اطبع هذه الصفحة


الخيرة في ما اختاره الله

أ.سحر عبد القادر اللبان


فتحت عيني صباحا ، وكعادتي صباح كل يوم أول ما أفعله هو النظر إلى روزنامتي التي أضعها على الحائط قرب سريري.

الحمد لله ، لم يبق الا شهر واحد وتأتي العطلة الصيفية، وهذا يعني أني سأعود إلى بلدي، إلى أهلي وأحبابي.

جلست في سريري لا أريد تركه، فاليوم هو السبت، ليس عندي عمل وغدا اجازة نهاية الأسبوع، وهذا يعني أنّ علي البقاء يومين أغالب فيهما الملل والضجر.

ماذا سأفعل اليوم؟؟ وعادت إلى مخيلتي أحداث أمس، والطالبة التي رفعت صوتها علي بوقاحة وقلة أدب، فقلت لها لو كان الضرب مسموحا لضربتك.

فردت علي بتعال بل لو كان مسموحا لضربتك أنا..

قلة أدبها مع الضغط الذي كنت أشعر به من جراء التحضير للامتحانات ، اضافة إلى الشعور بالغربة والوحدة والضجر ، كل هذا أشعرني بالتعب وبالتوتر والمرض.

مضى صباح السبت وأنا أشعر بآلام متفرقة في أرجاء جسمي، لا أعرف لها سببا، وما ان حان العصر حتى كنت قد اتخذت قرارا بالعودة النهائية لبلدي..

فرحت لهذا القرار وأسرعت بالاتصال بأهلي في بيروت لأعرف ردة فعلهم عليه، وأفرحني أني وجدتهم مرحبين للفكرة ومشجعين لها..

أخيرا ستنتهي مأساتي، وسأضع حدا لهذه الغربة التي أحكمت خناقها علي..

سأنتهي من تعليم طالبات تربين في مجتمع لا يحترم المعلم ولا الكبير..سأرتاح من جدران غرفتي الباردة..سأرتاح منك يا بريطانيا وسأعود إلى بلدي.

كان مدير الجامعة قد قرر تمديد اقامة العمل لي، وضع علي شروطا كثيرة رفضتها وارسلت له ألا تجدد..

وبدأت أحزم أمتعتي وأحضر أغراضي بانتظار ان ينتهي الشهر فأذهب ولا أعود.

بعد أيام وصلتني الاقامة وقد جددت لأربع سنوات رغم اني طالبت بعدم تجديدها، وأرسل مديري يقول انه ولأول مرة تجدد الدولة لأحد بالسرعة هذه.

قلت في قلبي مهما كانت الاغراءات لن أبقى..اتخذت قراري ولن أتراجع عنه..

وصارت أفكاري هناك في بلدي، أستيقظ وأنام وأنا أحلم بالعودة الى أحبابي ووطني، وصرت أتخيل نفسي هناك في شوارع بيروت، مرة في منطقة الكولا، وأخرى في الروشة..

وعشت على هذا الأمل، كنت في كل يوم يمر أنقص من الأيام يوما...

إلى أن بقي اثنا عشر يوما ويحين موعد سفري..

فتحت عيني وكالعادة نظرت الى الروزنامة، الحمد لله، لم يبق الا القليل..

اثنا عشر يوما وأعود اليك يا بلدي... اثناعشر يوما وأعود إلى أغلى الناس عندي..

كم أتمنى أن أغمض عيني وأفتحها وأجد أن الأيام عدت، ما أثقل الوقت وأبطأه على المنتظر...

لكن..علي التجمل بالصبر، صبرت سنتين ولن أغلب في صبر أيام معدودة...

هذا ما كنت أفكر فيه عندما قرعت زميلتي باب غرفتي صباحا لتقول لي ان زميلتنا السابقة والتي سافرت الى الامارات ارسلت رسالة عبر الجوال تقول لي أن قلبها معي..

لم قلبها معي؟؟ وماذا هناك؟؟؟

استغربت لرسالتها كثيرا، وخطر ببالي كل شيء وأي شيء الا امرا واحدا ما كنت لأتصوره أبدا ، وهو ما وجدته عبر موقع الجزيرة على الانترنت،

حيث كنت كعادتي قبل الذهاب الى العمل أتصفح الأخبار سريعا ...وهالني ما وجدت..

قصف جوي مباغت على مطار بيروت وعلى أغلب الجسور فيها..

مستحيل..لابد اني أحلم..غيرت الموقع..الى ثان وثالث، الأخبار نفسها.. ياربي ما الذي حصل؟؟

أيعقل أن تكون اسرائيل قررت أن تجتاح لبنان مجددا؟؟

مستحيل، فلبنان يعيش بسلام أكثر من عشر سنوات...لبنان الذي عادت الحياة تدب في أوصاله بعد الحرب الأهلية التي عانها.

لا بد أن هناك مبالغة من الاعلام..نعم نعم ، فالاعلام هذه وظيفته.

الأفضل أن أتصل بعائلتي واستطلع منها على الخبر.

اتصلت فورا بأهلي في بيروت وفي قلبي خوف ووجل من أن تكون الأخبار صحيحة..يارب اجعلهم يقولون لي ان الأمر مجرد غارة عابرة لا أكثر..نعم هذا ما سيقولونه، أنا أعرف أن لبنان ينعم بالأمن، وموسم السياحة فيه على أوجه، سأسمع ضحكات والدي وهو يقول لي يا جبانة، أنت دائما هكذا، تتوترين بسرعة وتضطربين..
انتظرت على الهاتف أسمعه يرن مناديا أن يلبي أحد ما النداء..لماذا التأخر؟ ألا تعرفون أني على أعصابي؟ وأخيرا أتى صوت والدي من بعيد..ماذا؟ أرجوك طمني..قل لي ان ما سمعته كذبا..قل لي ان لبنان لن يعود لدائرة الدم من جديد..أرجوك يا أبي..
لكنه لم يقل هذا كله...أخبرني أن الوضع خطير.. وان الغارات الاسرائيلية لم تتوقف طيلة الليل، وأن مطار بيروت أغلق.. والطرقات الى سوريا قصفت، والبحر حوصر...لبنان كله في حصار..لبنان كله شعلة نار...
كلماته وقعت علي كالصاعقة...مطار بيروت أغلق..مطار بيروت أغلق..آه ياربي..وأنا؟؟؟ماذا أفعل؟؟كيف سأصل إليهم؟؟؟لا يمكنني البقاء هنا وحدي..وأين سأبقى؟آه يا الله...الامتحان صعب علي..الا هذا...يا الله.

أيام تعاقبت والغارات والقصف مستمران يطاولان جسور لبنان، أصوات الغارات تهز العاصمة..الجنوب كتلة تحترق...الشمال يقصف، والضاحية الجنوبية تدمّر ، والناس في العراء.. وأهلي هناك.. أغلى ما عندي هناك.. بل كل ما عندي هناك..

وانهارت أعصابي، صرت لا أعرف كيف أتصرف، كل ربع ساعة أتصل ببيروت لأسمع أصواتهم، وأطمئن على أنهم مازالوا على قيد الحياة، وكثيرا ما كان يأتيني صوت صغيري يقول لي تعالي،تعالي بأي طريقة ، وصوت والدي يقول لي ابقي مكانك ، إياك والمخاطرة.. وصرت في دوامة وضياع... وماعدت أقوى على التدريس، شعرت أني كبرت عشرين عاما بل أكثر، وما عدت أستطيع جرّ نفسي، وجافاني النوم وعافت نفسي الطعام، فكرة واحدة بقيت تراودني:
أريد الذهاب إلى بلدي.. أريد أن أموت معهم، فما نفع حياتي بعدهم؟؟

وصارت الهواجس تنتابني وتصور لي أبشع الصور، وكلما شاهدت المجازر عبر التلفاز كلما ازددت انهيارا حتى شارفت على الجنون.

كنت أشعر وكأني محصورة في الزاوية، لا أملك أي خيار، الا البقاء ومتابعة الأحداث.

والتجأت إلى الله تعالى أطلب منه العون والصبر، وسلمت أمري إليه، واستودعته عائلتي وأهلي وصديقاتي وعالمي كله الذي لي هناك.

وكنت في سباق مع الأيام، ان لم تتوقف الحرب نهاية شهر تموز ويفتح المطار من جديد سأضطر لتجديد عقدي سنة أخرى..

وهذا يعني امضاء سنة ثالثة في هذا المعتقل...الا هذاااا...لا يمكنني أن أتصور أني سأبقى عاما آخر هنا، بعد كل ما حلمت و خططت..

وما عدت أعد الأيام ،بل أصبحت أخاف من ركضها.

وصار الجميع ينادونني وكالة رويتر لأني أتابع كل المستجدات وأصرف الوقت كله أمام شاشة التلفاز أقلبها من نشرة أخبار إلى أخرى، متأملة بجهود خارجية

تنقذ لبنان وتنقذ ماتبقى لي من الاجازة ومن الأمل..لكن ...أراد الله لي البقاء، فانتهى تموز قبل أن تنتهي الحرب، وقبل أن يفتح المطار، فكان لا بد من البقاء وتجديد العقد.. والحمد لله رب العالمين على كل حال.

شاء الله أن أبقى وشئت أن أذهب، ومشيئته سبحانه وتعالى فوق كل مشيئة..الحمد لله لك يا الله..الحمد لله حمدا كثيرا يوازي نعمك.

وبعد جهود عربية ودولية توقفت الحرب، وتنفست الصعداء..

الحمد لله أن الحرب انتهت ولم يصب أحبابي بأذى، ولو أني دفعت الثمن غاليا،

فقد حرمت من الذهاب اليهم وحرمت حتى من تمضية الاجازة معهم، لكن..الحمد لله أنهم بخير وهذا هو المهم.

أعرف أن الله تعالى اختار لي البقاء هنا سنة أخرى وأنا على يقين أن هذا في مصلحتي لأن الخيرة فيما اختاره الله تعالى.

(سحر لبـــّان)

 

سحر لبّان
  • مقالات
  • قصص
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط