اطبع هذه الصفحة


"اليونسكو" قوة العدالة لا عدالة القوة

د. أميمة بنت أحمد الجلاهمة
اكاديمية سعودية في جامعة الدمام


القضية الفلسطينية انتصرت بيد منظمة دولية لها قدرها ووزنها، منظمة لم تملك إنكار الحق الفلسطيني حكومة وشعبا في الدفاع عن موروثه الثقافي الذي سلب ونهب، فاعترفت به وبثقافته

إن أول الغيث قطرة، وهذه القطرة جاءتنا كنصر من رب العالمين، كالغيث سقى أرضا ميتة فأحيا فيها الأمل بغد أجمل، وبعدالة تاقت لها نفوس ظمأى، واطمأنت بها أبدان منهكة، جراء تسويف أعقبته تسويفات اتصلت على مر العقود ولم تنقطع، هي قطرة جاءتنا كحلم.. أجلس فلسطين في مكانها الذي تستحق كوطن مستقل لشعب مستقل، وأخيرا ها نحن نعيش بوادر الخير.. ولو من خلال منظمة ثقافية تعنى بثقافة الشعوب.

ولكني ما زلت أتساءل هل ما سمعناه حقيقة أم خيال؟! أم أننا مازلنا نعيش في عالم الأحلام؟! أم أن هناك من صدح بالحق وبالحق تكلم؟! إن يوم الاثنين 31/10/ 2011 سيبقى في ذاكرة شعوبنا عاما بعد عام، ففيه أعلنت "اليونسكو" أنها قبلت بعضوية كاملة لدولة فلسطين، اعترفت بدولة فلسطين وبالشعب فلسطيني وبثقافة الشعب الفلسطيني، وهكذا اعترفت بحق فلسطين بالحياة.

إنها شجاعة الفرسان.. فلقد أقدمت "اليونسكو" على أخذ هذه الخطوة وهي على يقين بما سيواجهها من ضغوط وتهديد، فقد وصل لمسامعها الكم الكثير سرا وعلانية، ومن دولة امتهنت الكيل بمكيالين، والمضحك أنها جعلت ميزان العدالة شعارا لها، عدالة عمياء لا تفرق بين الحق وبين الباطل.. عدالة جائرة لا ترى إلا مصلحتها، ولمصلحتها تحكم وتحارب، ترى المظلوم يضرب بالسياط فتقول ما باله أزعجنا بصراخه! وترى الدماء تُسفك فتقول ما باله جسده خامل لا يتحرك! إنها الولايات المتحدة الأميركية التي لا تخجل أن تظهر أمام العالم بهذا الوجه القبيح، أميركا التي تنام قريرة العين أمام جرائم إنسانية ترتكب في حق شعب بأكمله، هي الدولة التي لا تملك إلا الانحناء لرغبات وظلم حليفها الصهيوني، هي الدولة التي لم تعد تملك أي مقومات البقاء كدولة عظمى، الدولة التي لم تهتم بمصلحة شعبها قدر اهتمامها بمصالح ذاك الغاصب، المحتل الذي شعر أن الأرض اهتزت من تحت أقدامه فور سماعه هذا القرار التاريخي، أقدام لم تكن يوما ثابتة على أرض فلسطين العربية، لقد كان من الطبيعي أن يثير هذا القرار مخاوف الكيان الصهيوني المحتل، فهذا الاعتراف قد يؤدي إلى اعترافات متتالية بالدولة الفلسطينية، وقبل أسابيع من اجتماع مجلس الأمن بالأمم المتحدة لاستئناف المناقشات بشأن الموافقة على الطلب الفلسطيني للانضمام كعضو كامل العضوية في الأمم المتحدة؛ كان طبيعيا أن يستشيط "نتيناهو" وحكومته غضبا، وأن يقف الكيان الصهيوني على أطراف أصابعه من هول ما حصل، فقد انتصرت القضية الفلسطينية بيد منظمة دولية لها قدرها ووزنها ولو من ناحية ثقافية، منظمة لم تملك إنكار الحق الفلسطيني حكومة وشعبا في الدفاع عن موروثه الثقافي الذي لم يترك دون سلب ونهب، فاعترفت به وبثقافته.

أما إعلان خارجية الولايات المتحدة الأميركية أنها لن تسدد مبلغ 60 مليون دولار، كانت ستدفعه هذا الشهر ـ نوفمبر ـ لليونسكو، فهو أقل من أن يذكر، أمام كرم وتفاني المملكة العربية السعودية التي دأبت على خدمة الإنسانية أينما كانت، وخدمة القضية الفلسطينية في المقام الأول، فالمملكة التي اعتادت مد يد العون شرقا وغربا شمالا وجنوبا هي قادرة بإذن الله سبحانه على سد الفراغ الأميركي، بل قادرة على إمداد اليونسكو بأكثر من ذلك، وإن كنت أتطلع لتحرك موحد لمجلس التعاون الخليجي يوجه لدعم هذه المنظمة ماديا ومعنويا.

إن فرحتي بهذه الاعتراف لم يجسدها على أرض الواقع سوى الموقف المعلن للمملكة العربية السعودية، الذي ظهر ابتداء من خلال كلمة سفير المملكة لدى اليونسكو الدكتور "زياد بن عبدالله الدريس" فقد قال: (سأهنئ اليونسكو قبل أن أهنئ فلسطين، اليوم خرج رأس المولود الفلسطيني الجديد من رحم العالم، وسيكتمل خروج بقية جسد المولود هناك في الأمم المتحدة بنيويورك خلال الأيام القادمة بإذن الله.) كما أضاف: (اليوم لم تولد فلسطين بل ولدت يونسكو جديدة، يونسكو ملامحها قوة العدالة بعد أن هيمنت عدالة القوة لعقود، اليوم نحن أمام أول نتاج لإطار الإنسانية الجديدة، الذي جعلته السيدة "إيرينا بوكوفا" مدير عام المنظمة المسار الرئيس لإدارتها لهذه المنظمة منذ أن أعلنت ذلك في انتخابات المدير العام الجديد للمنظمة عام 2009، ها هي السيدة "بوكوفا" تفي بوعدها الانتخابي، ورغم حيادها الإجرائي في عملية القبول لم نفاجأ بتصويت بعض الدول ضد القرار، لكني عجبت كيف أن عدداً من الدول المعترضة كانت تثني في خطاباتها أمام المؤتمر العام على الربيع العربي، لكن هذه الدول نفسها لا ترى مانعاً من أن تبقى فلسطين في "خريف" دائم.

نعم إن "اليونسكو" أسست وبشجاعة قوة العدالة بعد أن هيمنت على العالم عدالة القوة لعقود، وقبل أن يختم سفير المملكة كلامه أشار وبوضوح إلى سياسة المملكة العربية السعودية الدائمة والثابتة تجاه القضية الفلسطينية، سياسة كانت وستبقى بحول الله سبحانه داعمة للحق الفلسطيني، دعما تجسده بالأفعال لا بالأقوال.

إن هذا القرار هو قرار تاريخي بكل ما تعنيه الكلمة من معان جليلة، يوم رفع من قدر هذه المنظمة الثقافية، لتقف ثابتة في أعلى الهرم الدولي، فشكرا للمولى سبحانه الذي مكننا بعظيم فضله من إصدار هذا القرار، ثم للدول التي صوتت للقرار، والشكر موصول لهذه المنظمة الثقافية.


 

أميمةالجلاهمة
  • مـقـالات
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط