اطبع هذه الصفحة


أسرة صدمها الواقع.. فكافحت للنجاح

د. أميمة بنت أحمد الجلاهمة
أ
كاديمية سعودية .. جامعة الملك فيصل الدمام


هذه هي قصة نجاح شاب سعودي.. بل أب سعودي.. بل أم سعودية.. بل أسرة تنتمي لهذه الأرض الطيبة، فالشاب مدار حديثنا اليوم أنهى دراسته الجامعية وهو يحمل بين طيات نفسه الفتية أحلاما وردية، أحلاماً تتوق للمعالي والنجاح، أحلاماً اصطدمت بالواقع الذي أعلن أنه ليس من السهل الحصول على عمل لمن تخصص في علم الأرض، فالأبواب التي ظن أنها ستشرع لاستقباله ظلت مغلقة محكمة الإغلاق.
وقد كان من الممكن والحال هذه أن يتحطم وتتحطم تلك الصورة الرائعة لمستقبل أروع، لولا أن منّ الله عليه بأب حكيم، وإرادة لا تقبل الهزيمة، فقد وجهه والده الفاضل للعمل مع صديق له في أحد فنادقه، لعله يجد خبرة تربطه بالواقع المعاش، وهكذا سير ابننا الشاب خطواته التي كانت تجارية تارة وتمتنع تارة أخرى، فالخوف والترقب التصقا بخطواته وامتزجا معها منذ أن سار هائما على وجهه حاملا ملفا صادق على جهد وتحصيل استمر لسنوات، جهد بدا له ضائعاً لا قيمة له، جهد قوبل بالرفض مرات ومرات.
هكذا كانت البداية محفوفة بخيبة الأمل، وهكذا هو حاله اليوم فقد اشتد عوده وصلب، بعد أن واصل الليل بالنهار ليجد نفسه على الطريق محققا أحلامه وأحلام والديه اللذين وجد فيهما وبقية أسرته العون والتشجيع.
لقد كون شركة للسياحة، عمل يتناسب وما عايشه منذ نعومة أظافره، فهو ابن مكة المكرمة، حاضنة الحجاج والمعتمرين، كانت البداية صغيرة نوعا ما إلا أنها طموحة، أما اليوم فهي أنموذج متميز في مجالها، لا بسبب الخدمات التي تقدمها فقط بل بسبب الروح التي تتحرك في أجساد العاملين فيها، إذ يخيل للحاج أنه معني دون غيره بخدمتها، فوجوههم دائما باشة باذلين كل الطاقة في خدمة ضيوف بيت الله الحرام، خدمة تتعدى المنصوص عليه بمراحل، فالحاج الذي يناله الحظ فيؤدي المناسك ضمن هذه الحملة سيشعر أنه بين أهله لم يغادر الوطن ولا الأهل، والمثير للإعجاب في هذه الشركة أنها ضامة للكثير من أفراد الأسرة، سواء من عمل بدوام جزئي ممن هو على مقاعد الدراسة، أو من عمل فيها بدوام كامل، أما العاملون في هذه الشركة من خارج هذه الأسرة فقد تم اختيارهم بدقة متناهية، ليكونوا معا فريقا متكاملا فاعلا متفانيا، والجميل في هذه الشركة أن عناصرها النسائية فاعلة للغاية، فقد قامت والدة ابننا الشاب وأخواتها وبعض بناتها بتنظيم تحرك الحجاج من النساء في المشاعر المقدسة، هكذا اكتملت الصورة لتلك الأسرة السعودية وبكافة أبعادها، أسرة استطاعت بإيمانها بالله، ثم بقدرات أفرادها، وبالصبر والعمل تحقيق جزء رائع من طموحاتها.. فخدمت نفسها وخدمت دينها ووطنها.
هذا الشاب وفريق عمله نموذج رائع لشباب رائعين من أبناء هذا الوطن، نموذج يستحق التقدير والإعجاب، هذا الشاب يستحق أن يستضاف ليحكي تجربته في الجامعات والمؤسسات الفكرية الشبابية، لعله يبث في نفوس شبابنا الهمم خاصة أن الكثير منهم واجهوا الإحباط الذي واجهه في بداياته، فالانخراط في الحياة العملية لم يعد من السهولة بمكان، وما عايشته أنا في شبابي تغير مع الأسف، فما زلت أتذكر تلك الاتصالات المتكررة التي كانت تتوالى تطالبني بالعمل، وما زلت أتذكر تمنعي وترددي في قبول هذا العمل أو ذاك، اتصالات لم تتوقف إلا عند بيان توجهي للعمل كمعيدة، وما زلت أذكر تلك الإغراءات المالية التي كانت تفرش أمامي لتغيير رأيي والقبول بما يطرح أمامي، أوقات تعايشت معها.. ولولا ذاك لقلت إن القول بها سفه ومبالغة، ففي تلك الأيام لم تكن كلمة (البطالة) متداولة بيننا لا في أحاديثنا الخاصة ولا العامة، بل كان الحديث عن أي العروض أجدى وأنفع.
هكذا كانت أيامنا طيعة، وهكذا هي أيام أبنائنا وبناتنا معسرة، إلا أن الواجب يحتم علينا الاعتراف بفضل أبنائنا وبناتنا اليوم، فهم أفضل منا في علمهم وفي صبرهم وفي عزيمتهم وطول بالهم، فما يبذلونه ويقدمونه أجدى وأنفع للدين والوطن، وهم في الواقع مدعاة فخر لجيل تعود الدلال ونال ما لا يستحق، فجيلهم اليوم لا يمكن لكبرائنا منافسته أو حتى مجرد المحاولة، فالنتيجة بالتأكيد ستكون في صالحهم، فبارك الله بهم ورفع قدرهم ومكننا لنكون نعم العون لهم معنويا وماديا، فهم نواة مستقبل مشرق بإذن الله، مستقبل آمل أن يغير خريطتنا الحضارية في كافة المجالات، هذا ما يطلبه منا أبناؤنا فلندعهم يعملون ولنساندهم إذا ما تطلعوا لنا، هذا أقل ما يمكن لنا أن نقدمه لرجال ونساء احترموا أنفسهم فنالوا احترام الآخرين عن جدارة. وأخيرا أوجه الشكر والتقدير للأستاذ (مازن بن غازي درار) صاحب الشركة ولسراج وماجد وعمر ولبقية العاملين من نساء ورجال، فهذا أقل ما يمكن أن يقدم لهم، أعانهم الله على خدمة دينهم ووطنهم وكثر من أمثالهم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

 

أميمةالجلاهمة
  • مـقـالات
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط