اطبع هذه الصفحة


أرواح أبنائنا بين الماديات... واهتمام الخادمات

د. أميمة بنت أحمد الجلاهمة
أ
كاديمية سعودية .. جامعة الملك فيصل الدمام

 
أَوَلا نتوقف قليلاً لنفكر بحالنا حين تشيخ أجسادنا وتنحني ظهورنا... فنحتاج لحظتها بلا ريب لحنانهم ورعايتهم... ماذا سيكون عليه حالنا عندما نحتاج لحب محب رحيم، وليس لخدمة خادم مطيع .. خدمة تقبلناها منهم برضى... وصفقنا لها بفخر في أيام طفولتهم... أَوَ لا توافقونني الرأي بأن احترام وطاعة أطفالنا لنا دون حب لا قيمة لهما

حرت في كنه الهدية التي استشعرت وجوباً ضرورة تقديمها لوطني في هذه الأيام المباركة... بحثت في جعبتي عما يمكن أن يكون مميزاً يتناسب ومشاعر الامتنان التي أحملها له، إذ كيف لي بإسعاد وطن معطاء بقادته ورجاله ونسائه... حتى أطفاله.. فلم أجد إلا أن أدعو الله الكريم أن يعيد أعيادنا علينا، ونحن في أتم عافيه، منعمين بالأمن والأمان والرخاء، و أن يرد بكيده سبحانه كيد أعدائه عنا في نحورهم... إنه ولي ذلك والقادر عليه.


***********


أما قضيتي إليكم اليوم فتتعلق بأضعفنا حيلة... لعلي أسهم بهذه السطور في زرع بسمة فواحة تسعدنا اليوم وغداً... سأتحدث اليوم عن أطفالنا وشبابنا حلم الأمس، وأمل المستقبل... البذرة التي نأمل أن نرى في حياتنا قبل مماتنا، ثمارها يانعة وجذورها قد استقرت وثبتت في أرض الوطن...
فئة غضه بيننا لا يستهان بها تمشي على أرضنا، نتعامل معها يومياً دون تقدير لمشاعرها، نغذي الجسد بالماديات ظناً منا أن ذلك يشبعه ويحقق طموحاته... نتعمد دون قصد منا أن نقتل همتهم... فقد نصم آذاننا عندما يتحدثون ونلوي رؤوسنا بينما نراهم مقبلين... فالحديث - كما نعتقد- مع ابن عشر سنوات أو أقل من ذلك أو أكثر قليلاً... مضيعة للوقت...
أطفالنا زينة هذه الدنيا... قد نكون اليوم في شغل شاغل عنهم وهم في أمس الحاجة لمداعبتنا واهتمامنا... اهتمام تتوق إليه أرواحهم التائهة بين الماديات... واهتمام الخادمات...
لذا قد نعايش صبياً التزم الصمت أمام والده... وطاعة أمه... وخادمة أسرته... وذلك مقابل ما يناله من طعام وكساء ومصروف يزيد وينقص حسب الظروف ودون تبريرات لهذا الارتفاع وذاك النقص... وهكذا دواليك ... فقد برمجناه على أنه ليس عليه إزاء ذلك إلا الطاعة التامة... و تقبيل الأيدي...
بناتنا أزهار بيوتنا لم يخلقن لطاعة الله فقط ... بل لخدمة أسرهن، نربي الواحدة منهن لتكون مثل جهاز آلي- لا يكل ولا يمل - وحبذا لو أخرسنا لسانها فلا ينطق إلا بحاضر... ونعم...
أين نحن في هذا كله من نبي الرحمة محمد بن عبد الله عليه الصلاة و السلام...؟ كان على عظم مكانته يطيل السجود خشية إزعاج ابن ابنته الحسن أو الحسين رضي الله عنهما، إذا ركب أحدهما ظهره وهو ساجد، كما روي أنه عليه الصلاة والسلام قبل الحسن وعنده الأقرع بن حابس فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدا، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من لا يرْحَم لا يُرْحَم...
بل تعدت رحمته بأبنائه لتشمل الأطفال بشكل عام... فقد اعتاد الصبية إذا شاهدوه عليه الصلاة والسلام راجعاً من سفر أن يسرعوا إليه، فيرونه هاشاً باشاً للقائهم ويركب بعضهم دابته خلفه وبعضهم أمامه...
هكذا كانت معاملته للصبية فكيف كانت للفتيات... لقد كان نبي الرحمة يحمل (أمامة) ابنة بنته زينب رضي الله عنهما رحمة وحباً بها... وأين؟ هل في الطريق... أم وهو جالس... بل لا هذا ولا ذاك... فقد كان يحملها وهو يؤدي الصلاة...
كما كان عليه افضل الصلاة والسلام يبادر إلى ابنته فاطمة رضي الله عنها، ما أن تقبل عليه فيأخذ بيدها... ويقبلها... ويجلسها في مجلسه...
وها هم صحابته رضي الله عنهم يتبعون سنته، فقد دخل أبو بكر الصديق على ابنته عائشة رضي الله عنهما، وهي مضطجعة وقد أصابتها الحمى، فقبل خدها وقال: كيف أنت يا بنية...
أما عن تقبيل الأخ لأخته فقد سئل الإمام أحمد بن حنبل، فأجاب: قد قبل خالد بن الوليد أخته... إن الرحمة بالأطفال سنة نبينا فقد أمر المسلمين باتباعها...
ثم أَوَ لا نتوقف قليلاً لنفكر بحالنا حين تشيخ أجسادنا وتنحني ظهورنا ... فنحتاج لحظتها بلا ريب لحنانهم ورعايتهم... ماذا سيكون عليه حالنا عندما نحتاج لحب محب رحيم، وليس لخدمة خادم مطيع... خدمة تقبلناها منهم برضى... وصفقنا لها بفخر في أيام طفولتهم... أَوَ لا توافقونني الرأي بأن احترام وطاعة أطفالنا لنا دون حب لا قيمة لهما، على المدى البعيد - على أقل تقدير -
أَوَ لم نفكر يوماً أنه قد يكون بين جنبات هذه الجسد الصغير روح تواقة للمعالي... أو أنه من الممكن أن نعينه... لعلنا نراه في الغد القريب عالماً ذا شأن... آمال عظام علينا أن نسعى لتحقيقها بكل صبر وعزم...
كما أنه ليس من الضروري أن يكون ابننا صورة طبق الأصل منا... إنه من الغبن قتل أحلام أطفالنا سعيا لتحقيق أحلامنا فيهم... أحلام قد تتحول مع إلحاحنا إلى كوابيس تؤرق مضاجعهم، وتحول الواحد منهم مستقبلاً من عضو نشط إيجابي فعال... إلى عضو منكسر النفس صامت كالعبد لا يملك من أمره شيئا يوجهه صاحبه كيفما يشاء، أو إلى عضو متمرد رافض للواقع مع كل ما يحمله هذا الواقع من خير.
رفضه ذاك قائم على المعارضة لذاتها... وليس لمعطيات هذه المعارضة وحيثياتها... فالمطروح على الأرض مرفوض بكل أشكاله، أما السبب فلن يخرج عن كونه موروثاَ... أما قبوله وسعيه للوضع الجديد فلن يكون - على الغالب - لصلاحه بل لأنه منبوذ من جيل الأباء والأجداد...
وفي المقابل سيكون ذلك الوضع على ضآلته أشد قتامة، كان لنا آباء وأمهات ومجتمعاً دور في تحديد ملامحه القاتمة، بعد ابتلاء الله سبحانه، تدليلنا المبالغ فيه، أو قسوتنا المفرطة البعيدة كل البعد عن الحزم بقدر... والنتيجة ما يصل إلى مسامعنا من هجر وتطاول الأبناء...

لا يسعني في هذا المقام إلاَّ أن أختم حديثي بخبر أثلج صدري نشر في صحيفتكم هذه، يوم الثلاثاء الموافق 28 /9 /1423هـ ، فقد بادر شاب سعودي رفض ذكر اسمه بعرض كليته لأمه، وهما الآن والله الحمد ينعمان بالصحة والعافية... وذاك آخر يتبرع بكليته لأبيه... والأمثلة على ذلك ولله الحمد أكثر من أن تحصى... فنحن ما زلنا ولله الحمد والمنة بخير...
أمة الرحمة هي أمتي... أمة الحب هي أمتي...أمة الوفاء هي أمتي...

 

أميمةالجلاهمة
  • مـقـالات
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط