اطبع هذه الصفحة


هذه بتلك

أ.سحر عبد القادر اللبان


صحوت فجرا وأنا أشعر بتوعّك وبحرارة مرتفعة، ارتديت ملابس العمل وتوجّهت إلى المصعد، دخلته وضغطت الزر الأرضي، وما ان استجاب للأوامر وبدأ بالنزول ، حتى شعرت بدوّار شديد، فعدت أدراجي إلى البيت، جلست قليلا على أمل أن أتحسن، فأعود لأكمل طريقي للمدرسة، لكن المرض كان قد سيطر علي، لذا قررت التغيب، واتصلت هاتفيا بالمديرة وأعلمتها بمرضي وتغيبي، فتمنت لي الشفاء العاجل.

أخذت الدواء ، وذهبت للنوم علني أستريح ويخف عني المرض، لكني لم أستطع، فالنوم جافاني، فعقلي وفكري كانا بعيدين عني، كانا هناك، مع طلبتي، اليوم هو يوم الثلاثاء، وغيابي في هذا اليوم يعني خسارة طلابي حصصا لا يمكن لي تعويضها، يا ربي ماذا أفعل؟

كم أنتظر يوم الثلاثاء على نار، فالمقرر طويل وضغط الساعات شديد...غيابي سيؤثر على المنهج وسأتأخر عنه، فما ذنب طلابي بمرضي؟ هم أمانة عندي وعلي أن أكون أمينة معهم، أعرف أني مريضة جدا، والتعب أنهكني، ولكن ألا يمكن أن أتعافى وأتنشط لو ذهبت إلى العمل؟ إذن، لا بد أن أقاوم المرض وأذهب للتدريس.

ما إن توصلت إلى هذا القرار حتى أسرعت بالخروج مجددا وأنا أقوي النفس، ركبت السيارة وانطلقت بها خارج المدينة حيث المدرسة التي أعمل فيها، إنها في مكان جبلي جميل، على تلة عالية تشرف على البحر و المطار من جهة، وعلى الجبل المكسو بأشجار الصنوبر والسنديان من جهة ثانية...ما أجمل موقعها، وما أسعدني بالعمل فيها، فالطبيعة تضفي على النفس راحة ونشاطا، وتبعدها عن زحمة المدينة وتلوثها، لكن العلة الوحيدة فيها أن مكانها بعيد، يستوجب قيادة لا تقل عن ساعة بين مرتفعات وعلى طرقات ملتوية ضيقة.
وصلت إلى المدرسة وقد بدأ النشاط والحماس يدبّا فيّ، ركنت السيارة وتوجهت إلى المدخل، ما إن رأتني المديرة حتى استغربت، وأجزلت لي الشكر والامتنان، وعفتني من حصص وتركت لي الحصص التي أتيت خصيصا لها.

مر النهار براحة، لم أشعر خلاله بالتعب، فالدواء ثمّ حماس الطلاب ونشاطهم أشعرني بالفرح، ونسيت مرضي، الذي لم أشعر بعودته إلا في الحصّة الأخيرة، وشعرت بالحرارة تعود إلى الارتفاع، هل عادت من جديد؟
أم انها لم تتركني وانشغلت أنا عنها بالتدريس؟؟تمنيت لو تنتهي الحصة الأخيرة بسرعة، فالطلاب في هذه الحصّة يكونون مزعجين، هم ايضا يشعرون بالتعب، ولا يريدون الانصات ولا الدرس، يارب، اجعل الدقائق تمر بسرعة، لأعود إلى البيت، وإلى الفراش الدافئ.

وأخيرا انتهت الحصة، وتوجهت إلى غرفة المعلمات لأخذ أغراضي والاسراع للعودة إلى البيت لأخلد للراحة، لملمت الكتب والحقيبة بعشوائية، ولشدة وطأة المرض علي سبقتني زميلاتي كلّهن، فكنت الأخيرة في الغرفة، حملت أغراضي وتوجّهت إلى الباب، وبينما كنت أدلف منه خارجة، لفت انتباهي كيس من النايلون مرميّ أمام سلّة المهملات، لم يكن رميه بالأمر المستغرب، لكن حركة في داخله جعلتني أمعن النظر، ما هذا؟؟؟ عنكبوت؟ نعم، إنّه عنكبوت، هو العنكبوت الذي أحضرته معلمة الدين اليوم لتشرح للطلاب عن السنة الهجرية، فغدا يصادف أول محرّم، وهو يوم عطلة عندنا..ولكن، لماذا تركته مرميا وخرجت؟
فكّرت في تركه وإكمال طريقي، لكن شيئا في داخلي أوقفني، صرخة في داخلي تحثّني على عدم السير وتركه وحيدا، سجينا، مرميا في كيس مغلق ،سيموت، نعم، لو بقي هنا سيموت، كيف أرضى على نفسي أن أمضي وأتركه وأنا أعرف ما الذي ينتظره؟ هل أرضى على نفسي نهاية كهذه النهاية؟؟
إذن، كيف سأرضاها له، لا بدّ أن أنقذه، عليّ ألا أخرج وأترك المدرسة قبل أن أعتقه من أسره، نعم أسره، ماذنبه؟؟؟كم - نحن بني الإنسان- قساة، بلا رحمة، نسخّره لمصالحنا ثمّ نرميه للموت، ماذا سيكلفني لو حملته معي إلى خارج المدرسة وأطلقت سراحه؟؟فالمدرسة وسط الحقول، نعم، عليّ أن آخذه معي إلى الخارج، وهناك سأفتح له الكيس وأعيد له الحرية، الحرية التي سرقناها منه.

حملت الكيس بيد مرتجفة، فأنا أخشى العناكب طوال عمري، ونظرت إليه، ولا أعرف لماذا شعرت به وكأنه يناشدني أن أنقذه، كأنه يقول لي: ارحميني واعتقيني من السجن الذي أنا فيه، أنقذيني واعلمي أن الله تعالى لا يضيع مثقال ذرة من خير، رحمتك لي قد تجني ثمارها، أنقذيني، وأعيديني للطبيعة التي أسرت منها.
مسكين أنت أيها العنكبوت الصغير، لكن لا، لن أتركك للموت مادمت قادرة على مساعدتك، ورغم خوفي منك إلا أني سأنقذك، عسى الله تعالى أن يرد عني السوء ويرحمني، وعسى مساعدتي لك تكون عتقا لي من النار، سأنقذك، فلا تبتئس وافرح بالحياة والطبيعة.

ركبت السيارة وقد شعرت بالارتياح والسعادة بعد مساعدتي لهذا العنكبوت الصغير، الذي ما ان فتحت له الكيس حتى انطلق خارجه، وأحسست بفرحته، فرحة من عادت له الحياة بعد أن شارف على فقدها، نظرت إلى الساعة، تأخرت وعلي أن أمضي قبل أن تزدحم الطرقات، فبيروت الصاخبة شوارعها المزدحمة مزعجة جدا، قرأت دعاء الركوب، ثم أدرت شريط أناشيد جميلة أحبها، قدت السيارة بروية، فالطريق كلها منحدرات ومنعطفات، ولكني قد اعتدت عليها من قبل، فكثيرا ما قطعتها ذهابا وإيابا أيام العمل، وصلت إلى مفرق طريق، كم أكره هذا المفرق بالذات، أشعر أن على الدولة أن تضع إشارة مرور أمامه، فهو مفرق طرق يليه منعطف خطير، نظرت أمامي فوجدت شاحنة قادمة، وبنظرة سريعة للخلف عبر المرآة أمامي تبين لي أن سيارات خلفي تنتظرني ، إذن علي أن أضغط قليلا على دواسة الوقود لأتجنب الشاحنة ولكي لا أجعل السيارات تنتظرني أكثر، لكن.......لكن....يا إلهي ماذا حصل؟ ما عدت استطعت السيطرة على السيارة، السيارة رفضت الوقوف، انعطفت بشكل مخيف وقفزت فوق الرصيف متوجهة بكل سرعة إلى الوادي...ولاحت أمامي الأشجار وأدركت أني ميّتة لا محالة...لحظات لا يمكن وصفها...رصيف ضيق، سيارة تطير في الهواء من السرعة، و....الوادي........
ولم أفق من اندهاشي إلا على أثر اصطدام السيارة بقوة بعمود كهرباء كان على الرصيف، وتوقفت على أثره السيارة، ماالذي حصل؟ لماذا لم أسقط في الوادي؟؟؟كيف استدارت السيارة وسارت على الرصيف؟ يا الله...

فتحت الباب ورميت نفسي خارجها خوفا من أن تشتعل أو تنفجر، فشعرت بدوار شديد جعلني اترنح وأكاد أسقط على الأرض، وإذ بزميلتي وبعض المارة يتحولقون حولي، وشعرت بيدي زميلتي تسنداني ، لقد كانت خلفي بسيارتها وشاهدت ما لم أشاهده، شاهدت سيارتي تستدير بشكل لا يصدق وتبتعد عن الهاوية بأعجوبة، وكأن هناك من أدراها، ورغم ذلك لم تعد إلى الطريق ثانية وتصطدم بسيارة ما، بل كان الاصطدام مع العمود، ومن لطف ربي بي، ورغم قوة الحادث وتضرر السيارة بشكل كبير، إلا أن إصابتي كانت قليلة مقارنة بالحادث، فقد خرجت منه برضوض في الجسم لا غير، وهذا كله من رحمة ربي ولطفه بي، والشيء الذي ما زلت أذكره وأتعجب له هو ما حصل معي عقب الحادث مباشرة، وقبيل خروجي من السيارة، كانت آلام في صدري وفي كامل جسدي تضغى على تفكيري، وتشل حواسي، إلا من شيء واحد كان مسيطرا علي حينها، صورة العنكبوت، نعم العنكبوت الذي أنقذته، لا أعرف كيف سيطر على أفكاري حينها، وكأنه يقول لي : " ألم اقل لك أنّ بانقاذك لي قد يردّ الله تعالى عنك السوء؟ كأنّه يقول لي هذه بتلك... "

 

سحر لبّان
  • مقالات
  • قصص
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط