اطبع هذه الصفحة


"لن يضرب خياركم"

د. أميمة بنت أحمد الجلاهمة
أ
كاديمية سعودية .. جامعة الملك فيصل الدمام

 
وصلني خبر من إحدى طالباتي المتميزات عقلا وخلقا، أنه في أحد المجمعات التجارية في الظهران، وفي نهاية الأسبوع الماضي، فوجئ زوار المجمع بحادث يعد - ولله الحمد- نادرا في مجتمعاتنا، فقد بادر رجل يظهر من هيئته أنه مواطن بضرب- من يظن أنها - زوجته، وكرر ضربها مستعينا بعقاله! ولم يكتف بذلك بل عمد إلى تهديدها بالويل والثبور!مؤذيا بصراخه وتصرفاته المارة،على اختلاف جنسياتهم!مما دعا المقيمين منهم على اختلاف لغاتهم إلى التحديق! بل بلغ العجب ببعضهم إلى حد أنه توقف عن الحراك واضعا يده على فيه!
أما المجني عليها وهي سيدة وقور، في أواخر العقد الثالث من عمرها -على ما يبدو- فانتابتها رعشة عنيفة لم تعد تملك معها التحكم في أطرافها، مكتفية برفع صوتها بالدعاء، مرددة لذكر الله مستعينة به سبحانه، وأحمد المولى سبحانه أن سخر في تلك اللحظة أسرة سعودية طيبة السجايا، أحاط أفرادها من النساء بالمجني عليها في محاولة منهن للتهدئة من روعها، في حين تصدى رب أسرتها لذاك المتهور موجها وناصحا.
رجل كهذا أقل ما يوصف به أنه همجي، يتوجب عرضه على الجهات الأمنية، فقد طال المجتمع بالأذى، إذ لم يراع الحق الإنساني للمجني عليها، ولا حق المجتمع، رجل كهذا يتوجب عرضه على لجان طبية لدراسة قواه العقلية، ومن ثم يحول إما للقضاء، أو للانخراط في دورات شرعية ونفسية، رجل كهذا لا يمكن إعفاؤه من المراقبة الأمنية وخدمة المجتمع،سواء كانت في دور العجزة أو في المؤسسات الأمنية، أو في جمعيات البر ،فلعل تلك العقوبة تخفف من جبروته، لعله يدرك أنه من غير المستبعد أن يصبح مثل ذاك العجوز الذي يحتاج للرعاية بسبب عجزه طوال اليوم، أو يكون كذاك السجين الذي لا يملك حريته، أو ذاك الفقير العاجز عن رعاية نفسه وأسرته، وإن كنت أفضل أن تصدر المحكمة عليه بأكثر من ذلك كله، فهو لم يراع حرمة المجني عليها، ولم يراع حرمتنا ولا سمعتنا كمجتمع إسلامي وسعودي.
قد يأتي من يقول إنه قد تكون له مبررات دفعته لهذا التصرف! هنا يجوز لأحدنا الاستفسار، ما الذي يوجب مثل ذلك التجاوز الأهوج؟! وما الذي يمكن أن تفعله سيدة يظهر عليها علامات الوقار والحياء.. سيدة لا تلجأ وقت الشدائد إلا لذكر الله سبحانه؟! ثم هل هناك مسوغ شرعي لضرب النساء على الطرقات؟! ثم هل هي في حكم الناشز؟وهل يدرك هذا الرجل معنى النشوز وحدوده؟! وهل توقف عند قوله تعالى:(واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا) النساء: 34، ثم ما رأيه بتفسير ابن العباس رضي الله عنهما أن الضرب بالسواك،هو الكيفية الشرعية لضرب المرأة الناشز، أي يكون ضربا خفيفا لا يؤذي الجسد بأي حال من الأحوال، وأن ضربها بهذه الكيفية تكون مرحلة متأخرة من علاج نشوزها، إذ عليه شرعا البدء بتذكيرها بعظيم أجرها عند المولى سبحانه إن وفته حقه عليها، ويا ليته يذكرها بمدى حبه لها وحاجته لها، وإن لم تأت هذه الخطوة بنتيجة، ينتقل إلى المرحلة الثانية وهي هجرها في الفراش لا في المأكل ولا في المشرب، هجراً لا يطلع على تفاصيله إلا الله سبحانه وتعالى، وهذه المرحلة لا يتهاون بها ولا بسطوتها على النساء إلا عديم الحس، وإن لم ينفع معها الهجران جاز لزوجها اللجوء للضرب، وقد فسر بعض العلماء الضرب كما تبين بالضرب بالسواك، فالغرض من الضرب بالسواك جرح المشاعر لا جرح الأبدان، إذ إن جرح مشاعر نون النسوة أقوى سطوة على النساء من جرح أجسادهن، ثم هل يفهم الرجال الذين اعتادوا ضرب نسائهم تهديد المولى سبحانه لهم، بقوله تعالى:(فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا) النساء: 34، فقد نهت الآية الكريمة الرجال عن البغي، فإن كان الرجل بجسده وقدرته البدنية قادرا على التعرض للنساء بالأذى، فالله سبحانه بعلوه وكبريائه وقدرته أعظم وأجل من مخلوقاته،وهو الكفيل سبحانه بمحاسبة من بغى على النساء، كما أن تشريعات ديننا الحنيف كفيلة بتعجيل العقوبة عليه في هذه الدنيا.
ثم ما هو موقف ذاك الرجل من قوله عليه الصلاة والسلام:(لن يضرب خياركم) وما هو موقفه من قوله عليه الصلاة والسلام:(خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي) وقوله عليه الصلاة والسلام:(أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، وخياركم خياركم لنسائهم) أم إن الإيمان بالنسبة له يكتمل بأداء الأركان الخمسة دون غيرها؟ أم إنه يعتقد أن الله سبحانه لن يحاسبه على إهداره لكرامة زوجته؟ أو أن أمه لم تعلمه كيفية احترام النساء، ومن ثم احترام زوجته وبناته؟
وأخيرا أين الأجهزة الأمنية في مجمعاتنا التجارية؟ ألا يفترض أن تكون هناك أجهزة رقابة ترعى مصالح المتسوقين وتتواجد على الفور لحمايتهم عند حدوث أي شكل من أشكال الاعتداء، ثم لم لم يبلغ أحد المارة الأجهزة الأمنية بما صدر من ذاك الرجل؟ وكيف فر بفعلته دون عقوبة؟! وكيف سمح له بجر المجني عليها لحتفها؟! فقد ساقها أمام المارة إلى واقعها المحتوم دون أي اعتراض، ولا نعرف إلى أي حال انتهى أمرها الآن، ثم كيف تجرأ وأظهر ظلمه علنا؟! وكيف أمن العقوبة؟! ثم كيف لم يبادر أحد المتسوقين بكتابة رقم سيارة الجاني على أقل تقدير لإبلاغ الشرطة! لعلها تتمكن من الاطمئنان على صحة المجني عليها من النواحي الجسدية والنفسية؟!
ومع أن تصرفات هذا الرجل ليست الظاهرة في مجتمعنا ولله الحمد والمنة، إلا أن الواجب يحتم علينا التصدي لها ولأمثالها أمنيا وإعلاميا وثقافيا، قبل أن تستفحل فيصعب علاجها.


الأحد 19 شوال 1429هـ الموافق 19 أكتوبر 2008م العدد (2942) السنة التاسعة
 

أميمةالجلاهمة
  • مـقـالات
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط