اطبع هذه الصفحة


"تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى"

د. أميمة بنت أحمد الجلاهمة
أ
كاديمية سعودية .. جامعة الملك فيصل الدمام

 
شعب الله المختار، شعب واحد، دعاية لم يعد بإمكان الكيان الصهيوني استثمارها لا على الصعيد الداخلي لذلك الكيان ولا على الصعيد العالمي، فالأصوات اليهودية المحتجة على هذه الطبقية الصهيونية من الصعب إخمادها.

هناك من يعتقد أن عنصرية الكيان الصهيوني موجهة للفلسطينيين سواء كانوا مسلمين أم مسيحيين، أما اليهود فعلى اختلاف أصولهم يعدون شعباً واحداً، شعباً اختاره الله ليكون شعبه المختار، وميزه بخصائص بدنية وروحية عن غيره من المخلوقات، وعليه فهم يتمتعون بالكرامة والحقوق نفسها، ولكن واقع الحياة على تلك الأرض المشحونة بكل ما هو مستهجن يخالف ذلك، فالمجتمع اليهودي الصهيوني ينقسم من الناحية الاجتماعية إلى طبقات، تتباين من حيث الأهمية والتأثير على حياتهم اليومية..!

والطبقتان الرئيسيتان هما اليهود (الاشكنازيم) من خلفية أوروبية، طبقة تتمتع بالغنى والهيمنة على المؤسسات السياسية والاجتماعية لذاك الكيان، وفي مقابل هؤلاء سنجد (السفارديم) وهي كلمة تعني اليهود الشرقيين، اليهود الذين نزحوا من البلاد الإسلامية، من شمال إفريقيا، ومن الشرق الأوسط، وتركيا، وهي طبقة فقيرة، ومع أنها ذات أغلبية فإنها غير ممثلة على نحو متكافئ من الاشكنازيم...

وهاتان الطبقتان تميلان في حياتهما اليومية لاستخدام كلمتي (نحن) و(هم) حين تعمدان لمناقشة أوضاعهما الداخلية، وفي هذا دلالة واضحة على وجود انقسامات طبقية غائرة في ذاك المجتمع من النواحي الثقافية والسياسية والاقتصادية والعرقية، فوجود(السفارديم) في أدنى سلم الأجور في الكيان الصهيوني - بعد العرب - حقيقة مؤكدة، فاليهود الشرقيون ما زالوا لليوم العمال الأقل أجرا، فالأعمال ذات الأجور المتدنية والتي تتطلب مهارات مهنية عالية من نصيبهم، في حين تكون الأعمال ذات الأجور العالية والتي تتطلب تعليما عاليا من نصيب يهود الاشكنازيم، وضع اجتماعي تعدى الأسس العنصرية للوظائف ليصل للتعليم الجامعي، فدخول أبناء (الاشكنازيم) للجامعة يصل إلى ثلاثة أضعاف أبناء (السفارديم)، وضع تعدى ذلك- أيضاً - ليشمل الأحياء السكنية ذات المواصفات الخاصة، فالأحياء اليهودية التي تصفها حكومة ذاك الكيان بـ(مزدحمة) بمعنى أنها أكثر ازدحاما من غيرها مسخرة لليهود الشرقيين من أصول عربية، طبقة محرومة من كل امتياز بسبب أصلها الشرقي، فعلى الرغم من أنها تشكل أغلبية السكان كما ذكرنا آنفاً، إلا أنها تعاني من التمييز العنصري الذي يطبقه عليها اليهود الغربيون، هذا التمييز أثبتته دراسة إحصائية، أعدت لغرض تحديد الصفوة المدللة التي تملك السلطة والنفوذ في الكيان الصهيوني، فخرجت نتائجها لتؤكد أن يهود أوروبا الوسطى والشرقية، يهيمنون على مؤسسات السلطة في ذاك الكيان!.

وجدير بالملاحظة هنا أن أوضاع السفارديم في فلسطين، كانت أفضل مما هي عليه الآن قبل ظهور هذا الكيان الصهيوني، ففي أواخر القرن التاسع عشر، وقبل نزوح أعداد كبيرة من يهود أوروبا إلى فلسطين، كانت حياة يهود فلسطين أكثر استقرارا وغنى..!
شعب الله المختار، شعب واحد، دعاية لم يعد بإمكان الكيان الصهيوني استثمارها لا على الصعيد الداخلي لذلك الكيان ولا على الصعيد العالمي، فالأصوات اليهودية المحتجة على هذه الطبقية الصهيونية والموجهة لمجموعات يهودية، وما ترتب عليها من تطبيق أوضاع مجحفة في حق فئة من اليهود هاجروا من بلادهم ظنا منهم أن أحوالهم ستكون أفضل مما هي عليه في بلادهم الأصلية، أصوات من الصعب إخمادها، أو حتى التخفيف من حدتها، أناس اعتقدوا أنهم سيعتبرون متساوين مع غيرهم من يهود ذوي أصول أوروبية، اعتقدوا أنهم من أصول يهودية واحدة فهم جميعاً- وكما يعتقدون - شعب الله المختار.!
فبسبب افتقار الصهيونية للنخبة اليهودية الأوروبية الكافية لتحقيق وجود يهودي على أرض فلسطين، توجهت- مكرهة كما يبدو - لاستقطاب يهود البلاد العربية الذين شبههم (بن جوريون) الاشكنازي النموذجي الرئيس الأول لمجلس وزراء هذا الكيان : (بالزنوج الذين أحضروا إلى أوروبا كعبيد)، هم في حكم العبيد في نظر(الاشكناز)، وهكذا عوملوا.!

إن هذا الوضع العنصري في الكيان الصهيوني والموجه لليهود مستمر إلى اليوم، فعلى سبيل المثال لا الحصر، نجد حزب شينوي الصهيوني، والمنضم لحكومة شارون الحالية، الحزب اليميني المتطرف المعادي للشرقيين والأقليات، يؤمن أصحابه بتفوق الثقافة الأوروبية، ولا يؤمنون بمفاهيم توزيع الدخل والعدالة الاجتماعية، أما رئيسه (يوسف ليبد) فقد رأى أن على الحكومة الصهيونية التفكير في إبعاد اليهود الشرقيين (السفارديم) للمناطق التابعة لدولة فلسطين، حال اعترافهم بها...!

وهاهو الزعيم الروحي لحزب شاس الحاخام (عوفوديا يوسف) يتحدث لوزرائه فيقول: (إن ما هو مسموح للآخرين محظور عليكم يا وزراء (شاس) حتى لو توفرت لديكم الشروط المطلوبة، لقد بات واضحاً أنهم (الغربيين) يلاحقوننا لكوننا شرقيين) والمضحك المبكي في (عوفوديا يوسف) وحزبه الذي يعاني أصحابه من الفصل العنصري في ظل حكم اليهود الأوروبيين، الذين استولوا - بزعمهم- على حضارتهم وثقافتهم، ثم حرموهم من فرص تكوين ثروات كيانهم الصهيوني، أنهم هم أنفسهم يمارسون العنصرية وبأبشع صورها على العرب أصحاب الحق الأصليين...!

وأخيراً إليكم ما جاء في موعظة لـ(عوفوديا )عن يهود(الاشكنازيم): (إن كافة الأحزان والمصائب تأتي من الغرب التي وصفها بأنها جحيم ) ثم أضاف قائلاً : (إن يهود الغرب عندما حلوا بالدولة العبرية بدأت المشاكل، والمصائب تحل علينا، فقد رفضوا تقلد يهود الشرق (السفارديم) مناصب الدولة العليا، وتكتلوا فيما بينهم لمنع تسلق أحد من يهود الشرق إلى منصب رفيع يكون من خلاله رئيساً على الاشكنازيم في أي حال) ثم قال: (لقد أحدث هؤلاء العنصرية والفرقة بين أبناء الشعب اليهودي، ولا نزال نعاني من غرورهم وقوتهم ولكن ذلك لن يستمر طويلاً )، أوضاع تنبئ عن حرب أهلية سرعان ما ستظهر على الساحة الصهيونية.
أوضاع اجتماعية عنصرية جعلت قوله تعالى ماثلاً أمام ناظري: "بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون
 

أميمةالجلاهمة
  • مـقـالات
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط