اطبع هذه الصفحة


وقتلوا الأسد

أ.سحر عبد القادر اللبان

 
رنّات على الهاتف أيقظتني،وبنظرة مختلسة إلى ساعة الحائط عرفت أنني في الواحدة فجرا.
خيرا...من المتصل في مثل هذه الساعة المتأخّرة؟؟؟
خفق قلبي بشدة ،وتزاحمت الأفكار السوداء في خاطري...
اللهم اجعله خيرا..
جررت قدميّ إلى آخر الغرفة حيث هاتفي الجوّال، الذي توقّف عن الرنين بعد أن يئس من وصولي إليه.
حملته بيد مرتجفة وقلب وجل، وأجبرت عينيّ على النظر إلى الرقم المتّصل ، وفي داخلي خوف ورجاء.
آه كم أكره الاتصالات المتأخّرة...أشعر بأن أخبارا سيئة في طيّاتها.
نظرت إلى الرقم المتّصل ، وحملقت فيه...تراقص الاسم أمام ناظري...سهى .. زميلتي الفلسطينيّة سهى ، ذات الشباب الغض والبسمة الخجولة، ماذا تراها تريد في هذا الوقت ؟؟؟
من عادتها الاتصال بي يوميا، أتراها اتصلت بي بالخطأ ؟؟؟ منذ ساعات قليلة كنا نتكلم معا، نقطع ليل غربتنا بالسمر على الهاتف او عبر النت، وكم كانت تطول مخابراتنا، فنتناول فيها كل احداث اليوم، مع أننا نتقابل في الجامعة كل صياح.
هي تسكن في سكن مفابل لسكني، لا يبعد عنه الا شارعين، ورغم ذلك فنحن لم نعتد التزاور في الامسيات، فأجواء بريطانيا في الليل مخيفة، ولذلك فنحن ننكفئ في غرفنا عند المغرب.
أقنعت نفسي أن في الامر لبسا ما، وأنني سأعاود الاتصال بها غدا صباحا قبل موعد الجامعة.
وعدت إلى السرير أحاول جاهدة العودة إلى النوم، إلا أن صورتها لم تبارح خيالي، وخاطر طرأ لي أنها قد تكون بحاجة إلى مساعدتي.
رميت الغطاء عني وعدت إلى الهاتف، واتصلت بها...شعرت كأن سنوات مرت قبل ان يصلني صوتها، ضعيفا منهكا مريضا يردّد اسمي، فيقطعه صوت بكاء ونحيب..
ماذا بك يا سهى ؟؟؟ ما الذي حصل ؟؟؟ ماذا هناك؟؟؟ لماذا لا تجيبين؟؟؟ أخفتني ؟؟؟ سهى!!! سهى !!! ردي علي...سهى...
واخيرا ردّت علي وليتها لم تفعل: أبي مات.
رنّت كلماتها في أذنيّ، وتردّد رجع الكلمات مرّات ومرّات.
لم أدر ماذا أقول، شعرت أني عاجزة عن قول أيّ شيء...ماء حار غسّل وجهي، كيف مات؟؟؟ومتى؟؟؟
والد سهى المجاهد المكافح، ذو العنفوان والقوة، كم كنت أتباهى أني صديقة ابنته، وكم كانت سهى فخورة به، رغم خوفها الدائم عليه.
مواقفه في البلد الذي هو فيه لا تعدّ ولا تحصى، من رئيس للجاليات الإسلامية، إلى مسؤول لمساعدة المسلمين، وأخيرا موقفه الأخير في الدفاع عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
ركضت إلى ملابسي أبدلها بسرعة لم أعتدها من قبل، وهرعت أقطع الشارعين دون خوف أو احساس بالوقت المتأخر الذي أنا فيه، ودون أن انتبه إلى السكارى وبنات البغي المنتشرين في الشارع في مثل هذا الوقت، كل ما كان يهمني هو الوقوف مع سهى في محنتها هذه.
وصلت الى غرفتها، قرعت الباب ففتحت لي بسرعة وارتمت في احضاني منتحبة، أجلستها على كرسي وجلست أمامها فدفنت رأسها في صدري الذي كان يهتزّ من نحيبها ومن نحيبي.
اهدئي حبيبتي واطلبي له الرحمة والثبات، لا يجوز أن تفعلي هذا، اهدئي واتركينا نفكّر.
سمعت صوتا آتيا من بعيد فاجأني، وعرفت أنه صوتي.
وبعد أن هدأت قليلا بدأت بالكلام:
- تصوّري ،أمس اتصل بي، وبثّني حبّه وأشواقه، قال انّ صورتي لا تفارقه أبدا، كان صوته متعبا، ولأوّل مرّة شعرت أنّه لا يريدني أن أنهي المكالمة، ليتني انتبهت إلى هذا...كنت أخبره عن طالباتنا وعن مشاكساتهنّ ،عن المعلّمات وعن ظلم الادارة لنا، وكان صامتا على غير عادته، يسمع دون أن يعلّق أو أن يضحك على المواقف المضحكة، ليتني انتبهت قبل الآن إلى آهاته التي كان يصدرها بين الحين والآخر اثناء المكالمة...ليتني سألته ماذا به ...آه ما أقساني...تصوّري أنّه ولأوّل مرّة يقول لي أنّه يفكّر بالعيش في بلد عربيّ ، وانّه تعب من الغربة ومن محاربة الكفار...قال لي انه ماعاد يريد في هذه الدنيا إلا أن نجتمع من جديد...آه يا والدي...كيف تركتني لوحدي ؟؟؟
لحظات صمت طالت لم يسمع فيها سوى بكائها الذي حاولت أن أوقفه فكان أقوى مني وعاونه بكائي.
وبعد فترة سكتت وأكملت:
اتصل بي قبل ساعة صديقه أبو عيّاش، أخبرني بموته...لا ..لا ..بل أخبرني بمقتله...
قتلوه يا أختي...لم يقدروا عليه الجبناء فقتلوه...خنقوا الصوت المطالب بانصاف المسلمين في ديار الغرب...
كم كنت أقول له مالنا ولكل هذا...الله ناصر دينه...اترك هذا البلد اللعين وتعال إلى هنا...أو لنرحل إلى أي بلد آخر نعيش فيه معا، وكم كان يردّ عليّ بهدوء وجديّة : لا تقولي هذا يا بنيتي...هذه رسالتنا وعلينا الدفاع عن الاسلام...تذكّري كم تعب رسولنا صلى الله عليه وسلّم في تبليغه الرسالة، وكم جاهد الصحابة والتابعون حتى وصلت إلينا كما هي الآن...أنتركها للكفرة يفعلون بها ما يريدون؟؟؟
لم يكتفوا ببثّ معتقدات مغلوطة في عقيدتنا وبمحاولة لتشويه صورة المسلمين أمام الناس ووصفهم بالارهابيين...بل وصلت بهم الدناءة إلى شخص رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، فقاموا إلى اختلاق صور كرتونية وضيعة نسبوها إليه ...
أنسكت يا سهى؟؟؟لا وألف لا...بل علينا مجابهتهم ...
قولي لي كيف سنواجه حبيبنا محمدا صلى الله عليه وسلم يوم القيامة ان تقاعسنا؟؟؟ماذا سنقول له؟؟؟ سكتنا؟؟؟خفنا على أنفسنا؟؟؟لا يا ابنتي الحبيبة، لم أربك على هذا...هذا عمل الضعفاء، ونحن أقوياء بدين محمد صلى الله عليه وسلّم.
سأحاربهم اليوم أكثر من أمس، سأكون لهم الشوكة التي تقف في زورهم، لن يرتاحوا ما دمت على قيد الحياة، لن أسكت حتى آخر رمق في عمري...وفعلا لم يسكت...آه يا أبي...ماذا سأفعل بعدك ؟؟؟ آآآآآآآآآآآآآآآآآه
بقي أبي الوحيد الذي يقف ويتكلّم ويحتجّ ،قال وقال، وحاور وناقش ،حاولوا اسكاته بالمال فرفض، رفض أن يبيع دينه وضميره،هددوه بالطرد والسجن ان لم يسكت،فحاربهم بأن نشر ما يفعلونه في الانترنت والفضائيات، وأوصل تجاوزاتهم وانتهاكاتهم لشخص الرسول صلى الله عليه وسلم إلى كل العالم ،فثار المسلمون وقاطعوا منتجاتهم وحورب اقتصادهم ،ومنيوا بخسائر مالية جسيمة جسيمة، فصبوا جام غضبهم عليه، لكنه لم يخف، وقف بوجههم وقفة أسد، وطالب برفع الظلم عن المسلمين هناك الذين لم يسلموا من انتقام الحكومة منهم، فهم من المسلمين وهم ممن قاطع المنتجات، وعمل والدي على جمع كلمة المسلمين هناك وساهم في عقد المؤتمرات لنصرة الرسول صلى الله عليه وسلم.
أتعرفين؟ كم هو عظيم والدي...عندما لم يقدروا عليه الانجاس قتلوه، أنا متأكدة انهم قتلوه، وصديق والدي جزم بذلك.
قاموا بدس السم له في الطعام واعلن الطبيب انه مات بعد ثلاث ساعات من شعوره بالتعب والسبب...تصوّري ما السبب...
قالوا سرطانا سريعا أصاب جسمه...أي سرطان يأتي ويقتل في ثلاث ساعات؟؟؟
الجبناء، حتى لا يملكون الشجاعة بالاعتراف بفعلتهم...
آه يا أبي...قتلوك ...أخرسوا صوتك؟؟؟
ان أخرسوه فهناك ألف صوت سيأتي بعدك...هناك صوتي الذي سأرفعه عاليا...هناك صوت أبنائي الذين سأربيهم على ما ربيتنا عليه...هناك صوت كل مسلم لن يرضى بالظلم والدنية لدينه..
آه يا أبي...آه وألف آه.
رب يا رحيم ارحمه وثبّته واحشره مع من حورب وقُتل لأجل نصرته في فردوسك الأعلى.
اللهم آمين.


سحر لبــان
(أهديها للشيخ الذي مات منذ أيّام في الدانمارك، وزعموا أنه مات من المرض/ ادعوا له بالرحمة والثبات)

 

سحر لبّان
  • مقالات
  • قصص
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط