اطبع هذه الصفحة


التحالف مع حوار الأديان واجب

د. أميمة بنت أحمد الجلاهمة
اكاديمية سعودية في جامعة الدمام


لمَ لا نسعى لأن تستفيد الإنسانية من مواطن الاتفاق، ونترك الجدال العقيم الذي لا طائل منه، ولعلنا نساهم في إظهار البعد الأخلاقي والإنساني المتحقق بتطبيق الشريعة الإسلامية ، فتعاليم الشريعة الإسلامية يمكن أن تكون إرثا عالميا يخدم الإنسانية على اختلافها.

لم يكن ليخطر ببالي أن أتحدث هذا اليوم عن مؤتمر اتفاقيات ومؤتمرات المرأة الدولية وأثرها على العالم الإسلامي) والذي انعقد في مملكة البحرين، ما بين( 28 ربيع الآخر إلى 1 جمادى الأولى الحالي)، لا لشيء إلا لأني وجدت طرحا معتدلا في كثير من صحفنا المحلية وهو طرح يشكرون عليه، خاصة أنه في معظمه كان بحمد الله حياديا ومنصفا، إلا أن هناك من حمل التوصيات التي نتجت عن هذا المؤتمر على غير محملها، وهي التي أعتز بها وأعتقد أنها أهم ما طرح في المؤتمر، وبالتالي لزم بيان مصدر هذا الاعتزاز، فعن التوصية التي طالبت: بالتأكيد على الالتزام بالمرجعية الإسلامية في التعامل مع قضايا المرأة ومطالبها ومشكلاتها.
فأذكر القارئ الفاضل وأذكر نفسي قبل ذلك بما ورد في النظام الأساسي للحكم الذي صدر عن الملك فهد رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، في27 /8 /1412، فقد جاءت المادة الأولى من بابه الأول المعنون بـ(المبادئ العامة) صريحة بانتماء هذه البلاد لدين الإسلام وللمرجعية الدينية؛ إذ صرحت أن دستور البلاد قائم على كتاب الله سبحانه وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام، كما أن الباب الثاني والمعنون بـ(النظام) جاء في مادته السابعة ليؤكد أن الحكم يستمد سلطته من كتاب الله تعالى وسنة رسوله وهما الحاكمان على هذا النظام وجميع أنظمة الدولة.
ويجدر بي هنا بيان أن المملكة العربية السعودية وبشكل عام تبدي تحفظا عاما عند المصادقة على أي اتفاقية فهي حريصة دوما على بيان موقفها الرافض لكل ما يخالف تعاليم الشريعة الإسلامية، وفي هذا الشأن تحفظت المملكة العربية السعودية على اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة "سيداو"، ففي حالة تناقض أي عبارة في هذه الاتفاقية مع أحكام الشريعة الإسلامية فالمملكة العربية السعودية ليست ملزمة بالتقيد بالعبارات المتناقضة. وغني عن البيان أن اتفاقية "سيداو" طالبت بإبطال كافة الأحكام واللوائح والأعراف التي ترى ومن وجهة نظرها أن فيها تمييزا بين الرجل والمرأة في قوانينها، حتى تلك التي تقوم على أساس ديني، وهي في ذلك لا تعمد لإبطال شريعة الإسلامية فقط بل النظام الأساسي للحكم!.
أما توصيات مؤتمر البحرين التي طالبت بـ(الإسهام الفاعل والإيجابي في تبني قضايا المرأة المسلمة وحقوقها الشرعية، ورفع الظلم عنها، والتأكيد على دور المؤسسات الشرعية كمؤسسات الفتوى، في بيان حكم الشرع في مضامين الاتفاقيات والمواثيق الدولية..) فذكرتني بالنظام الأساسي للحكم والذي جاء فيه أن الأسرة هي نواة المجتمع السعودي. ويربى أفرادها على أساس العقيدة الإسلامية وما تقتضيه من الولاء والطاعة لله ولرسوله ولأولي الأمر، وبما جاء فيه من حرص المملكة على توثيق أواصر الأسرة والحفاظ على قيمها العربية والإسلامية ورعاية جميع أفرادها وعلى أن الدولة تحمي حقوق الإنسان وفق الشريعة الإسلامية، وعلى أن مصدر الإفتاء في المملكة العربية السعودية كتاب الله وسنة رسوله، وأن القضاء سلطة مستقلة ولا سلطان على القضاء لغير سلطان الشريعة الإسلامية؛ وبالتالي نستطيع أن نؤكد أننا في السعودية لا نقبل بأي مادة من مواد اتفاقية "سيداو" مخالفة لكتاب الله وسنته.
أما فيما يتعلق بالتوصيات التي طالبت بالتواصل مع المؤسسات والمنظمات المناهضة لمؤتمرات واتفاقيات المرأة الدولية على الصعيدين المحلي والعالمي، والتوجه ببيان إلى هيئة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية لاحترام خصوصية الشعوب. فيكفيني في هذا الشأن الإشارة إلى توصيات مؤتمرات حوار الأديان التي جاءت استجابة لدعوة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله حفظه الله فقد دعت إلى ضرورة رعاية وحماية القيم الإنسانية والقواسم المشتركة لجميع الرسالات وجميع الثقافات، والاعتراف أن الأسرة هي أساس المجتمع، والحث على الأخلاق السامية. إن توصيات مؤتمر البحرين دفعتني للتأمل مجددا في الدوافع السامية لخادم الحرمين الشريفين لإقامة حوار للأديان، فقد أراد أن يوضح للعالم كافة سماحة الدين الإسلامي وعظمة أمتنا الإسلامية وسمو موروثنا الحضاري والثقافي، أراد بدعوته لحوار عالمي أن يحمي تراثنا الإنساني العظيم من الانقراض أو الهدم أو الإساءة، وحين كان هم الملك عبدالله منصبا على الحفاظ على هذه الثوابت، انصب همه أيضا على بناء الجسور بين دول العالم وشعوبها والحضارات، وتوصية مؤتمر البحرين نهجت هذا المنهج فالتواصل مع المؤسسات والمنظمات المناهضة لمؤتمرات واتفاقيات المرأة الدولية على الصعيدين المحلي والعالمي، تهدف لتوحيد الصفوف وترتيب أوراق أمم مختلفة على أرضية مشتركة تهدف لحماية المرأة والمحافظة على الأسرة وحماية الأخلاق السامية، لعلهم يستطيعون نقل رؤيتهم الموحدة حول قضايا تمس أدق تفاصيل حياتهم الإنسانية.
وهذا التواصل الذي أشار إليه مؤتمر البحرين لن يتطرق إلا للقواسم الإنسانية المشتركة بينها فالقضايا الدينية الأساسية التي تتعلق بالمعتقدات، هي قضايا محسومة لن تكون داخل دائرة الحوار لا هنا ولا هناك، ولن نقبل كمسلمين وضعها على دائرة النقاش، فالاختلاف بين الأديان وارد وبين، كما أن القواسم الإنسانية المشتركة واضحة وبينة أيضا، فلمَ لا نسعى لأن تستفيد الإنسانية من مواطن الاتفاق، ونترك الجدال العقيم الذي لا طائل منه، ولعلنا نساهم في إظهار البعد الأخلاقي والإنساني المتحقق بتطبيق الشريعة الإسلامية، فتعاليم الشريعة الإسلامية يمكن أن تكون إرثا عالميا يخدم الإنسانية على اختلافها.
وأخيرا أستطيع أن أقول إن مؤتمر البحرين ساهم في تدعيم دعوة خادم الحرمين الملك عبدالله -حفظه الله- في حوار الأديان وسعى لتفعيل الاتفاق العالمي حول القواسم المشتركة بين الأديان والثقافات، ومن ناحية أخرى هو واجب ديني يفرضه علينا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، كما أنه ليس من العدل فرض رؤى غربية على كافة المجتمعات الإنسانية، وبشكل يلغي تماما معتقداتنا وموروثنا الإنساني.



 

أميمةالجلاهمة
  • مـقـالات
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط