اطبع هذه الصفحة


الحرب سجال

أ.سحر عبد القادر اللبان


جلست مع عائلتي أمام باب المنزل، هو أكثر الأماكن أمنا عندنا، هكذا قال والدي، بعد أن أعاد في حساباته موقع الغرف كلها، فغرف النوم مواجهة للضاحية، والصالة مكشوفة من الجبل، أما المطبخ فواجهته واسعة ولا عمارات حوله، اذن، أفضل مكان هو هذه الزاوية الصغيرة التي قرب الباب، انزوينا فيها جميعا والرعب خيم على الوجوه، أصوات الرصاص اختلطت بأصوات المدافع، صرخ أخي:" إنهم تحت العمارة، أكاد أجزم أنهم تحت"
ردت أمي بعفوية والرعب يغلف صوتها:" استر يارب...اقرؤوا يا أولاد آية الكرسي...لا تتوقفوا عن القراءة، فلن يحمينا إلا الله تعالى"
والدي وحده الذي ظل صامتا واجما غارقا في أفكاره، كنت أعرف بماذا يفكر، فكم من مرة كنت أسمعه يتكلم مع امي بصوت خافت كلما شاهد صورا عن مجازر في العراق:" لو فلتوا علينا هال..... لح يستحلوا حرماتنا، والله اني خايف على بناتي منهم"
آه يا والدي الحبيب، إني أشعر معك، ولكن..الله لن يتركنا، إني لأسأل الله تعالى أن نموت قبل أن تمتد يد نجسة إلينا.
وعاد الرصاص ليلعلع من جديد، ومعه سمعت أصوات صراخ، لا أعرف ممن، هل هم جيراننا؟ هل هي من جرحى في عمارتنا؟ أم أن الأنجاس أنفسهم هم مطلقوها؟
ورحت بذاكرتي إلى بداية المعركة..لا يمكنني أن أسميها معركة، فالمعركة تكون من طرفين، أما ما يحصل عندنا فهو من طرف واحد، فاسم معركة لا تليق به، ولا يمكنني أن أصفها إلا باعتداء واحتلال..
بدأ الأمر بشكل سلمي عفوي، رئيس نقابة العمال يطالب بإضراب بسبب الغلاء، ويصر عليه، وذلك رغم قرار رئيس الوزراء برفع الأجور مبلغا لا بأس به، إصرار رئيس نقابة العمال أذهل الجميع، كذلك تحذيره بعدم فتح المحال والمدارس، وإعلانه تحديد موعد ومكان لانطلاق مظاهرة سلمية كما قال..
رضخت البلد لقراره تفاديا للمواجهات، وأغلقت المدارس والمؤسسات الأبواب، وانكفأ الناس بالبيوت ينتظرون مضي هذا اليوم لاستئناف الأعمال من جديد.
في العاشرة من صباح الإضراب، وبينما كنا كلنا نائمين منتهزين فرصة الإضراب والبقاء في البيت لإشباع رغبة النوم لساعات متأخرة من النهار، سمعنا صوت جرس الباب يرن، فتحت أمي الباب لتتفاجأ بوالدي وقد عاد من عمله، فهو لم يضرب لأنّه يعمل ميكانيكيا ومرآبه تحت الأرض، لذلك، هو لم يتوقف يوما عن العمل، خرج صباحا كعادته إلى العمل، ولكنه عاد..كان الوجوم يظهر على وجهه، دخل البيت وهو يقول بطريقة حاول جاهدا ان يجعلها هادئة:" أغلقوا الطرقات بالإطارات والسواتر الترابية، أغلقوا المطار، هم هنا في المزرعة يستنكرون، هناك ما يقارب الخمسين رجلا، أين الأولاد؟ أكلهم في البيت؟"
قفزت من السرير وأنا أقول: كلنا هنا، كلنا نائمون.
مر النهار والحذر يشوب الأجواء، لا تصادمات الا تصادمات كلامية كان الجيش يقف بين المستنكرين من المعارضة وبين بعض أهالي المنطقة،كنا نستطيع رؤية المستنكرين الذين افترشوا الطريق من نافذة البيت، لم يكونوا مسلحين، لا بل قد يكون قد خيل لنا ذلك، لذا، لم نكن نستشعر الخطر الذي كان يحدق بنا، إلا والدي، الذي كان شديد الوجوم لا ينفك يسبح الله ويستغفر له.
كان يدعوننا إلى عدم الخروج إلى النوافذ والشرفات، ويطالبنا بالبقاء في الغرف، وكنا نطيعه إرضاء له، دون أن نعرف لمخاوفه أي مبرر.
وقبيل المساء أتت جارتنا أم عمر والقلق باد على وجهها، قالت إن المستنكرين تحت على الطريق منعوها من الذهاب إلى أهلها في منطقة الروشة حيث كانت تريد الذهاب إليهم هي وولديها والبقاء عندهم ظنا منها أن منطقتهم أكثر أمانا ولأنها بلا زوج، فزوجها كان قد سافر إلى اسعودية للعمل قبل شهر من اليوم، وكانت قد وعدته باللحاق به في الصيف فور إغلاق المدارس لأنها تعمل كمعلمة، أجلستها أمي وقدمت لها القهوة، وصارت تخفف عنها، وتطمئنها أن الوضع ليس مخيقفا بالشكل الذي تظنه، وأن الأمر لا بد سينحل قريبا، ولا داع لترك البيت وللانتقال، فنحن أيضا أهلها، والجيران كلهم يحبون بعضهم البعض رغم اختلاف طوائفهم، ففي عمارتنا يعيش شيعة ودروز وسنة ونصارى، والكل يعيش بأمان، نتعامل مع بعضنا بأدب واحترام، ونراعي حرمات بعض..
بقيت أمي تتكلم وتتكلم حتى عاد الاطمئنان إلى قلب أم عمر، فاستأذنت وعادت إلى بيتها.
حل الليل ولا من جديد، الطرقات بقيت مغلقة، والمستنكرون بقوا في الطرقات، الكل كان ينتظر كلمة رئيسهم نصر الله حيث صرح انه سيتكلم عصر اليوم الثاني، قال والدي: سيبقى الوضع على ما هو عليه حتى كلمته، ولنتأمل خيرا"
وصارت قنوات الأخبار تتنافس في نقل الأخبار، وتتفاوت في مصداقيتها، فهذه تقول غير ما تقوله تلك، ونحن ضائعون من نصدق ومن نكذب.
وجاء عصر يوم الخميس، واطل رئيسهم على شاشات القنوات كلها، صار يتكلم ويتكلم، يهدد ويتوعد ثم انهى كلامه بأن وعد ان سلاحه لن يكون للداخل أبدا، وأنه لن يحارب والأمور ستحل" هكذا قال، أو هكذا فهمت من قوله، وتنفست الصعداء، الأمور ستذهب للانشراح، وغدا سيكون عندنا عمل، علي أن أحضر لعمل الغد، هكذا كنت أفكر في الدقائق التي أعقبت كلمته، لكنها كانت دقائق قليلة سمعت بعدها الرصاص ينهمر بشدة كالمطر الغزير، صرخت أختي الصغيرة:"ما هذا؟"
رد والدي وهو يضمها إلى صدره:" لا تخافي، انه ابتهاج بكلمته، لا أحد يخرج إلى الشرفة، إني أخاف عليكم من رصاص طائش".
لكنه لم يكن ابتهاجا، فالرصاص ازداد حدة، ورافقته المدافع، وازداد بكاء أختي الصغيرة، وارتجاف أخي، وسمعنا قرع الباب يقرع بشدة، من الطارق يا ترى، نظرات تبادلتها أمي مع أبي، قال والدي ابقي مع البنات، سأذهب أنا لأرى من القادم، وكانت جارتنا أم عمر، دخلت وهي تجر ولديها اللذين لم يتجاوزا الثالثة من عمريهما، فهما توأمان رأتهما بعد زواج طال سنوات، دخلت وهي تقول بتلعثم:" جعفر ابن الجيران قرع علي الباب وصار يسب ويشتم ويتوعد بقتل عمر ابني، لا يمكنني البقاء هناك، لولا تدخل أمه وجذبه من عندي لكان قتلنا، ماذا فعلنا له؟ ماذا فعل هذا الطفل ابن الثالثة؟ ألأن اسمه عمر؟ أيعقل أن يكون كل هذا الحقد في قلبه؟ كيف كنا نعيش معا؟أرجوكم، أبقوني عندكم، لا يمكنني العودة إلى البيت، أرجوكم..."
أسرعت أمي إليها تضمها إلى صدرها وتخفف عنها ما هي فيه، وأسرعت وأحضرت لها كوب ماء لتشرب، كما أخذت أختي ولديها وأدخلتهما إلى الداخل.
واشتد القصف، فقرر والدي أن أفضل مكان لنا الآن هو ممر البيت، الممر الصغير الذي لا يتجاوز المتر بمتر، فرشت حصيرة عليه وتقوقعنا كلنا عليها، الا أبي، الذي بقي يجلس بعيدا عنا، ليفسح لجارتنا اخذ الراحة.كم أنت عظيم يا أبي وكم أنا أحبك.
مرت الساعات والقصف مستمر، لا يمكن لأحد أن يمد رأسه ليرى ماذا يحصل، وكثيرا ما كنت أسمع أصوات عويل وصراخ وبكاء يخلف المدافع، لكننا لم نتجرأ لنعلم ممن الصوت.
مرت ساعات الليل بطيئة كسلحفاة تزحف، وجافانا النوم، كيف لنا أن ننام وأصوات الرصاص والمدافع تعزف ألحان الموت، كيف لنا أن ننام ونحن ننتظر ما سيحصل بخوف وترقب، واقترب موعد الفجر وخفت الأصوات ومع بزوغ الشمس كانت الأصوات قد اختفت، ولم نعد نسمع شيئا، أتراهم تعبوا وناموا؟ أتمنى ذلك.
ومع الهدوء الحذر الذي غلف المكان استطعنا الخلود إلى النوم، ونامت عندنا ام عمر وولديها بعد أن وفرت لهم أمي مكانا مريحا، خلدنا جميعا للنوم ولشدة ما ضغطنا على أعصابنا منذ الصباح فقد كان نومنا عميقا جدا، وكنت أول من استيقظ منهم، أسرعت إلى النافذة لأرى ان كانت الحواجز قد أزيلت والطرقات قد فتحت ولأستكشف آثار قصف أمس، وما ان أخرجت رأسي من النافذة حتى فوجئت بصوت أجش مخيف يصرخ بي قائلا:" انقبري فوتي راسك ولي، وإلا شلته من محله"
كلماته أرعبتني بشدة، فأغلقت النافذة ودخلت الغرفة أرتجف من شدة الرعب، فتحت التلفاز لأعرف آخر الأخبار، وكانت المفاجأة، مفاجأة ما كنت أتصور أن تحصل أبدا..
القنوات كلها كتبت : سقوط بيروت بأيديهم...
وانفجرت بالبكاء، لم أستطع التماسك، فكان بكائي شديدا جدا ومرتفعا، استيقظ على صوته أغلب من في البيت
وركضت أمي إلي تستفسر ماذا حصل
كانت تسأل ان كنت سمعت خبر موت قريب أو صديق
لكن يا أمي الأمر أكبر من هذا
الأمر أهم وأجل
بيروت سقطت بأيديهم
بيروت انتهت
كيف؟ ومتى؟ أيعقل بليلة واحدة تسقط أم الصمود؟
ليلة واحدة من المقاومة ؟
كيف؟
سقوطها أعاد إلي ذكرى سقوط بغداد
دار الإفتاء صار بأيديهم
رئيسنا محاصر بقصره
والبلد مشلول وقد قطعت أوصاله بعضها عن بعض بسواتر ترابية
أمي..هل أنا في حلم؟ هل سقطت بيروت فعلا؟ هل أصبحنا تحت رحمتهم؟
كيف؟ أين المسلمون؟ لم لم نقاتل؟
كيف سلمنا؟ كيف؟ وماذا بعد ذلك؟
تفاجأ الجميع بالخبر كما تفاجأت وانفجرت أمي بالبكاء وساعدتها جارتنا ام عمر. وحده أبي بقي صامتا، لكن وجومه اشتد، ليته يبكي فيريح نفسه كما نفعل نحن، واقتربت اختي الصغيرة منه، شدت على رجله وقالت:" هل خسرنا يا أبي؟"
نظر إليها وأطال النظر، كلنا توقفنا ننتظر ماذا سيقول، مع أننا كنا نعرف انه لا بد سيعترف بحقيقة الأمر، فالأمر واضح وضوح الشمس، إلا أنه فاجأ الجميع حين قال:" لا يا حبيبتي، نحن لم نخسر الحرب، الحرب ما انتهت بعد، بل هي بدأت الآن، والحرب سجال".

 

سحر لبّان
  • مقالات
  • قصص
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط