اطبع هذه الصفحة


ملك لا يستهويه المديح

د. أميمة بنت أحمد الجلاهمة
أ
كاديمية سعودية .. جامعة الملك فيصل الدمام

 
لقد نالت المبادرة العربية التي خرجت من المملكة العربية السعودية إجماع العالم وفي فترة عصيبة من التاريخ الإنساني حيث تعصف صراعات فكرية وثقافية واقتصادية وأمنية، لقد أدرك العالم أن حل المعضلة التي عجز عن حلها لعقود متتالية، قد تكون في اعتراف بالمبادرة العربية، والترويج لها والدفاع عنها، إلى حد أن باراك أوباما لم يجد بأسا في أن يعلن إيمانه بأن السلام قد يتحقق في منطقة الشرق الأوسط، بقبول كافة الأطراف لمعطيات المبادرة العربية، إذ قال مشيرا إليها: (إنه سيكون جنونا بالنسبة لإسرائيل أن ترفض صفقة يمكن أن تعطيهم السلام مع العرب).
لكن أن نتابع شمعون بيريز في مؤتمر حوار الأديان الذي عقد مؤخرا في مقر الأمم المتحدة في نيويورك، وهو يقف موجها كلامه لخادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله حفظه الله قائلا: (إني أرغب في أن يكون صوتك هو الصوت السائد في المنطقة كلها)، هنا علينا التوقف وتأمل دوافع هذا الغزل الغريب العجيب، إذ كان يفترض ببيريز أن يستوعب أن الملك عبد الله حفظه الله لا يستهويه المديح، وأنه رجل لا تحركه الكلمات، فمن المعلوم أن تلمس النتائج المبنية على أسس صحيحة هدفه الأسمى، كان الأجدى برجل مارس المراوغة السياسية ولعقود من الزمان، إدراك أن القضية الفلسطينية كانت وما زالت بالنسبة لابن عبدالعزيز وأخي سعود وفيصل وخالد وفهد وسلطان، جزءاً أساسياً من وجدانه ووجدان شعبه، وأن عبارات منمقة لن تغير قناعاته، ولن تغير توجهات الأمة العربية، بل لن يتغير مسار رياح عالمية عاتية اعتادت التحرك في اتجاهها الصحيح، رياح نخشى أن تهلك عاجلا أم آجلا الحرث والنسل، رياح تعدت حدودنا العربية لتصل مؤخرا إلى بريطانيا، وإلى أكسفورد أحد أهم جامعات العالم، فأثناء إلقاء بيريز رئيس الكيان الصهيوني كلمة أمام ألف طالب، اندفع محتجون بريطانيون مؤيدون للقضية الفلسطينية إلى مقاطعته ووصفوه بمجرم حرب، مطالبين بإنهاء الاحتلال الصهيوني، ولأن موقفهم كان غير متوقع، كان رد بيريز غير متوقع أيضا، إذ كشف مقدار القلق الذي يعيشه رئيس الكيان الصهيوني وشعبه، شعب تتوق نفسه للعيش بسلام دون خوف من عدو أو من صديق، لقد رد عليهم بقولهم: (لنا الحق في الحياة ولا نحتاج لإذنكم) كما القول (إن هذه المظاهرة لن تؤثر فيه وأنه عازم على الاستمرار في الجهود التي تصب في صالح إسرائيل)، وكل ما آمله أن يكون هو وحكومته مدركين تماما أن من مصلحة شعبهم الاعتراف بالمبادرة العربية دون تشويه لحقائقها أو إخفاء لمعالمها، ودون زيادة أو نقصان.
إذ إننا بعد أيام من سماعنا لغزل بيريز المبطن، نشرت مؤسسة متخصصة مقرها الولايات المتحدة الأمريكية، خريطة تقريبية نسبت لأولمرت كحل نهائي لحدود الضفة الغربية، مستثنى منها بطبيعة الحال مدينة القدس الشرقية، وفي الوقت نفسه عرض أولمرت على محمود عباس اتفاقية انتقالية أو جزئية للسلام، تشمل تسليم الفلسطينيين أراضي صحراوية قاحلة، في حين استبعدت أجزاء هامة من الأراضي التي يفترض إرجاعها للفلسطينيين بحسب المبادرة العربية، بما فيها القدس، محاولا إقناع محمود عباس أن الوقت لم يحن بعد للبت في شأن القدس، مطالبا بتأجيل البحث في شأنها إلى مراحل لاحقة.
لقد ذكرني هذا التسويف الممل بخبر عمدت إلى نشره صحيفة " معاريف " الصهيونية منذ سنوات، قالت فيه إن: ( جورج بوش – الابن - طلب من أولمرت تلطيف تصريحاته بالنسبة للمبادرة العربية، وترك مجال لقبولها، من أجل إعداد الرأي العام وإعطاء فرصة للأمريكيين لتكييف المبادرة على قياس إسرائيل، موضحة أن أحد الخيارات التي تدرس هي قبول إسرائيل بالمبادرة مع تحفظات..) لقد أعلن بوش هنا أن الحكومة الأمريكية عازمة على تكييف المبادرة العربية لتتناسب وقياس إسرائيل، وأن قبول إسرائيل لها لا بد أن يكون بتحفظات نافذة، وهذا ما أثبتته السنوات التالية لحكومتي جورج بوش الابن، فقد عمدت طوال السنوات الست إلى التسويف، وإلى ما يشبه التحايل لإرضاخ الفلسطينيين والعرب لتكييف المبادرة العربية لتناسب تحفظات هذا الكيان الغاصب، تحفظات ما زالت تتسع لتتناسب والقياس الصهيوني، كيان بحاجة لعاقل وناصح أمين يوجهه لقبول المبادرة جملة واحدة، فما دون ذلك سيكون مآله إلى الفشل، وهذا ما أكده محمود عباس، في اجتماعه الأخير مع أولمرت، إذ شدد على رفضه لاقتراحه الانتقائي، فمبادرة السلام العربية مقبولة فلسطينيا وعربا وحتى عالميا، وهي محققة للسلام في منطقة الشرق الأوسط - بإذن الله- وأي محاولة لإنهاء حالة عدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، لا بد أن تكون شاملة لكافة القضايا الفلسطينية المعطلة، بما فيها القدس الشرقية.


الأحد 25 ذو القعدة 1429هـ الموافق 23 نوفمبر 2008م العدد (2977) السنة التاسعة

 

أميمةالجلاهمة
  • مـقـالات
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط