اطبع هذه الصفحة


لنسمع لهؤلاء

د. أميمة بنت أحمد الجلاهمة
اكاديمية سعودية في جامعة الدمام


بعض الجامعات تمتهن إحباط الطلاب بتخفيض درجاتهم، فإذا أنجزوا امتحانا تم إعداده بحرفية عالية، وكانت النتيجة عالية، تحول بغمضة عين لنتيجة مخيبة للآمال، فمن نال درجة امتياز قد تنخفض درجته إلى جيد جدا، وهناك من تنخفض درجته أكثر، وقد يهدد بالفصل كنتيجة محسومة لتطبيق هذه السياسة



في اجتماع جمعني منذ أيام بفتيات متميزات تذكرت ما جاء عن أبي ذر الغفاري ـ رضي الله عنه ـ قال عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيما يرويه عن ربه ـ عز وجل ـ: (يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا..) ومن منطلق مضامين هذا الحديث القدسي أنقل لكم أنينا سمعته لطالبة لم أعهدها إلا باسمة متفائلة واثقة من نفسها متصالحة مع كيانها، رأيتها شاحبة الوجه واجمة، أقبلت وكأنها تحمل هموم العالم على كتفيها، لتتكلم أمام الملأ عن معاناتها مع الجامعة ومع القائمين عليها من الكادر الأكاديمي والإداري، وهنا وصلني صوت من الجهة المقابلة أكد أن هذا الاستياء شعور عام تشترك فيه معظم طالبات الدفعة، فقد أتاهم من يؤكد أن إدارة الجامعة ارتأت خفض درجاتهن، إذ إن المحصلة النهائية للدرجات لا بد أن تكون متفاوتة، ولتحقيق ذلك يلجأ الكادر الأكاديمي عادة إلى اتخاذ أساليب معينة لتحقيق التوازن المطلوب، كخفض الدرجات بنسب محددة، وإذ استلزم الأمر يضع بعض الأساتذة أسئلة تعجيزية يراد منها في الأصل ليس قياس المستوى الأكاديمي للطلاب، بقدر ما يراد منها خفض الدرجات! وهنا تساءلت الطالبة.. ألا يعنيهم الجهد المبذول للطلاب، وقد أدوا الواجب واستوعبوا المقرر بالكامل؟!
وغني عن البيان أن كل من عمل في الحقل الأكاديمي يدرك أن التحصيل الدراسي للطالبات يفوق بالجملة تحصيل الطلاب، وقد يكون السبب تفرغ الطالبات للدراسة تفرغ يتسم بالعموم، في حين نجد الطلاب وعلى الأغلب منشغلين بتوطيد علاقاتهم الاجتماعية بالأقارب والأصدقاء، إضافة إلى قلة صبرهم على المذاكرة.. مقارنة بأخواتهن الطالبات.
إن بعض الجامعات الوطنية التي لها إنجازات مميزة، تمتهن إحباط الطلاب بتخفيض درجاتهم، فإذا أنجزوا امتحانا تم إعداده بحرفية عالية، وكانت النتيجة عالية، تحول بغمضة عين لنتيجة مخيبة للآمال محبطة للطلاب المجدين، فمن نال درجة امتياز قد تنخفض درجته إلى جيد جدا وهناك من قد تنخفض درجته لتصل إلى جيد، بل ضعيف، وقد يهدد بالفصل كنتيجة محسومة لتطبيق هذه السياسة التي تنظر إلى دفع الطلاب بالجملة إلى الوراء. دون الأخذ بعين الاعتبار الجهد المبذول.. والذي أهدر ظلما وعدوانا، فقط لأن المعلم أجاد التدريس ولأن الطالب أجاد التحصيل. وهذا الظلم بعينه، فكما أن حصول الطالب على درجات تفوق تحصيله العلمي ظلم وخيانة، كذلك هو الحال في سياسة خفض الدرجات، والتي تطبق على مجموعات امتزن بارتفاع تحصيلهن، فبدل من أن ينال أعضاؤها التقدير والتشجيع نلن تخفيض الدرجات.
وقد يعذر بعضهم الكادر الأكاديمي الذي يلجأ لهذا التصرف اقتداء منه بسياسة عالمية متبعة في معظم الجامعات، ولكن في الوقت نفسه عليه أن يراجع أولويات الوطن والداعية لتخريج شباب مؤمن بالعمل والتفاني فيه، شباب رافض لمنهج التعسف الذي يولد عدم الانتماء، فعلى سبيل المثال نجد بعض الجامعات الوطنية تشترط للانضمام إلى كليات الطب والعلوم الطبية وغيرها، شروطا تعجيزية كحصول الطالبة أو الطالب على درجات عالية في امتحان القياس، درجات تفوق ما هو متعارف عليه عالميا، بل إن تلك الجامعات تضع شروطا أكثر تشددا لقبول الطالبات مما تضع لقبول الطلاب!.
وكان لا بد والحديث هنا عن معاناة الطالبات الجامعيات، من نقل حديث مواطنة جامعية أكدت أنها تخرجت من الجامعة قبل ثلاث سنوات، وأنها خلال فترة دراستها الجامعية التي استمرت أربعة أعوام، لم تحاور أستاذة أكاديمية ولم تتابع حوارا كهذا، وأنها اليوم وهي خارج الدائرة الأكاديمية تشعر بعدم الانتماء لتخصص عاشت معه مرغمة سنوات، والأغرب من ذلك هو قولها: إنها لم تحصل إلى هذه اللحظة على وثيقة التخرج الأصلية وإنها اكتفت بالمؤقتة، ومع أنها بررت ذلك بأن الجهات الأكاديمية لم تجهزها بعد، إلا أن تصرفها ومن وجهة نظري أظهر رفضها وعدم اهتمامها للشهادة وما تحمله من ذكريات.
وكما سمعت صوتا لمتخرجة من "جامعة الملك سعود" تلك الفتاة الفخورة بجامعتها الواثقة من قدراتها، فقد تحدثت عن علاقات الإدارة العليا لكلية العلوم الطبية بالطالبات على اختلاف أقسامهن، فجاء كلامها يشبه القصيدة الرائعة في جمالها وترابط أفكارها، كما أكدت أن صوتهن يسمع، وأن الكلية استعانت بجهود الطالبات لتأسيس كوادر تطوعية فاعلة تخدم منطقة الرياض، ولتقول في النهاية إن من يسمع حوارا لطالبة من "جامعة الملك سعود" مع غيرها يدرك الفرق بينهما.
إلا أن إحدى الطالبات ممن ينتمين لجامعة أخرى قالت: إن إدارة كليتها لا تلتف إلى النشاط الإنساني والاجتماعي الذي يمكن أن تقدمه طالبة الطب، ولو وجد نشاط ما؛ فلن يجد التقدير الأكاديمي، وستكون محصلته عامة الإحباط، بل أضافت إحداهن أن القائمين على الأمر لا يأبهوا بخدمات طالبة الطب في المجال الخيري والاجتماعي، وأنها لو أرادت المساهمة في خدمة المجتمع فلن تجد الدعم من الجامعة.. وتعجبت من الفروق الواضحة للسياسة المتبعة بين كليات الجامعة نفسها، إذ إن بعضها يقدم دعما قويا للطالبات الفاعلات اجتماعيا.
واسمحوا لي بالحديث عن السياسة المتعارف عليها في بعض الكليات، إذ تكلف طالبات حديثات التخرج من الثانوية وفي الأسابيع الأولى من دراستهن الجامعية بإعداد شرائح (Slides) تحتوي على نصوص ورسوم بيانية وجداول، بغية عرضها بواسطة شاشة جهاز الحاسوب، وهذا يتطلب من الطالبة مهارات في استخدام برنامج (PowerPoint)، كما أن إعداد نصوص ورسوم بيانية وجداول يستلزم أيضاً امتلاك مهارات عالية في استخلاص المعلومة وعرضها بالشكل الأكاديمي.
فعرض (Presentation) كهذا لا يتطلب فقط توفر مهارات في الاستخدام التقني بل يتوجب توفير مهارات بحثية، ومن هنا أتساءل: على فرض أن الطلاب الذين تخرجوا من الثانوية العامة قادرون على التعامل مع (PowerPoint) فهل تدربوا على إعداد عرض أكاديمي؟! إنني أطالب الجامعات بتدريب الطلاب المستجدين على إعداد مثل هذه المشاريع البحثية قبل تكليفهم بها، إذ كيف نكلفهم بإعدادها وهم يجهلون أبجدية البحث الأكاديمي؟! ثم كيف نقيّمهم على هذا الإعداد دون إرشاد وتوجيه؟! لا أستطيع أن أختم حديثي اليوم إلا بنقل حاجة الطالبات والطلاب وفي كافة الجامعات لمجالس طلابية لها صلاحيات محددة، يكون من أهمها نقل آراء الطالبات للجهات العليا أكاديميا وإداريا، يعين أفرادها بناء على مواصفات معينة، علما بأن هذه المجالس متوفرة في بعض الجامعات الوطنية .


 

أميمةالجلاهمة
  • مـقـالات
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط