اطبع هذه الصفحة


إنها ورقة التوت التي لن نتنازل عنها

د. أميمة بنت أحمد الجلاهمة
أ
كاديمية سعودية .. جامعة الملك فيصل الدمام


كان يا ما كان في قديم الزمان وفي أحد الأوطان.. نار لم تتوقف عن التهام من فيها ومن حولها، ويا لحسرة أهلها فقد ظلوا لسنوات وسنوات عاجزين عن إطفائها، صامدين أمام قهرها وظلمها واضطهادها.
وها هو حكيم زمانه قد جاءهم يحمل بين يديه الحل الأوحد الذي من خلاله سيتعلم أبناؤها كيف يعيشون بأمان مع نار لا تشبع ولا تنطفئ حتى تزداد اشتعالا، نار تلتهم الرطب واليابس.. وما أن وصل إليهم لقمان زمانه حتى قال: لتعيشوا بأمان يا صغار.. ما عليكم إلا أن تقدموا تنازلات تلو التنازلات.. مقابل شعارات وأحلام تُقدم لكم، قَبلوا يا أطفال يا صغار.. يدي الغاصب وصفقوا له، قدموا له أوطانكم وخيراتكم وافتحوا له أسواقكم وحتى بيوتكم، واتركوه يقرر وقت ما يشاء إرجاع حقكم، هذا إذا كان يؤمن أنكم أصحاب حق، هذا واجبكم الذي عليكم يا أطفال ويا صغار.. القيام به!.
ولتكونوا - شطارا ومؤدبين - لا تقفوا في وجهه ولا تردوا ظلمه، فإن منعكم الماء فلا بأس، وإن منعكم الطعام فلا بأس، وإن هدم مساجدكم وحطم بيوتكم فلا بأس، وإن لوث الدواء فلا بأس، وإن حاول منع الهواء عنكم فلا بأس أيضاً.. أما إن سلب الأرض والتاريخ فكونوا معه كرماء، وقدموا له المزيد.. والمزيد قدموا!.
احذروه يا صغار.. فهو على ضعفه وقلة حيلته يملك سما قاتلا، سماً يحلوا له نثره في أجواء من يعاديه ومن يجاريه، هو السيد الذي عليكم أن تخنعوا له، خنوع العبيد، فإن أراد الأرض فلا تعترضوا.. وإن أراد النفط فعلى الرحب والسعة.. قدموا آباركم النفطية هدية.. تكسبوا مودته ولو لحين، وإن أراد اقتحام أسواقكم قدموا له مفاتيح أقفالها، وإن عمد لقتلكم عن بكرة أبيكم، فلا تنسوا يا صغار.. أن من عفا وأصلح فأجره على الله، وإن أراد تلويث أجوائكم بالفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والبيئي، فكونوا يا صغار.. كمن لا يرى ولا يسمع ولا يتكلم احذروا يا صغار.. أن تنصتوا لذلك الفارس الهمام، الذي يرفض أن يكون معكم في هذا الاستسلام، فسيطاله العقاب، وسينالكم السلام، وستنامون يا صغار.. قريري الأعين بحراسة هذا الثعبان.. الذي يريدكم دوماً صغارا مسالمين خاضعين له.
هذه القصة التي علينا أن نحفظها لنسردها لأطفالنا قبل النوم وبعد النوم، وأثناء النوم لو كان ذلك ممكنا، هذه هي القصة التي نصحنا بها حكيم زمانه الموفد الأمريكي إلى الشرق الأوسط "جورج ميتشل" مؤخراً، والذي دعا العرب إلى اتخاذ "خطوات ذات مغزى" تتحقق من وجهة نظره في تطبيع علاقاتنا مع الكيان الصهيوني، وهذه الدعوة هي صورة طبق الأصل لما يطالب به، نتنياهو الرافض تماماً لعملية السلام العربية، ولكافة المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي قامت على أساسها، فقد قرر في صفحات كتابه (مكان تحت الشمس) رفضه التام لقيام دولة فلسطينية عاصمتها القدس، وبحدود كامل الأراضي التي احتلت عام 67م، فدولة كهذه من وجهة نظره، ما هي إلا محاولة لجعل إسرائيل تعيش في – جيتو - ضيق وخانق على طول خط الساحل تهدد وجوده دولة فلسطينية معادية وخالية من اليهود، والخطة البديلة التي يحاول نتنياهو فرضها على العالم هي ما يسميها "السلام الاقتصادي" والتي يحقق من خلاله مطامع الكيان الصهيوني الاقتصادية في الشرق الأوسط فيحصل من خلاله على النفط، وتستقبل أسواقنا بضائعه المسمومة، ومؤسساته الملوثة، مع احتفاظه الكامل بالأراضي المحتلة، هذا السلام الاقتصادي هو صورة طبق الأصل لما قدمه "جورج ميتشل" لنا مؤخراً.. والذي طالبنا تقديم تنازلات للكيان الصهيوني بدل أن يطالب هذا الكيان الغاصب بتسليم الأرض مقابل سلامته وأمنه.
ويبدو أن ميتشل لم يفهم كغيره أننا صامدون وأن التطبيع الكامل الشامل في الشرق الأوسط لن يكون دون دفع الثمن، وإننا لا نتعامل بالدين، ولا نقبل أن نشتري المحصود قبل حصاده، لذا أعلن الأمير سعود الفيصل وزير خارجيتنا وبصراحته المعهودة رفضه لهذا العرض جملة وتفصيلاً، مؤكداً أن الولايات المتحدة في إمكانها الضغط سياسيا على إسرائيل وحملها على القبول بحل الدولتين، ففي حديث أجرته معه مجلة "نيوزويك" الأمريكية قال بوضوح: (إن الولايات المتحدة تمتلك الوسائل لإقناع الإسرائيليين بالعمل من أجل تسوية سلمية في الشرق الأوسط) وأضاف: (عليهم أن يقولوا لهم إنه للاستمرار في تقديم المساعدة لهم على الإسرائيليين أن يكونوا متعقلين وأن يقدموا تنازلات معقولة)
كما رفض دعوة واشنطن الدول العربية للتطبيع مع الكيان الصهيوني، كحركة استباقية لتحريك واستئناف مفاوضات السلام في الشرق الأوسط، قائلاً: (ليس لدينا ما نقترحه على إسرائيل سوى التطبيع، وإذا قمنا بذلك قبل استعادة الأراضي العربية المحتلة، سنكون قدمنا الورقة الوحيدة بين أيدي الدول العربية)، وعندما أشاد الأمير سعود الفيصل من خلال هذا الحديث بخطاب "أوباما" الذي أطلقة في القاهرة وأكد فيه أن الاستيطان في الضفة الغربية والقدس الشرقية غير مشروع، طالبه بترجمة ما جاء في خطابه إلى أفعال.
هي مسرحية يتكرر عرضها علينا لعقود حتى مللنا متابعة تفاصيلها!، وهي مسرحية تغير أدوار أبطالها يوما بعد يوم لعلنا ننسى.. أو نتناسى، لعلنا نصفق رغما عنا فقد مللنا انتظار النهاية.. وليعلم الجميع أن المبادرة العربية هي ورقة التوت التي لن نتنازل عنها بإذن الله.

 

أميمةالجلاهمة
  • مـقـالات
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط