اطبع هذه الصفحة


يريدها "سوبرومن"

د. أميمة بنت أحمد الجلاهمة
اكاديمية سعودية في جامعة الدمام


على المؤسسات التعليمية توعية كل من الزوجين بواجباتهما وحقوقهما، وعليها أن تطرح علاقة الرسول عليه الصلاة والسلام مع زوجاته، وتوضح الواجبات التي فرضت على كل منهما تجاه الآخر .

الاستفسار الذي يرد علينا بكثرة هذه الأيام يتمحور حول: ما هي أسباب عزوف ابنتنا هذه الأيام عن الزواج؟ ولماذا اختلفت طموحاتها عن تلك التي كانت للأجيال السابقة أو التي تليها؟ فلم يعد الزواج من أول أولوياتها ولم يعد الإنجاب هو الحلم الذي تنتظره، ولم تعد المشاعر الطيبة التي يفترض أن تجدها من زوجها تراودها بكثرة، فقد حلت محلها أحلام لا أنكرها ولا أشجبها ولا أطالب بمنعها، ولكني أعتقد أن تقنينها واجب حتمي علينا تداركه كمجتمع وكمؤسسات تعليمية واجتماعية بل وسياسية، فالفتاة قد تكون في غاية الجمال ولها عقل راجح وأخلاق عالية وذوق رفيع، وهذه المواصفات يحلم بها كل شاب يتطلع للارتباط وتكوين أسرة، إلا أنها ومع الأسف غالبا ما تفكر في اتجاه آخر، فالمؤهل العلمي هو هدفها الأول، ثم قيامها بعمل مناسب هو هدفها الثاني، والهدف المؤجل هو الارتباط وتكوين أسرة، والسبب كما أسمع من ابنتنا وعلى مدار الساعة ينحصر في قضية محددة، فهي ترى أن تفكير الشباب محير وطموحهم مضمحل وتقديرهم للحياة الزوجية ومسؤولياتها يكاد يكون معدوما، كما أن احترامهم لإنجاز فتاة اجتهدت ورفعت من مؤهلاتها لتنال تقدير المؤسسات العامة والخاصة قليل للغاية، وهي تؤمن أن من الشباب من ينظر لنون النسوة بشكل عام نظرة دونية، وفي المقابل هي تجده فارغا من الداخل ومن الخارج، لا يليق بها!
فلا تفهم منطق الزوج الذي يرفض أن يكون لزوجته خيار العمل من عدمه، ويفرض عليها غض النظر عن ذلك، ثم يبقيها وعلى الدوام خلف جدران منزله دون رفيق، موجها أنظاره لرفاق دربه يبحث عندهم عن أنسه،وضحكاته معهم لا تتوقف وحديثه لا ينقطع، مبررا هجره لزوجته أنه متعب من العمل ويحتاج لراحة يجدد نشاطه من خلالها، وهو لا يتوقف عند امرأة مفعمة بالحياة متطلعة لتكوين أسرة تجمع بين أفرادها مشاعر المودة والرحمة، وحين يبقى في بيته يظل صامتا لا تتحرك أوداجه إلا ليزمجر، أو يشاهد مباراة كرة قدم، أو برامج سياسية امتهنت الصراخ لأجل الصراخ، أو لعله يتوجه لفراشه فيستريح ويريح، هو يأبى تفهم حاجة زوجته لشريك يجالسها ويتحدث معها بعد يوم كانت دقائقه بالنسبة لها تتحرك تحرك السلحفاة، وإذا ضاق بها الحال وملت وبكت قد يتمادى في ظلمه وفي جبروته مستشعرا في ذلك رجولة ضل طريقه إليها.
وأما إذا رحمها وتركها في بيت أهلها، فلن تستطيع كتمان حزنها وضيق صدرها، فتبث ضياع حلمها الذي تاقت له وهي الفتاة التي صانت نفسها وانتظرت فارس الأحلام الذي ظنت أنه سيضفي على حياتها طعما للسعادة لم تعهده، لتجده يزرع في طريقها الحرمان العاطفي، فحياتها معه دون ربيع، لا كلمة طيبة ولا ابتسامه ولا شكر ولا عرفان ولا مديح يطيب خاطرها ويشجعها على الاستمرار في العطاء.
وإذا أكرمهما الله سبحانه ورزقهم أطفالا، فاحتضنتهم متطلعة لسعادة افتقدتها، يشتكى إهمالها له ولاحتياجاته، ويتذمر وبصوت عال من رعايتها وملازمتها لأطفالها، وإذا عمدت إلى تدليل نفسها يسخر وبشكل مبطن من اهتمام النساء بالقشور، ومن إسرافهن في سبيل حصولهن على زينة لن تخفي معالم الزمن، وإذا وجهت اهتمامها له لعلها تنال عين الرضا، يلومها على ترك أطفالها بين يدي العاملة المنزلية.
فتاتنا اليوم تلخص القضية بقولها: هو في الواقع يريدها - سوبرومن - المرأة الخارقة، في حين يحصر دوره بتقديم الرعاية المادية، هذا على افتراض أنه يفعل.
فتاتنا وابنتنا اليوم تخشى على نفسها وعلى قلبها وعلى أحلامها من زوج لا يعرف قدرها ولا يسعى لذلك، هي تخشى من أن تعامل بفوقية، ولذا تتمهل كثيرا قبل زواجها، وتعيد التفكير مرارا وتكرارا قبل الإقبال على هذه الخطوة.
والغريب أن الأخ قد يكون أيضا مستكثرا أخته، فهو لا يرى فيمن تقدم إليها الرجل المناسب.. فهي النشمية أخت لنشامى يخشون عليها من ظلم زوج لا يقدرها ولا يجلها، وبالتالي قد نجدهم يقفون في صفها ضد الوالدة التي تتمنى تزويج ابنتها قبل موتها.
ومن جانب آخر تخشى الفتاة من لقب مطلقة، ومن فشل حياة تكون هي فيها مسيرة، فكثرة الطلاق تقلقها وترعبها من فكرة الزواج، فهي المدللة في بيت أهلها وبين أمها ووالدها وإخوانها وأخواتها بل وأعمامها وأخوالها، فلماذا تغادر جنتها لتقع في جحيم محتمل؟! وموقفها هذا يذكرني بما قاله فضيلة مفتي عام المملكة الشيخ "عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ" إذ وجه اللوم في كثرة حالات الطلاق- هذه الأيام - إلى حماقة الرجال وبعض أهل المرأة، الذين في كثير من الأحوال يقفون في صف ابنتهم دون محاولة إدراك أبعاد المشكلة وتوعية الزوج والزوجة بواجب كل منهما تجاه الآخر وتجاه أسرتيهما والمجتمع.
أعتقد أن المؤسسات التعليمية عليها واجب توعية كل من الزوجين بواجباتهما وحقوقهما، وعليها أن تطرح سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام وعلاقاته مع زوجاته، وتوضح الواجبات التي فرضت على الزوجة تجاه زوجها، وليتها تسمعه تقديرها لدوره في حياتها ولما يقدمه لها ولأسرتهما، عليها أن تدرك أن الحياة الزوجية لا يمكن أن تستقيم بطرف واحد وأن الواجب عليها ألا تهرع لوالدها في أول مشكلة تواجهها في حياتها، وأن الصبر من كليهما واجب، وأن ابتسامتها في وجهه لها مفعول السحر، أما ابننا فليته يدللها ويفرغ وقتا ليجالسها ويحادثها، وليته يقدم لها هدية تعبر عن مكانتها لديه، ولو وردة ترافقها بطاقة تحمل مشاعر الود والتقدير، وسيدرك أن كل ذلك يصب في مصلحته ومصلحتها ومصلحة حياتهما.. والله المستعان.


 

أميمةالجلاهمة
  • مـقـالات
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط