اطبع هذه الصفحة


صرخة غضب!

 أ.سحر المصري


“لا تغضب” حديث للحبيب صلوات ربي وسلامه عليه.. ووصية توارثناها وأورثناها ظانّين أننا نطبق بها شرع الله جل وعلا ونتّبع ونقتدي.. وهي نِعم الوصية إن طبقناها كما أرادها منّا المصطفى صلى الله عليه وسلّم.. ففلسفة الغضب بحاجة إلى تعرية بعض خصائصها لتكون على الهدي النبوي ولا نكون قد فرّطنا في زاوية وأفرطنا في أُخرى..
لن أُملي دروساً في ماهية الغضب ومساوئه وأسبابه وطرق علاجه فهذه الأمور قد ملأت كتب من هم أوعى مني وأرقى فهماً وتم تفصيلها في مواضع عدّة.. ولكن ما أريد تسليط الضوء عليه في كلماتي هذه هو الجانب الآخر من الغضب وأقصد به الغضب المحمود الذي أمر به الشرع فألحقه البعض بصفة الغضب التي أرشد الشرع إلى تركها..
إن الغضب المذموم هو ذلك الذي يُشعِل في القلب جمرة ويثير في النفس بركاناً لا يخمد حتى ينتقم المرء لنفسه ولكبريائه ومنابع هذا الغضب كثيرة أهمها الحسد والمراء والعُجب والظلم وغيرها.. ولكن هل تنبّهنا ان هناك غضب مطلوب محمودٌ هو دليل ايمان وغيرة ومحبة لهذا الدين..

وقد كان الحبيب عليه الصلاة والسلام برغم حِلمه ورأفته وصبره يغضب حين تُنتَهَك محارم الله جل وعلا.. فعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ” ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قط بيده، ولا امرأة ولا خادما، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله تعالى، فينتقم لله تعالى “.. فقد غضب لما شفع أسامة للمرأة المخزومية التي سرقت وغضب حين أُخبِر عن الإمام الذي يُطيل الصلاة فينفّر المصلّين وغضب حين رأى أبا مسعود البدري يضرب مملوكاً له بالسوط وغضب حين رأى في بيت عائشة رضي الله عنها ستراً فيه صور ذوات أرواح وغضب حين رأى أصحابه يختصمون في القَدَر.. فكان غضبه لله جلّ وعلا مع عدم تجاوز الحق والصدق والعدل في الغضب.. فأين نحن من هذه المعاني؟
ومن قبل النبي عليه الصلاة والسلام غضب موسى عليه السلام حين رجع إلى قومه فوجدهم يعبدون العجل من دون الله تعالى فألقى الألواح.. يقول الله عز من قائل: “وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ“.. فهل فِعل الغضب هذا كان مذموماً لأن تعريفه كان “غضب” والسلام؟
يقول الرسول صلوات ربي وسلامه عليه: “ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي ثم يقدرون أن يغيروا فلا يغيروا إلا يوشك أن يعمهم الله بعقاب” فإن رأينا المنكرات ولم نستطع تغييرها بأيدينا ولا بألسنتنا فأين الإنكار والغضب في القلوب وهو أضعف الإيمان؟ أين الحميّة والعزّة والإباء؟ ألِهذا الحد اعتدنا على كل ما يحيط بنا مما نرى ونسمع ونعي حتى ما عاد لنا قدرة ولا حتى على الشعور بعِظَم البلاء فهمدَت الثورة في قلوبنا وكان الركون والدَعة؟!
كيف لا نغضب وقد استباح الأعداء بلادنا الإسلامية وأصبحت الدماء تغطي خريطة عالمنا الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه..
كيف لا نغضب وقد امتلأت بطون السجون برجال ونساء مؤمنين لم يقترفوا ذنباً إلا أن يقولوا ربنا الله..
كيف لا نغضب وقد اغتُصِبَت مقدّساتنا وهُدِّمَت صوامعنا واقتُلِعَت أشجارنا وشُرِّدَت أهلونا..
كيف لا نغضب وبعض مجتمعاتنا الدعوية كحكوماتنا العربية..
كيف لا نغضب وقد أصبحت سِيَر عظمائنا حبيسة كتب صفراء على الرفوف فلا نحن نقرأ ولا نقتدي..
كيف لا نغضب وقد انقلبت الموازين وتبدّلت القِيَم..
كيف لا نغضب وقد أصبحت نساءنا سلعة في يد أرباب الموضة والإعلام وشبابنا في خدور المخدرات والإنحراف..
كيف لا نغضب وبعض فقهاؤنا يستسلم لابتزازات الجمهور فيبيع في الفتاوى ويشتري على حسب مقاس السائل..
كيف لا نغضب وقد نجح الأعداء في زرع الفتنة بين المسلمين أنفسهم فشغلوهم عن العدو الحقيقي..
كيف لا نغضب وفضائياتنا معول يهدم الأخلاق والفضيلة..
كيف لا نغضب وأخسّ خلق الله يسخر من نبيينا صلوات ربي وسلامه عليه ويهزأ بديننا!!
ولعلّ في صرخة الشاعر عبد الغني بن أحمد التميمي ما يهز الكيان حيث قال:
أخي في الله أخبرني متى تغضبْ؟
إذا انتُهِكَت محارمنا.. إذا نُسِفَت معالمنا ولم تغضبْ..
إذا قُتِلَت شهامتنا إذا ديسَت كرامتنا.. إذا قامت قيامتنا ولم تغضبْ.. فأخبرني متى تغضبْ؟
إذا لله، للحرمات، للإسلام لم تغضبْ.. فأخبرني متى تغضبْ؟!
وصارحني بلا خجلٍ لأية أمّة تُنسبْ؟!
ولم يعد الأمر مقتصراً على ما نراه في مجتمعاتنا من بُعدٍ عن الدين حتى استَشْرَت هذه الأمراض بين كافة الأطياف والمجتمعات.. وأصبح الغضب لله جل وعلا وإنكار الآراء الشاذة ورفض اغتصاب المبادئ حتى ضمن المجموعة المؤمنة أمراً مرفوضاً ومستهجناً ويكاد يُرمى صاحبه بأوصافٍ وتُثار حوله الزوبعات من أنه رجل “غضوب” ويصبح غضبه النابع من رفضه للممارسات الخاطئة وصمة عار على جبينه في مجتمعه.. وقد يستمرئ بعض المسؤولين استفزاز من لا يجاريه من الأفراد فإن غضب هذا الأخير ألصقوا به “التهمة النكراء” والإمام الشافعي يقول: “من استُغضِبَ ولم يغضب فهو حمار” وفي كتابه أدب الدين والدنيا يقول: “فإذا فقد الغضب لسماع ما يغضب كان ذلك من ذُلّ النفس وقلّة الحميّة“.. أما والله فقد بتنا في زمنٍ يحاولون زرع الذل زرعاً في النفوس لتركن إلى التبعيّة والإتّباع فلا تثور ولا تفور ولا تطالب بالتغيير والإصلاح وإنما هو “الإنقياد الأعمى” ومفهوم الرضا بالقضاء الذي يؤخَذ على غير محمله..
حقيقة عميقة أبثها هنا.. يستحيل أن يكون الإسلام حيّاً في القلب ثم لا يكون هناك غضب لما نجد.. ومحال أن تكون المبادئ المترسّخة في ذواتنا غالية ثم لا نحارب لأجلها.. وكلما كبُرَ همّ القضيّة فينا كلما كانت ثورتنا المشتعلة في أعماقنا أكثر.. والبعض ما زال يخاف تسارع دقات القلب ويخشى ارتفاع ضغط الدم إن هو دخل ساحة الغضب.. فلا بأس من بعض عوارض تكون لله جل وعلا بينما نعيش العوارض نفسها مراتٍ ومراتٍ من أجل دنيا فانية..
إنّ الأمّة في مرحلةٍ حرِجة وبحاجة إلى جهود المخلصين الصادقين.. وإنّ فقه التغيير المنشود يحتاج إلى عقول كبيرة وقلوب أكبر وتربية من نوع خاص – روحيّة بالدرجة الأولى – لتحمل أعباء الإصلاح وإحياء الأمّة من جديد.. ولا بدّ أن نبدأ من شعورنا أننا جسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى.. وأنّه علينا أن نتسلّح بإيماننا وقوّتنا وأن نقول كلمتنا التي نؤمن بها دون أن نخاف في الله لومة لائم..
هي صرخة من الأعماق.. لعلّنا نعي قبل أن يستبدلنا ربّنا جلّ وعلا بقومٍ يغضبون له.. ثم لا يكونوا أمثالنا..
اللهم إنّا نسألك كلمة الإخلاص في الرضا والغضب..

 

سحر المصري
  • اجتماعية
  • أُسرية
  • دعوية
  • بوح روح
  • جراح أُمّة
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط