النظامي، العمل على إعادة نظرتها للمناهج الموحدة، وهو الأمر الذي آمل أن ينال رعاية التعليم العالي خاصة في المواد الإنسانية التي تدرس في الجامعات.

وأخيرا أضع أمام وزارة التربية والتعليم استفساراً وجهته ابنتي الصغيرة وهي ممتعضة، وهو المتعلق بأسباب كون كل الأسئلة المدونة في كتبها صيغت بصيغة المذكر (اذكر.. اشرح.. وضح..) ولا تقولوا إن هذه الصياغة تشمل الذكر والأنثى، فقد فعلت قبلكم ولم أفلح في إقناعها.. فقد أشارت إلى أن الأمر لم يتوقف عند الأسئلة، فالنصوص الواردة في هذه المناهج اعتمد في مجملها على هذه الصياغة.

 

أميمةالجلاهمة
  • مـقـالات
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط