اطبع هذه الصفحة


من أحكم غلق الأبواب؟

د. أميمة بنت أحمد الجلاهمة
أ
كاديمية سعودية .. جامعة الملك فيصل الدمام

 
هل النجاح من الثانوية العامة كاف للانضمام للجامعات السعودية أو لمعاهد التعليم العالي؟ وهل نجاح الأبناء يصل إلينا بسلام كما كان في الأيام الخوالي؟ وهل تقدير جيد جدا يؤهل الطلبة لتسليم ملفاتهم الأصلية لمراكز القبول في الجامعات السعودية؟ وهل يمكنهم من التطلع بثبات للانضمام كمنتظمين في إحدى مؤسساتنا للتعليم العالي؟ الجواب مؤكدا سيكون لا لهذا ولا لذاك ولا لتلك، فالشهادة الثانوية التي تحمل تقدير جيد جدا يعد صاحبها راسباً في مقاييسنا الحالية، وبالتالي فكل الأبواب بعد هذه المرحلة يحكم إغلاقها في وجهه.

ومن هنا أتساءل: كيف يفترض أن يستقبل المجتمع تصريحات المسؤولين في وزارة التربية والتعليم، والتي انصبت على إبلاغه أن النتائج المبدئية للثانوية العامة لهذا العام مطمئنة؟ وكيف يمكن أن نفهم أو نستوعب أنه يتوجب علينا الصبر والجلد، فالمسلسل المرعب الذي مورس على أبنائنا لسنوات من خلال الامتحان الذي يعد عادة من قبل الوزارة هو حاليا في أيامه الأخيرة، إذ سيلغى العام القادم؟ ثم كيف لنا أن نستقبل قولهم إن نسبة النجاح تجاوزت في مادة الرياضيات 96%، وأي نجاح قصدوا هنا أ نجاح الأموات؟ أ نجاح من توقفت حياته عند هذه النقطة فلم يعد قادرا على الحراك؟

ثم أ يعقل أن نعامل بناتنا تارة كالأطفال نغريهن بقطع من الحلوى توزع عليهن بعناية، وتارة نعاملهن بصرامة، كما نعامل الطلبة في الكليات العسكرية ،فالديباجة التي اخترناها لتكون افتتاحية امتحانهن لمادة الكيمياء تحمل بين كلماتها ما يليق بطلبة الكليات الأمنية والعسكرية، أ لم نسطر لبناتنا وفي أول عبارة تقفز أمام أعينهن وقبل كل سؤال ما يدعو لبث الرعب في أفئدتهن؟ أ لم نكتب لهن في مقدمة السؤال الأول:(صعوبات وكفاحات اليوم ليست إلا الثمن الذي يجب أن ندفعه من أجل إنجازات وانتصارات الغد) أ لم نصفع كلاً منهن صفعات متتالية؟ أ لم نفعل ذلك حتى قبل محاولة ابنتنا للنظر في مضامين أسئلة الامتحان، صفعات تسببت في تشتيت قدراتها الذهنية والنفسية؟ أ لم نؤكد لها أنها ستواجهها صعوبات شتى وضعناها أمامها بعناية فائقة؟ أ لم نفرض عليها اجتياز الحرب النفسية؟ ألم نشترط لتحقيقها أي إنجاز في مستقبلها القريب مكافحة ومقاومة من نوع خاص؟ أ لم نبين لها أن تلك المقاومة العنيفة هي الثمن الذي على كل منهن دفعه مرغمة لتحقيق انتصارات الغد؟

لا شك أن من اختار ومن وافق على وضع أمثال تلك العبارة أمام كل سؤال إما قاسي القلب، أو جاهل بالمكامن النفسية للعنصر النسائي، ثم إنها دخلت حرباً لم تستعد لها، لا شك أنها أقحمت في حرب نفسية. لا أفهم كيف جاز للمراجع تجاهل وقع مثل هذه العبارة على بناتنا الشابات؟ وكيف تجاهل وصية نبي الرحمة عليه الصلاة والسلام بهن في قوله عليه الصلاة والسلام:(رفقا بالقوارير)؟

ولو قيل إن العبارات كانت موجهة في الأصل للبنين ولكنها وصلت لفتياتنا بسبب كون الأسئلة موحدة للبنين والبنات، نرد على القائل بقولنا: ومن قال إننا نقبل أن تتجاهل حقوقنا كنساء في معاملة خاصة تتناسب ورقة مشاعرنا وأبداننا؟ من قال إننا كنساء نقبل أن نعامل بهذا الأسلوب الخالي من أي معايير للذوق الرفيع أو بهذا المنهج العسكري؟

ثم وعلى فرض أن واضعها تجاهل تماما العنصر النسائي في صياغته لهذه الأسئلة، وأن أبنائنا الذكور هم من كانوا المقصودين بهذه الحرب النفسية، فهل يعقل أن نشمت بأبنائنا وهم في وضع لا يحسدون عليه أمام أسئلة كانت صعوبتها سببا مباشرا لولادة مبكرة لإحدى بناتنا، ولادة تمت أولى مراحلها في إحدى قاعات امتحانات الثانوية العامة خلال امتحان الكيمياء؟ ثم أين هم من أمر رسول الله عليه الصلاة والسلام إذا بعث أحدا من أصحابه في بعض أمره، بقوله:(بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا)؟ ثم لماذا لم تحمل افتتاحياتهم المتكررة أمام كل سؤال من أسئلة الكيمياء أدعية مأثورة ترطب الأجواء الجافة أمثال قوله عليه الصلاة والسلام:(اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلا) أم إن التحفيز على النجاح لا يأتي من وجهة نظر بعض أساتذتنا إلا بالمواجهة العسكرية؟ أم إنهم وضعوا الأسئلة وهم يتابعون نشرة الأخبار؟ أم إنهم استوحوها من مشاهدتهم لأوضاع فلسطين والعراق ولبنان الدامية؟

على أية حال إن الأثر السلبي الذي ستتركه نتائج امتحانات الثانوية على الآلاف من أبنائنا وبناتنا من جراء هذا الإجحاف سنتحمل نحن كمجتمع عواقبه الأخلاقية والإنسانية،فقد حرمناهم بذلك الفرصة والأمل، حرمناهم مما نلناه نحن قبلهم.. ويا ليتنا نحن أساتذة اليوم نعرف أنفسنا بنتائج شهاداتنا الثانوية التي حملت تقدير جيد جدا، شهادات أردنا أن ننساها، وننسى معها الدلال الذي نلناه من هذا الوطن الذي احتفى بنا واحتضننا وساند طموحاتنا.
 

أميمةالجلاهمة
  • مـقـالات
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط