اطبع هذه الصفحة


السلام الرادع.. أم سلام الطرشان ؟!

د. أميمة بنت أحمد الجلاهمة
أ
كاديمية سعودية .. جامعة الملك فيصل الدمام

 
أصبح من المعلوم بالضرورة موقف نتنياهو وحكومته المتطرفة الرافضة لعملية السلام العربية، ولكافة المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي قامت على هذا الأساس، والخطة البديلة التي يحاول نتنياهو فرضها على العالم هي ما يسميها بالسلام الاقتصادي، والتي يحقق من خلالها مطامعه الاقتصادية في الشرق الأوسط، مع احتفاظه الكامل بالأراضي المحتلة، وهذه الخطة رفضها المبعوث الأمريكي للشرق أوسط "جورج ميتشل" مؤكدا ضرورة تحقيق سلام سياسي من خلال إقامة دولة فلسطينية إضافة إلى السلام الاقتصادي..إلى هنا انتهى مضمون الخبر الذي تناقلته وكالات الأنباء العالمية مؤخرا.
وما أنا بصدده اليوم هو طرح بعض أفكار بنيامين نتنياهو التي سبق أن نشرها عام 1993م في صفحات كتابه (مكان تحت الشمس) الذي ترجم للغة العربية تحت هذا الاسم، وظهرت الطبعة الثانية له بالعربية بعنوان( مكان بين الأمم) فمن خلال هذا الطرح سيتضح أن أفكاره وأطروحاته ثابتة لا تتغير ولا تقبل التغيير، ومع يقيني التام أن أغلب المتابعين لتحركات هذا الرجل يدركون منه هذا التطرف، إلا أني بحاجة للتحدث بصوت عال لعلي أرفع عن كاهلي بعض الهموم التي أدمنا على تناولها على مائدة النشرات الإخبارية والتي أبت إلا تنغيص حياتنا بنقلها لواقع الحال.
إن الغريب في نتنياهو هذا مع إدراكه التام لرفض العرب لسلام لا يتضمن وجود دولة فلسطينية عاصمتها القدس، دولة بحدود كامل الأراضي التي احتلت عام 67م، إلا أنه استبق هذا المقترح بإعلان رفضه لوجودها جملة وتفصيلا فمطالب العرب بالأراضي التي احتلت 1967م من وجهة نظره، ما هي إلا محاولة لجعل إسرائيل تعيش في – جيتو- ضيق وخانق على طول خط الساحل تهدد وجوده دولة فلسطينية معادية وخالية من اليهود، كما بين ملامح عملية السلام في الشرق الأوسط والتي من وجهة نظره النرجسية تستلزم امتلاك الكيان الصهيوني للقوة، مبينا أن بها وحدها يتحقق السلام، ثم أكد أن على الدول الغربية أن تعرف ذلك، كما عليها أن تقدم الدعم الذي يجعل من إسرائيل الدولة القوية التي تقوم بمثل هذا السلام، وعليها أن تعزز قوة الردع التي تمتلكها الدولة الديموقراطية الوحيدة – بزعمه – في الشرق الأوسط "إسرائيل" من أجل إقامة "سلام الردع" فالقوة وحدها في الشرق الأوسط هي التي تؤدي إلى السلام، وقوة الردع هذه لا يمكن أن تتحقق إلا بتفوق نوعي عسكري إسرائيلي متواصل على العرب، وبمنع أي دولة عربية أو إقليمية من التزود بأسلحة غير تقليدية، والأخذ بعين الاعتبار إعادة تفعيل وتنشيط عملاء "الموساد" في الدول العربية والإسلامية.
كما يؤكد أن القوة العسكرية على أهميتها الكبيرة تحتاج إلى القوة السياسية التي بدورها تحتاج إلى القوة الدعائية الإعلامية التي تمكنها من الوصول إلى الرأي العام الدولي وكسب تأييده، ومن ثم يمكن أن تنال إسرائيل من أعدائها العرب ما تريد دون أن تتعرض لنقمة الدول الديموقراطية عليها،وهكذا تستطيع إقامة سلام مع العرب دون تنازلات تؤدي إلى إضعاف "الدولة اليهودية" وتقليص حجمها.
وفي المقابل يكشف نتنياهو في كتابه هذا عن رغبة الكيان الصهيوني بالوصول إلى أسواق الشرق – وهو ما أطلق عليه هذه الأيام "السلام الاقتصادي"- إلا أنه يعود ليؤكد أنه وبعد إقامة سلام كهذا،على إسرائيل العمل على إقامة ترتيبات أمنية رادعة ضمانا لأمنها، وأنه يجب عليها الاحتفاظ لنفسها بحق المراقبة الديموغرافية للسكان العرب!! وبطبيعة الحال لم يكن ليغفل الإشارة إلى ضرورة ضمان وحدة القدس تحت السيادة الإسرائيلية والمحافظة على يهوديتها.!!
لم يكن مستبعدا من نتنياهو وزبانيته الرفض التام لكل الاتفاقيات الدولية التي استهدفت تحقيق السلام في الشرق الأوسط، بل كان متوقعا لعبه بالحروف والمعاني للخروج من إلزامية هذه الاتفاقيات، ولم نكن بحاجة لسماع برنامجه الانتخابي لنقف على هذا، ولكن المؤلم هو أننا إلى اليوم نجد من يصدق إمكانية وفاء هؤلاء بمواثيقهم وعهودهم، نجد من يعتقد أن هذا الكيان الصهيوني يملك عقلاء يدركون عظم قيمة الأرض الفلسطينية في وجدان الإنسان العربي والمسلم أينما كان، الذي لن ينسى الأرض الفلسطينية والجولان وكافة الأراضي المحتلة، لم ينس القدس.. ولا المسجد الأقصى، وأن ما هو متاح اليوم على طاولة المفاوضات لن يكون بحال متاحا غداً.. و هنا أتساءل ما الذي يضمره هذا الرجل في سره.. أهو السلام الرادع.. أم السلام الاقتصادي.. أم سلام الطرشان ؟!
على أية حال أجد نفسي تستحضر قوله سبحانه : ?أو كلما عاهدوا عهدا نبذَه فَرِيق منهم بل أكثَرهم لاَ يؤمنون?.. والله المستعان.

 

أميمةالجلاهمة
  • مـقـالات
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط