اطبع هذه الصفحة


قبل أن ينقلب السحر على الساحر..

د. أميمة بنت أحمد الجلاهمة
أ
كاديمية سعودية .. جامعة الملك فيصل الدمام

 
المؤلم أننا لم نجد على الساحة الإسلامية والعربية حملة إعلامية منظمة، تفند هذا التقرير وتظهر فساد استنتاجاته، واكتفينا ببعض الأصوات التي على قوة موقفها وثقتها بسمو العمل الخيري في المملكة العربية السعودية، وبراءته بمجمله من تهمة الإرهاب ،إلا أنها بقيت خافتة

إن كل محاولات استيعاب الوجه الإنساني للسياسة الأمريكية بمعناها العادل ستبوء بالفشل، فالإنسانية في تفسير هذه السياسة لها وجهان، وجه مقبول وآخر لا ملامح له، فما هو قائم ومحصن في بلاد العم سام، محارب ومحظور على غيرها، والمحرك لكلتا الدفتين هي السياسة الأمريكية التي أدمنت الكيل بمكيالين، ففي حين ما زالت تعمل وبمساندة الإعلام الموجه لإقصاء العمل الخيري الإسلامي بشكل عام، والسعودي بشكل خاص، نتابع دعمها للعمل الخيري الأمريكي حول العالم.

أذكر هنا ما تطرق إليه الدكتور محمد بن عبد الله السلومي، في كتابه (القطاع الخيري ودعاوى الإرهاب) فقد أشار إلى موقفين أمريكيين متناقضين لا يفصل بينهما سوى أيام معدودة، أحدهما أعلن عن نفسه من خلال الكلمة التي ألقاها الرئيس الأمريكي ( جورج بوش الابن ) في 11/ 9 / 2002م، بمناسبة الذكرى الأولى لأحداث الحادي عشر من سبتمبر، فمن مضامينها ظهر للشعب الأمريكي ولمتابع السياسة الأمريكية أن العمل الخيري من أولويات هذه السياسة، وإلا كيف لنا أن نفسر تركيز الإدارة عند إعدادها لكلمة الرئيس في مناسبة كهذه على أهمية دعم المواطن الأمريكي للعمل الخيري ،فقد قال : ( وقد سألني عدد لا يحصى من جميع أنحاء البلاد كيف يمكنني أن أساعد في الحرب على الإرهاب ؟ والجواب هو : تغلبوا على الشر بإعمال الخير ،احبوا جارا، تواصلوا مع شخص يعاني من حاجة ،أطعموا جائعا، علموا طفلا القراءة .. لقد شكلنا فيالق الحرية الأمريكية .. لدعم مجتمعاتنا المحلية ونشر مشاعر التعاطف والرأفة الأمريكية حول العالم ) التعاطف والرأفة الأمريكية.

أما الموقف الثاني فقد خرج من أروقة (مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية) الذي أصدر تقريرا بتاريخ 17/ 10/ 2002م، أي بعد حوالي شهر من خطاب الرئيس بوش الداعم للعمل الخيري الأمريكي، اتهم فيه شخصيات سعودية فاعلة، والجمعيات الخيرية السعودية، بتمويل الإرهاب بشكل عام والقاعدة بشكل خاص.
لقد رفضت شخصيات أمريكية رسمية مضامين هذا التقرير- ولله الحمد - كان منها ( روبرت نيكولز) نائب مساعد الخزانة الأمريكية للشؤون العامة، الذي قال : " إن هذا التقرير معيب بصورة خطرة " أما (جريج سوليفان) المتحدث باسم مكتب الشرق الأدنى في وزارة الخارجية الأمريكية ،فقد قال: "إن وزارة الخارجية لا تجد في تقرير مجلس العلاقات الخارجية شيئا جديدا فيما يتعلق بالمنظمات الخيرية السعودية، بل ليس فيه ما يتطابق مع الواقع، وفي أحسن الأحوال هو تقرير سطحي ويخلو من أي مادة حقيقية، هو تقرير يتسم بالعمومية الشديدة، ولا يتضمن أية اتهامات جادة أو أي شيء يثبت القصور السعودي،وإني أشعر بالإحباط الشديد من المتطرفين في وسائل الإعلام الذين يفسرون تصرف الحكومات على الوجه الأسوأ " في حين أعلن ( جيمي جورول ) المسؤول عن وقف مصادر التمويل للجماعات الإرهابية : " أن القائمة التي ضمت 12 اسما متهما بالإرهاب لا تتضمن اسم أي سعودي" كما قال ( ريتشارد ميرفي ) الدبلوماسي الأمريكي السابق: " لقد أصبت بالدهشة عند سماع هذا التقرير، فالمعلومات الموجودة فيه لا ترقى إلى مستوى الدقة، ولا أعرف ما هو الأساس الذي بنى عليه التقرير استنتاجاته؟ إن التقرير يعكس المزيد من عجز الولايات المتحدة الأمريكية في تعقب الأموال الإرهابية"

المؤلم أننا لم نجد على الساحة الإسلامية والعربية حملة إعلامية منظمة، تفند هذا التقرير وتظهر فساد استنتاجاته، واكتفينا ببعض الأصوات التي على قوة موقفها وثقتها بسمو العمل الخيري في المملكة العربية السعودية، وبراءته بمجمله من تهمة الإرهاب ،إلا أنها بقيت خافتة بالكاد تسمع، والسبب أن الإعلام الداخلي في المملكة العربية السعودية، والخارجي سكت عن الكلام المباح، ولم يعد يتطرق للنشاط الخيري السعودي الفاعل سواء على الصعيد الوطني أو الدولي إلا على استحياء. يبدو أن الإعلام صدق تعميم تهمة الإرهاب على جميع الأنشطة الخيرية التي تدار بأموال ونفوس سعودية، وتعامل معها من هذا المنطلق، مما شجع كثيرين على التمادي في تطاولهم هذا، فبالرغم من إعلان المملكة العربية السعودية العام الماضي تشكيل لجنة تتحمل مسؤولية توجيه المساهمات الخيرية السعودية في الخارج، لضمان عدم وصول هذه الأموال إلى المتشددين، ورغم أنها صرحت بوضوح تام أن عمل هذه اللجنة التنظيمية لا يغطي الهيئات الخيرية الإسلامية التي تتخذ من المملكة مقرا لها، ومع وضوح هذه الرؤى في عدم تدخل المملكة فيما لا شأن لها به، ورفضها مراقبة هيئات إسلامية استكانت على أرض المملكة، نجد أن وكيل وزارة الخزانة الأمريكية الحالي( ستيوارت ليفي ) قال في المؤتمر الأخير لـ( لجنة العلاقات الأمريكية الإسرائيلية العامة - إيباك ) : " ننتظر بنفاد صبر تشكيل لجنة تراقب القطاع الخيري ونواصل التمسك بأن تنظم هذه اللجنة كل الأموال الخيرية السعودية دون استثناء، جماعات مثل رابطة العالم الإسلامي، وهيئة الإغاثة الإسلامية العالمية " ونحن بدورنا نعلن نفاد صبرنا من جراء تدخل بعض الساسة في الإدارة الأمريكية في شؤوننا الداخلية، كما نأكد لهم ولغيرهم أنه من غير المجدي السعي لإلغاء خصائصنا بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان سامية .. كما لا يمكن لبوش دعوة الشعب الأمريكي للإقبال على العمل الخيري، دون استثناء للدعم الذي يوجه للميليشيات العسكرية الإرهابية الأمريكية، لقد تجاهل في كلمته تلك التحذير من دعم المليشيات الإرهابية الأمريكية أمثال مليشيا ولاية أريزونا ( منظمة أبناء الحرية ) التي تدعو المواطنين في الصحف للانضمام إليها بقولها .. إن أعضاءها ثوريون أمريكيون، وهم بحق ثوريون دمويون فعلى حداثتها، يملك العضو منهم مجموعة من المسدسات والقنابل، وهو ما يعد بالمفهوم الأمريكي أسلحة فردية ،والتي اعتادت دعوة أعضائها بالعبارة التالية : تعالوا مع أسلحتكم وأصدقائكم .. لقد تجاهل ذكر مليشيا ولاية كولورادو ( حراس الحريات الأمريكية) هذه المليشيا تملك الأسلحة لها وللمتطوعين، كما تملك صحيفة ودار نشر، ومركزاً للتدريب العسكري، وهي تعادي السطوة اليهودية على الاقتصاد العالمي، أما مليشيا ولاية أيداهو فقد قال قائدها: سنبدأ بالهجوم على مبنى برلمان الولاية، ونقتل كل النواب رميا بالرصاص، وهذه المليشيا ذات توجهات عنصرية تطالب بسيادة الجنس الأبيض على بقية الأجناس، فقد قال أحد قادتها: " الجنس الأبيض سيد الأجناس، والأفارقة - والآسيويون مثلهم أقذر الناس وفي أسفل قائمة الأجناس .. " ولمن أراد الاستزادة حول نشاط وعدد هذه المليشيات، وحول نوعية التعليم الأمريكي العنصري، ودعم بعض المنظمات الخيرية الأمريكية للجماعات المنشقة في العالم، والنشاط الخيري العالمي والدور الصهيوني في تحريك أو إيقاف دفته، وغيرها من الموضوعات ذات العلاقة ،الرجوع لكتاب ( القطاع الخيري ودعاوى الإرهاب).

وأخيرا ألستم معي أنه يفترض من الرئيس بوش وحكومته الاهتمام بالشؤون الداخلية لبلاده بدل التدخل في شؤون الدول الأخرى؟ .. فالأمن الأمريكي مهدد من الداخل بشكل واضح بين، بحيث يصعب حتى على الحلفاء تجاهله، فها هو الكاتب البريطاني (روبرت فيسك) يقول في أحد أبحاثه: "نعرف جميعا خطورة التعصب الإسلامي لكن أكبر تهديد للحرية في أمريكا قد يأتي من أنواع أخرى من الأصولية، كالأصولية اليهودية، واليمين المسيحي المتصهين.."
ليت بلاد العم سام توجه أنظارها وجنودها للداخل .. قبل أن ينقلب السحر على الساحر..
 

أميمةالجلاهمة
  • مـقـالات
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط