اطبع هذه الصفحة


وضع لا يمكن للدعاية الإعلامية الصهيونية تجميله

د. أميمة بنت أحمد الجلاهمة
أ
كاديمية سعودية .. جامعة الملك فيصل الدمام

 
من المجحف والمؤلم ألا ينصت قادة الكيان الصهيوني للعقلاء المخلصين منهم الذين يسعون لأمنها، لأفراد من الشعب اليهودي مستعدين لدفع الثمن مهما عظم، إذا كان يحقق أمن صهيون الضائع، ورخائه الاقتصادي المنهار، وسياحته المغيبة، في ضوء هذا الرعب المتكرر...

من الرائع أن نسمع أصواتا يهودية عاقلة في زمن يندر فيه العقلاء، ومن الأروع أن تأتي تلك الأصوات المبحوحة من أرض إسرائيل المحتلة، وعلى لسان كاتب من كتابها (عوزي بنزيمان) ومن منبر إعلامي يتمتع بمصداقية بين يهود إسرائيل على الأقل مثل (هآرتس) ..
فقد طالعتنا (هآرتس) الأسبوع المنصرم بمقال يمكن أن نصف المنهاج الذي اعتمده الكاتب فيه بالواقعي - وجدير بالملاحظة أن هذا المقال تم نشره في صفحة السياسة من هذه الصحيفة، وهو كما أظن مقال يستحق القراءة، ويستحق التعليق الذي أنا بصدده.

أقول ابتداء.. مع أن اعتراف قادة الكيان الصهيوني بواقعه المرير يبدو مستحيلاً... لو تشبث أفراده بمعطياتهم السياسية اليومية الحالية والسابقة، ومع أن استيعابهم للدرس غير وارد في حال ثباتهم على ذلك الوضع، ومع أن إنصاتهم لنصيحة جاءت من بني يعرب، بني عمومتهم من سابع المستحيلات... بالتأكيد.
إلا أنه من المجحف والمؤلم ألا ينصت قادة الكيان الصهيوني للعقلاء المخلصين منهم الذين يسعون لأمنها، لأفراد من الشعب اليهودي مستعدين لدفع الثمن مهما عظم، إذا كان يحقق أمن صهيون الضائع، ورخائه الاقتصادي المنهار، وسياحته المغيبة، في ضوء هذا الرعب المتكرر... وضع داخلي إسرائيلي منهار تماماً بلا شك... وضع لا يمكن للدعاية الإعلامية الصهيونية تجميله أو إخفاء فساده.

فمع انعدام الأمن هناك... إنعدمت الحياة، وهاهي نفوس سكانها من اليهود تتوق وتحلم بحياة هادئة مطمئنة ولو خلف سور سجنهم الإرادي ..( جيتو)*..سجنهم القديم الجديد، فها هو العالم اليوم يشاهد دولتهم وهي تحن لبناء جيتو دولة، أولم يبدأوا بتشييد سورهم بحزم وثبات، ظناً منهم أنه طوق نجاتهم، ولكن فاتهم أن الظن لا يغني من الحق شيئاً... نحمد المولى الكريم أن هذا الظن لم ينطل على الشعب اليهودي بأسره كما سيظهر بعد قليل.
أما ما أوقفني في مقال (بنزيمان) فواقعيته في فهمه وتفسيره لأسباب فشل سياسة دولته في تحقيق الأمن ليهود إسرائيل، ولبعد نظره عندما أكد أن ذلك يكمن في عدم استيعابها للدرس، و في اعتمادها الدائم المتكرر على تبني آمال ووعود أثبتت الأيام فشلها... وعود ما تنفك تدلي بها على مدار الساعة للشعب اليهودي المذعور... كيف لا يكون حاله كذلك... والموت يهدده بأبشع صور ليل نهار.

لقد بدا الكاتب مقتنعاً للغاية أن سياسات دولة صهيون أصابها الخرف، وأن نسيان قادتها أكبر دلالة على خرفها ذاك، فهم يعدون شعبهم... ويؤملوا أفراده خيراً، ليعقب تلك الوعود والأماني نكسات مؤلمة وموت ودمار للشعب اليهودي، يعقبها نكسات أشد إيلاماً، اسطوانة مشروخة ولكن لا تتوقف بسبب الإصرار على التعامل المتهور لقادة دولة صهيون الغاصبة مع الشعب الفلسطيني، يبدو أن الكاتب متأكد من أن دولته لن توصل الشعب اليهودي إلا لمزيد من الدمار والهلاك ولأجيال متتالية، إذا ما تمسكت بسياستها التدميرية الهاتكة للأعراف الدولية.

والذي أثار اهتمامي في حديثه هو اعتماده على وقائع دامغة لا يمكن لدولته إنكارها، فذكر أنه في أبريل الماضي وبعد تبني دولة صهيون لحملة (السور الواقي) التي اعتبرتها حكومة إسرائيلية ناجحة، قال شارون: (إن الحملة أدت إلى نتائج هامة وأوقعت صدمة بالسلطة الوطنية) وقد أكد الكاتب أن بعد هذه الحملة بقليل وقعت عملية فلسطينية في نادي( البلياردو) في (روشيون لتسيون) قتل فيها 16 شخصاً وجرح 60 صهيونيا، ولينفذ الفلسطينيون بعدها عمليات أخرى...!! تلك العمليات المجهدة لأمن إسرائيل وقعت بعد أن ساد الهدوء على الأرض المحتلة عقب (حملة السور الواقي) نفسها، التي لم يكتف مساعدو شارون بتصريحات رئيس وزرائهم المتفائلة تلك، بل أضاف أحدهم مشيداً بنتائجها قوله : (إن السور الواقي أعاد الأمن لسكان إسرائيل).
كما ذكر أنه في يونيو قامت دولة صهيون بحملة الطريق الواقي، وهي الأخرى كما قال : (نجحت في الوقف الموقت للعمليات وهي الأخرى أثارت الأمل لدى قادة الدولة) ولكن هذه الأمنية كسابقتها باءت بالفشل وخيبة الأمل.
وليقول بعدها إن الدولة الصهيونية : (تعيش الآن فترة ما بعد الحملة(ربما هذه المرة) التي هي الأخرى تبعث قادتها على الاعتقاد والقول إنه ها هو التغيير المنشود يحل). وليؤكد فشل عرض شارون وصفته التي عثر كما يقول الكاتب عليها لمكافحة الإرهاب..!! وليعلن في مقاله هذا (أنه يمكن التقدير على نحو مؤكد بأن الهدوء الحالي لأعمال التخريب ستنتهي، وسفك الدماء سيتجدد)

ثم بدأ يحلل فشل هذه السياسة اليهودية فيقول (تذكرنا ردود الفعل الموصوفة آنفا بظاهرة مرض الخرف الذي يصيب كبار السن، فالظاهرة الأبرز للمرض هي النسيان ولكنه يترافق معها أيضا هذيان القلق وإحساس بالمطاردة.
والقيادة الإسرائيلية المحتلة تنسى كل مرة نتائج الحملات العسكرية السابقة التي بادرت إليها ضد السلطة الفلسطينية رداً على عمليات، وردودها تكرر نفسها وكأنها لم تتخذها في المرة السابقة، كما أنها تطور آمالاً عابثة،وكأن خطواتها تلك أدت إلى التغيير المنشود، وهي تتشبث برأيها كل مرة من جديد.
وحاول إثبات رأيه في واقع السياسة اليهودية الفاشلة بقوله :(فبعد أن جربوا أيام الهدوء السبعة، والتسوية المتدرجة في مدن الضفة، ومحادثات أمنية... وإلى غير ذلك من مباحثات... يتسلى قادة الدولة الآن بفكرة (غزة أولا )

إن العقدة الإسرائيلية الفلسطينية لا يمكن حلها إلا بسبيل واحد، هو اتفاق يقوم على أساس استعداد إسرائيلي للتنازل عن المناطق)
هذا هو لب القضية، كما أكد الكاتب اليهودي، الذي أدرك ببعد نظره وواقعيته في معالجة هذا الوضع اليهودي المنهار، أن مصلحته وشعبه، لا بد من أن تقف صامدة في المقام الأول، فالكره والانتقام الصهيوني اليومي، والعمليات العسكرية الدامية لا يعني بالنسبة لـ(عوزي بنزيمان) أو لأمته الحياة والرخاء... بل الموت والقهر والتدمير... (وشهد شاهد من أهلها)

 

أميمةالجلاهمة
  • مـقـالات
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط