اطبع هذه الصفحة


استغلال مشحون بالعنصرية

د. أميمة بنت أحمد الجلاهمة
أ
كاديمية سعودية .. جامعة الملك فيصل الدمام

 
ولا نعلم بعد كل هذا، إلى أي مستند ديني... أو حتى قانوني وضعي، استندت الجمعية العامة للأمم المتحدة في إلغاء قراراها الصادر عام 1975م المتضمن اعترافها بأن الصهيونية عنصرية، وبأنها تعد شكلاً من أشكال التمييز العنصري...!

ستذكرون اليوم بلا أدنى شك معاناة المناضل الإفريقي مانديلا وشعبه ضد المحتل، ستذكرون ظلم واستبداد ذلك الغازي وعنصريته التي استباحت الأرض وثرواتها البشرية والطبيعية دون وجه حق، ستذكرون الرجل الأوروبي وهو يقيد جنوب إفريقيا بقيود العبودية لعقود... ستذكرون كثيراً... لكنني أجزم أنكم ستنتهون إلى أن ما أنا بصدده وبحيادية تامة يُعَدُّ أعظم معاناة جرت على الإنسانية خلال العصر الحديث...
فالفلسطيني الذي ظل متمسكاً بتراب أرضه، دفع جراء ذلك كثيراً من كرامته ودمه وماله... واختار أن يكون الأسير المقاوم في بلاده... على أن يكون حراً مهاجراً في غيرها...
فالفلسطيني له في ظل الكيان الصهيوني الحق كل الحق في أن يعيش مقيداً منزوع الإرادة، له الحق كل الحق في أن يعاني عنصرية المحتل الغاشم... له الحق كل الحق في أن يعيش غريباً على أرضه...
لن أتكلم عن الحقوق المدنية الضائعة للفلسطيني على الصعيد السياسي، ولا على الصعيد الاجتماعي، أو الثقافي أو الاقتصادي، ولا عن حقه المسلوب في البناء والتطوير، بل سأنقلكم إلى معاناة العمال الفلسطينيين الخاضعين لسطوة الاحتلال الصهيوني، سأترككم لتحكموا على لجان حقوق الإنسان الدولية، التي أصابها الرمد... بل العمى أمام ظلم مستبد آن الأوان أن يلجم...

إن العمال الفلسطينيين لا يتمتعون بأية ضمانات اجتماعية، يقضون ساعات عديدة من حياتهم اليومية في السفر إلى أماكن العمل وفي العودة منها، أما من ينصاع لرغبات صاحب العمل، ويبيت في مكان عمله، فقد ينهي يومه في زنزانة مغلقة، مفتاحها بيد صاحب العمل الصهيوني، بدعوى حفاظه على أمن الدولة... حوادث احتراق مأساوية نتجت عن هذا الإجراء التعسفي، انتهت باحتراق ووفاة عمال فلسطينيين...

إن الوضع المأساوي للعمال العرب أكبر من أن يخفى فها هو موشي ديان يعترف فيقول (العمال العرب في تل أبيب ينامون... في أقذر الأماكن) بل إن الصحف الصهيونية تنقل أخباراً عن عائلات فلسطينية بأكملها بما في ذلك الأطفال تعمل عند المزارعين اليهود، توضع للمبيت ليلاً داخل أقنان قديمه تالفة لا تصلح حتى للدجاج...
والعلة في قبولهم هذا الضيم هي لقمة العيش وقلة الحلية - ولا حول ولا قوة إلا بالله - فعلى فرض أنهم استطاعوا تأمين تكاليف سكن في حي يسكنه يهود - وهو بطبيعة الأمر محال - فلن يتمكنوا من استئجاره، نظراً لما يضمره اليهود لهم من استعلاء وكره وريبة...
فعلى سبيل المثال... حدث أن تقدم بعض العرب المقتدرين لشراء مساكن في أحد الأحياء اليهودية وفق الشروط التي وضعتها الشركة المالكة، إلا إن مطالبهم قوبلت بالرفض... وبإضافة شرط يمنع مستقبلاً استلام طلب مماثل من العرب، مفاده (حصر حق الامتلاك بمواطنين يهود على أن يكون أحد الزوجيين على الأقل أنهى الخدمة العسكرية، أو أن يكون مهاجراً جديداً.)
ولكن الواقع اليهودي الجشع تجاه المال يجعل من العامل الفلسطيني المضطهد عامل نماء ورخاء لاقتصاد الكيان الصهيوني، وهذا ما أشار إليه الصهيوني إسحاق بن هارون بقوله: (إنه لشيء جميل جداً أن نقيم مدناً واقتصاداً وأن نبني الصهيونية بالعمل العربي، فهناك عشرات الآلاف من العمال العرب يعملون في مصانعنا ويمدون أشغال البناء عندنا بالرجال، ولكن كل ما يعمله هؤلاء العرب لن يسجل لمصلحتهم، سيبقون غرباء وسيبقون أول من يستغنى عنهم)!

أما (داني إنشتاين) فيوضح جانباً آخر من هذه الصورة المجحفة لأمته فيقول: (إن العامل الإسرائيلي لا يمكن إقالته تقريباً، ولا يمكن تحريكه دون موافقته، وزيادة أجره، وبالمقابل فإن العامل العربي (الفلسطيني) هو عامل جوال، يمكن إقالته في أي وقت وكل وقت، ويمكن نقله من مكان إلى مكان، والواقع إن العمال الفلسطينيين هم من النواحي الاقتصادية الكثيرة نعمة على الاقتصاد الإسرائيلي... فهم موجودون حيث نحتاج إليهم )
أما الكاتب اليهودي (هارون كوهن ) فيضيف قائلاً: (إن العامل العربي الذي تمكن من الحصول على عمل في إسرائيل، انحصر عمله في الأشغال الشاقة، أو القذرة التي لا يقوم بها العامل اليهودي، كالعمل في المجاري والبناء...)
وحتى كتب الإحصاء الصهيونية المعتمدة، تعترف بالوضع السيئ للعمال الفلسطينيين داخل الكيان الصهيوني، فتنص على انخفاض أجورهم إذا ما قورنت بأجور العمال اليهود، لتصل إلى نصف ما يحصل عليه اليهودي، بل إلى أقل من ذلك بكثير... دون ضمانات اجتماعيه ولا حقوق عمالية...

بل إن الأمر تعدى ذلك كله ليصل إلى تحطيم العامل الفلسطيني من الداخل، إليكم ما كتب عامل يهودي يدعى(روني إيشل)عن تجربة شخصية، أدرك من خلالها عظم المعاناة النفسية التي ينتهي إليها... أو تنتهي بالعامل الفلسطيني، فقال: (إن الأعمال الشاقة عادة من نصيب العمال العرب) وذكر أنه: (بينما كان أحد العمال العرب منشغلاً في تمهيد أكوام ضخمة من الرمل، طلب منه صاحب العمل فجأة نقل 18 كيساً زنة الواحد منه خمسين كيلو غراماً، وليعود بعدها لأكوام الرمال، ترافقه في كل تحركاته صراخ صاحب العمل) وليت الأمر يقف عند صاحب العمل، فالعمال اليهود يشاركونه هذا الاستعلاء فهم يحظرون على أنفسهم مساعدة العمال الفلسطينيين، أو حتى تبادل الحديث العادي معهم، وكثيراً ما وجهت ملاحظات صارمة لبعض العمال اليهود بعدم تبادل الحديث مع أي منهم...
ويؤكد تقنين هذا التوجه الاستعلائي، قول أحد ساسة الكيان الصهيوني جاء فيه: (إن العامل اليهودي غير مستعد لمصادقه العامل العربي أو مساعدته، أو اعتباره شريكاً له في رغباته ونضاله)...
فالكيان الصهيوني قد عمم فكرة العنصرية اليهودية التي تتضمن ملائمة الفلسطينيين للأعمال القذرة الحقيرة أعمال لا تتلاءم بزعمهم والطبيعة اليهودية، نعم لم يعد سراً العبودية التي يعامل بها العمال العرب، ولم يعد سراً الوضع المزري للعرب داخل الكيان الصهيوني، وإنه هو الأسوأ في العالم...
ولا نعلم بعد كل هذا، إلى أي مستند ديني... أو حتى قانوني وضعي، استندت الجمعية العامة للأمم المتحدة في إلغاء قراراها الصادر عام 1975م المتضمن اعترافها بأن الصهيونية عنصرية، وبأنها تعد شكلاً من أشكال التمييز العنصري...!
 

أميمةالجلاهمة
  • مـقـالات
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط