اطبع هذه الصفحة


عيد وعيــد!

د. رقية بنت محمد المحارب


يسر بالعيد أقوام لهم سعة *** من الثراء وأما المقترون فلا

هكذا عبر الشاعر "أحمد اللخمي" عن شعوره تجاه العيد، مصوراً أن الفرصة إنما يهنأ بها أصحاب الثراء والسعة من المال، إذ يجدون ما يعبرون به عن فرحتهم.. وفي تصوره أن أصحاب الضنك و الفقر لا يهنأ أحدهم بالعيد؛ لأنه لا يجد ما يفرح به..
ولعل هذه الصورة تفتقر إلى الواقعية؛ إذ نرى الجميع يسر بالعيد إذا شعروا بأنه يحمل لهم الجديد، وإذ يتكرر عليهم في العيد ما يكون في غيره، فلا فرح ولا عيد..
وهذا ـ والله ـ حال أهل الثراء والسعة، فهم يلبسون كل يوم جديد، ويركبون الجديد، ويأكلون الحلوى كل يوم وساعة، فبم يفرحون؟! لا سيما إذا ناموا عن صلاة العيد ولم يحضروا دعوة المسلمين ولم يشاهدوا مظاهر الاحتفال والاحتفاء إحياء للشعيرة..
وتنطوي نفوس آخرين في العيد على الأحزان والأتراح؛ لأنهم يفكرون في المآسي العامة أو الخاصة، كمثل الشاعر "أحمد بن عشق" إذ يقول:

نسّر بالأعياد يا ويحنا *** وكل عيد قد تولى بعام

ومثل "الوأواء الدمشقي" إذ يقول:

من سره العيد فلا سرني *** بل زاد في شوقي وأحزاني
لأنه ذكـرني مــا مضى *** من عهد أحبابي وإخواني

فبقيت الفرحة والحزن رهينين بالشخصية، والانبساط والانقباض حبيسي الفكر والعقل والعاطفة جميعاً..
وهنا نقف موقف المتسائل: هل نفرح بالعيد ونعبر عن فرحتنا بألوان المتع والتسالي، أم نقف حزنى ننكأُ جراحنا ونفتق آلامنا ونستذكر بؤسنا ونسترجع قتلانا؟!

هل نقف أمام مدافع العيد وألعابه نتذكر مدافع وقنابل العدو الساقطة على رؤوس إخواننا في العراق وأفغانستان وفلسطين، أم نقف أمام جديد أولادنا نتذكر أيتام كشمير والشيشان والبوسنة!
مشاعر متلاطمة تلاطم الموج عند شديد اغتلامه.. وهكذا كل حياة لا تنطلق في تصورها من أسس ربانية ثابتة تتأرجح بصاحبها.. فلنفتش في السنة النبوية لنعرف كيف نفرح؟ وما ضوابط فرحنا؟! فإنه ما من شيء إلا ولنا فيه شرع وسنة..
بوب البخاري ـ رحمه الله ـ في صحيحه، كتاب صلاة العيدين والتجمل فيهما، وأخرج من حديث ابن عمر أن عمر ـ رضي الله عنه ـ وجد جبّة من إستبرق تباع في السوق فقال: "يا رسول الله، ابتع هذه تجمل بها للعيد والوفود، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما هذه لباس من لا خلاق له".
قال المهلب: وكذلك التجمل في الجماعات والوفود بحسن الثياب مما جرى به العمل، وترك عليه السلام لباس الجبة زهداً من الدنيا، وأراد أن يؤخر طيبات الدنيا للآخرة التي لا انقضاء لها..".

وهنا يعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه وإن كان في العيد فسحة ليست في غيره فلا ينبغي السرف الذي لا يتناسب وأصحابه، وكذا كل لباس فيه كراهة؛ لما يشتمل عليه، كاللباس المشتمل على تصاوير أو ما فيه تشبه أو فيه عري.
وأخرج أيضاً في باب الحراب والدرق يوم العيد حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث فاضطجع على الفراش وحول وجهه، ودخل أبو بكر فنهرني وقال: مزمارة الشيطان عند النبي صلى الله عليه وسلم؟! وأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: دعهما. فلما غفل غمزتهما فخرجتا، وكان يوم عيد يلعب السودان بالدرق والحراب، فإما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإما قال: تشتهين تنظرين؟ فقلت: نعم. فأقامني وراءه خدي على خده، وهو يقول: دونكم بني أرفدة. حتى إذا مللت قال: حسبك؟ قلت: نعم، قال: فاذهبي".

قال المهلب: وفيه دليل أن العيد موضوع للراحات وبسط النفوس إلى ما يحل من الدنيا والأخذ بطيبات الرزق وما أحل الله من اللعب والأكل والشراب...
وهنا يجدر أن أشير إلى أن الغناء المباح في العيد هو ما لا يكون فيه حرام؛ لقول عائشة رضي الله عنها في حديث آخر: "وليستا بمغنيتين".
قال ابن بطال: "يعني الغناء الذي فيه ذكر الخنا والتعريض بالفواحش وما يسميه المُجّان وأهل المعاصي غناء مما يكثر التنغيم فيه. وإنما كانتا تنشدان بالمراثي التي تحزن وتبعث النفوس على الانتقام من العدو، وهي مراثي من أصيب يوم بعاث فأباح النبي صلى الله عليه وسلم هذا النوع من الغناء..".

ومن سنن الإسلام في العيد: الترغيب في صلاة العيد وخطبته وحضور النساء والأطفال لتصيبهم دعوة الإمام والمسلمين..
ومن سنن الإسلام: التواصل في هذا اليوم وإخراج دغل القلوب وترك التنازع والفرقة، والإقبال على ما يجمع الشمل.
ويحسن في مثل هذه الأوقات أن تستغل الفرصة لتعليم الناس أن في ديننا فسحة، فتقام المسابقات والبرامج البريئة ذات الهدف السامي، لا سيما في المراكز الإسلامية والدعوية، والمؤسسات الخيرية، وكذا تجمعات الأسر الكبيرة.
جعل الله عيدنا عائداً بالمسرات.. والأمة في أمن وآمان، وعدوها في ذل وخذلان.
وكل عام وأنتم بخير.

المصدر : لها أون لاين
 

د.رقيه المحارب
  • مـقـالات
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط