اطبع هذه الصفحة


خاتمة : الفاتيكان والقرآن

الدكتورة زينب عبدالعزيز
أستاذة الحضارة الفرنسية


كان لا بد من تلخيص المقالات الثلاث ، المتعلقة بدراسة جذور كراهية الفاتيكان للقرآن الكريم من خلال محاور القرآن والأناجيل ، القرآن وتأليه يسوع ، القرآن وأهل الكتاب ، وذلك لكى تتضح الرؤية فى نظر القارئ بصورة متكاملة.

لم يحدث أن تم تحريف نص دينى منزّل مثلما قام اليهود والنصارى بتحريف نصوص التوراة والإنجيل. لذلك تم إعادة تنزيل  رسالة التوحيد لثالث وآخر مرة من خلال القرآن الكريم ليأتى بالإسلام ، ويعنى أن يسلّم الإنسان نفسه بكل ثقة وإطمئنان إلى الله سبحانه وتعالى. لكن رجال الكهنوت والمبشرين والمستشرقين وكل الذين اتبعوا خطواطهم تباروا لإلصاق تهمة الإرهاب بالإسلام فى محاولة مستميته لإقتلاعه من العالم.. وذلك ليس منذ أحداث المسرحية المصنوعة محليا بعنوان 9/11 ، وإنما منذ أن بدأ الإسلام ينتشر. وقاموا بتقديمه على أنه عدوانى النزعة وهرطقة لا بد من إقتلاعها، مع العمل على التلاعب فى تقديم الآيات وبترها أو عدم ذكرها من باب المغالطة. بل لقد قاموا بإنشاء معاهد ومؤسسات لدراسة القرآن وتمحيصه ، لا لفهمه أو لتطبيقه وإنما لتدارس كيفية  محوه  .. فهى حرب ممتدة تتواصل من القرن السابع الميلادى حتى يومنا هذا ، إعتمادا على كافة المجالات حتى الإنترنت !

ورغمها ، فإن القرآن والإسلام والمسلمين مازالوا باقون وسيزالوا موجودين بفضل إرادة الله عز وجل الذى خلقنا لنتعارف ونتبادل الخبرات ونتعاون على تطور الدنيا وتقدمها.

والقرآن الكريم لم يحرّض أبدا على إقتلاع الآخر ، حتى الكفرة ، ويقوم بالتفرقة بين ما يتعلق بالمؤمنين من أهل الكتاب والفاسقين منهم. فهو يحتوى على آيات تحث على معاملة أهل الكتاب بالتى هى أحسن ، وهى السمة التى يجب أن تتصدر العلاقة معهم فى معاملات الحياة اليومية ، نذكر منها :
"ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين" (النحل 125) ؛
* "ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتى هى أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنّا بالذى أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون" (العنكبوت  46).

وهنا لا بد من توضيح أن هذه الآيات الأخيرة يقول فيها الله عز وجل للمسلمين أن يقولوا لأهل الكتاب "إلهنا" أى ربنا نحن المسلمون ، الإله الحق خالق الكون ، وليس يسوع المسيح الذى تم تأليهه ، "إلهنا وإلهكم واحد" أى أن ربنا نحن وربكم واحد لأن يسوع النبى الذى تم تأليهه ليس بإله وإنما هو نبى من الأنبياء. وذلك لأن هذه الجزئية من الآية تحديدا قد تم استخدامها على عكس ما تقول فى أحد لقاءات الحوار بين الأديان التى إبتدعها وفرضها مجمع الفاتيكان الثانى ، زاعمين أن القرآن الكريم يقول ان إله المسيحيين ، أى يسوع ، هو إله المسلمين !!

لذلك نرى أن كل تلك البدع من تأليه يسوع ومقولة إبن الله وغيرها من الإنحرافات نجدها موجزة بكلها فى سورة الإخلاص التى تفنِّد كل هذه الخدع من تأليه يسوع وبنوته لله والثالوث ، وتؤكد على التصعيد المطلق لوحدوية الله سبحانه وتعالى . وهى سورة تمثّل فى نفس الوقت الجدار الذى لا يمكن إجتيازه أو الإلتفاف حوله الذى يفصل بين المسيحيين  والمسلمين :
* "قل هو الله أحد/ الله الصمد/ لم يلد ولم يولد/ ولم يكن له كفوا أحد" (الإخلاص  1ـ4).

وكذلك فإن القرآن الكريم يتضمن آيات مرتبطة بمضمون السورة ومن هنا لا يمكن أن يُطلق عليها أنها "آيات تحث على الشر وعلى الصراع" أو "على الإرهاب" كما يقولون ، بما أنها فى الواقع عبارة عن توجيهات للمسلمين عليهم أن يتبعونها فى حياتهم اليومية . فالقرآن الكريم لم يسمح للمسلمين أن يدافعوا عن أنفسهم ضد هجمات الوثنيين أو أهل الكتاب إلا بعد عشر سنوات مما كانوا يعانونه من اليهود والنصارى. وهنا لا بد من تحديد أن هذه الموافقة برد الإعتداء كانت مشروطة ومقننة ، كما فى الآيات التالية :
* "وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لايحب المعتدين / واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين / فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم / وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين" (البقرة  190ـ193).

وتظل الفرية الكبرى من جانب الكنيسة ، من الفاسقين من أهل الكتاب ، الذين يدّعون أن القرآن الكريم "يتهم" الكتاب المقدس بأنه محرف !! القرآن "يتهم" .. ولقد أوضحنا فى المقالات الثلاثة السابقة إلى أى درجة يُعد هذا "الإتهام" حقيقة واقعة ، بما أن كل ما يقوله القرآن عن التلاعب بالنصوص ليس مجرد إتهام وإنما هو منزّل من عند الله وكشف فيه ما تم فعله وما يفعلونه حتى يومنا هذا .. ولا يمكن أن يكون الكلام أكثر وضوحا وصدقا ، وليس "إتهاما" بما أنه قد ثبت من خلال كل الأعمال والأبحاث التى قام بها علماء مسيحيون أو ملاحدة أو حتى من رجال الكنيسة ، وأثبتوا فيها كل ما أتى به القرآن الكريم حتى من عبارات من قبيل تحريف وتبديل وإخفاء .. لذلك ليس من المبالغ فيه أن نقول كيدوا كما تشاؤن فانتم المسئولون عن أنفسكم أما الله سبحانه وتعالى :
* "...ولا تكسب كل نفسٍ إلا عليها ولا تزر وازرة وِزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فيُنبئكم بما كنتم فيه تختلفون" (الآية ، الأنعام  164) ؛

* "ولا تزرُ وازرة وِزر أخرى وإن تدعُ مثقلة إلى حِملها لا يُحمل منه شئ ولو كان ذا قربى ..."
(الآية، فاطر  18).

ولكى نلخّص مجمل المقالات الثلاثة السابقة من هذا البحث المتعلق بالفاتيكان والقرآن ، لكى نفهم جذور أو سبب تلك الكراهية المتأصلة فى النفوس ، نجد  :
أن القرآن الكريم كان أول من نبّه وأدان عمليات التحريف والتزييف التى تمت فى الكتاب المقدس بعهديه، باستخدام نفس الكلمات التى سيستخدمها العلماء والباحثون فيما بعد ، للإشارة إلى كل ما تم من تلاعب بالنصوص . وذلك فى مطلع القرن السابع الميلادى ، أى عندما كان من المحال إكتشاف أى تلاعب تقوم به الكنيسة لأنها كانت تستخدم سلطاتها الرادعة وتبرع فى إخفاء كل ما تقوم به من تحريف وتلاعب.. والقرآن الكريم يؤكد تحريف النصين المنزلين : التوراة والإنجيل ، ويرفض تماما بدعة تأليه يسوع التى هى سُبّة تتفطّر منها السماوات وتنشق منها الأرض وتخر لها الجبال هدا ! والقرآن الكريم يثبت أن يسوع نبى من الأنبياء المكرمين ، بل إن إيمان المسلم لا يكمل إلا إذا آمن بيسوع النبى وبكل من سبقه من الأنبياء . والقرآن لا يضع اليهود والنصارى فى سلة  إدانة واحدة وإنما يفرّق بين المؤمنين والفاسقين منهم ، بين الذين زيّفوا وحرّفوا وبين الذين لا يشركون بالله عز وجل.

ولقد أعلن يسوع عن مجئ نبى من بعده يكمل رسالته أو يستكمل ما لم يتمكن هو من إتمامه . وهو نبى يوحى إليه المولى عز وجل بالسمع والإلهام ويقوم هو بتبليغ الرسالة بالكلمة ، التى هى القرآن الكريم. والفراقليط هذا الذى أعلن عنه يسوع عليه السلام هو سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام بكل تأكيد ، وهو ما يعرفه العلماء من أهل الكتاب لكنهم يخفون الحقيقة كفرا وحقدا .. لأن كل رسالة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام تلقاها وحيا وهو كان يبلّغها بالكلمة ، بالقول . وهو ما قاله يسوع النبى عليه السلام. إلا أن الكنيسة تصرّ على التحريف هنا أيضا وتقول أن المقصود به الروح القدس ، المواسى أو المعزّى ! والروح القدس بالنسبة للكنيسة هو أحد الأقانيم الثلاثة المكونة لربهم ، أو هو ثلث الثالوث . فكيف يمكن لجزء من هذا الرب الثلاثى وهو هنا الروح القدس ، أن يأتى ليكمل عمل الجزء الثانى من نفسه الرب الذى لم يتمكن يسوع/الرب الأقنوم الثالث من عمله ؟! أو بقول آخر كيف يمكن لجزء من هذا الثالوث أن يكون بحاجة إلى الإلهام من نفسه ؟! وهنا أيضا لا بد من إضافة أن لعبة الفراقليط هذا قائمة على خطأ فى ترجمة كلمة "باراكليت" و "بيريكليتوس"، مثل الكثير من الأخطاء والمتناقضات القائمة على أخطاء فى الترجمة من اليونانيو إلى اللاتينية أو باقى اللغات ..

وبما أن القرآن الكريم لا يمكن أن يتم تحريفه لأن الله وعد بحفظه ويؤكد إظهاره على كل الأديان بوضوح، فلا بد من أن نسأل هؤلاء الفسقة المتعصبين من أهل الكتاب : لماذا تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون ؟ لماذا تخلطون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون ؟ لماذا تصدّون من يؤمن بسبيل الله ؟ ولماذا تبغونها  عوجا وتصرّون على تضليل المسلمين وتنصيرهم وأنتم شهداء وتعلمون أنهم يتبعون الطريق المستقيم ؟! وفى واقع الأمر أنتم لا تضلون إلا أنفسكم وكل الأتباع الذين ينساقون لكم ، لأنه مكتوب أن كلمة الله راسخة ثابتة لانهائية :
* "... لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم" (الآية ، يونس  64) ؛
* "... ولا مبدّل لكلمات الله ..." (الآية ، الأنعام  34).

وفيما يلى آيتين توضحان بصورة شاعرية يمكن إدراكها بالعقل البشر ، توضح كيف يمكن لكلام الله عز وجل أن يكون لا نهائ وباق إلى الأزل :
* "قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربى  لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربى ولو جئنا بمثله مددا" (الكهف 109)  ؛
* "ولو أن ما فى الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم" (لقمان 27).

الآن وقد أدركنا سبب هذه الكراهية بوضوح وبالإثباتات ، نتوجه إلى كل هذه القوى ، قوى الشر التى ستجتمع فى سينودس الأساقفة ، الذى سينعقد فى شهر أكتوبر القادم لتخطيط كيفية تنصير العالم ، لنقول لهم :
ألم يحن الوقت لتضعوا حدا لهذا العداء الممتد وهذه الكراهية التى تغذونها بالتضليل ، وتدركوا أن المسألة ليست عداوة ولا منافسة ولكن إستمرار وتصويب منطقى لرسالة التوحيد ؟ لقد قمتم بالتحريف والتزييف والتلاعب والتغيير فى نصوص منزّلة ، وتواصلون عداءكم لإقتلاع القرآن والإسلم والمسلمين بدلا من فهم معنى كلام الله سبحانه وتعالى ..

ألم يحن الوقت بعد أربعة عشر قرنا من المذابح ومحاولات الإبادة والإقتلاع أن تنهوا هذه العداوة من جانبكم ؟ أليس أكثر إنسانية أن تجنّبوا البشرية ما تعدونه من مكائد لتنصير العالم وتنزعوا من صدوركم هذه الكراهية لتفهموا كلام الله وتتركوا الناس تعيش فى سلام ؟!

 13 اغسطس 2012

 
 

 

Conclusion : Vatican-Qur’ân



 

الدكتورة زينب
  • مقالات
  • كتب
  • أبحاث علمية
  • Français
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط