اطبع هذه الصفحة


القضاء الإطالى يدرس قضية يسوع !..

الدكتورة زينب عبدالعزيز
أستاذة الحضارة الفرنسية

 
أعلنت وكالة الأنباء الفرنسية، يوم 27 يناير 2006، أن القضاء الإيطالى قد أرجأ بحث القضية المرفوعة من القس الإيطالى السابق، لويجى كاتشيولى، ضد الكنيسة فى البلدة التى يقطن بها، ممثلة فى شخص إنريكو ريجى، القس المسؤل فى مقاطعة فيتربى شمال غرب مدينة روما، بتهمة ترويج معلومات خاطئة والتعسف فى استغلال سذاجة الشعب بنشر معلومات مزورة عن يسوع ، وإحلال شخصية بدلا عن شخصية أخرى..
كانت الجلسة مغلقة وممنوعة حتى على الصحافيين. و قد أعلن القاضى جايتانو ماوتونى، بعد ان استمع الى الخصمين ، انه سوف يخطرهما عن موعد الجلسة القادمة للمرافعة.

وكانت أولى خطوات هذه القضية قد بدأت فى 11 سبتمبر2000، حينما استند المدّعى إلى المادة 661 من القانون الجنائى الإيطالى، التى تنص على حماية المواطنين من عمليات النصب والتزوير!.. إلا ان المحكمة ظلت تراوغ و كاتشيولى يصرّ ويفنّد الأحاييل، ومن تأجيل لتأجيل ، إلى حجب الدعوى ووضعها فى الأرشيف ، مرة بحجة عدم الإختصاص ومرة لضيق الوقت وكثرة المصوغات ، وانتهى به الأمر الى التهديد بفضح الكنيسة بما لديه من معلومات إن لم تكف عن التدخل لإرجاء بداية الإجراءات القانونية.. وعلى ما يبدو ، إن تدارس القضية كان أهْوَن من نشر ما هدد به المدّعى! و فى 11 مايو 2004 حصل لويجى كاتشيولى على موافقة القضاء لبحث دعواه والبت فيها بناء على ما قدمه من وثائق.

وعلى الرغم من ان القضية لم تُبحث بعد، إلا ان لويجى كاتشيولى سعيد بأن القضاء لم يرفض الدعوى من أساسها أو لم يحفظها كالمعتاد، وانما أرجأها للدراسة والمرافعة.. ويؤكد كاتشيولى ، وهو القس السابق أى العالم ببواطن الأمور، ان يسوع كما تقدمه الكنيسة لا سند تاريخى له ، و ان ما تروج له هى شخصية مركّبة من تأليف آبائها القدامى ، و أن كل نصوصها وعقائدها نصوص غير منزّلة وغير حقيقية ومختلقة، أى أنه قد تم كتابتها عبر المجامع على مر التاريخ. وإن كانت هذه المعلومات قد باتت من المعلومات الدارجة بين العلماء والباحثين، فإن كاتشيولى يرى ان الشعب ، أينما كان ، من حقه ان يعرف الحقائق بعد قرابة الفى عام من التحريف والتعتيم وإستغلال جهل الشعوب بحقائق دينها.

وقد ضمّن وجهة نظره هذه بكل ما تمكن من جمعه من معطيات تاريخية فى كتاب بعنوان : " قصة خرافة يسوع" (La fable du Christ)، الصادر فى يناير 2001 ، وقدمه كوثيقة رسمية فى القضية ، وقدم معه موجزاً يطرح فيه بعض الأدلة على عدم وجود يسوع تاريخيا بالصورة التى تقدمه بها مؤسسة الكنيسة الكاثوليكية..

وفى واقع الأمر ليس هذا الموضوع بجديد ، إذ ان نفس الفكرة أخذت تتشكل أساسا منذ عصر التنوير ، عندما بدأ الأتباع يقرأون النصوص الإنجيلية.. إذ كانت الكنيسة طوال ما أُطلق عليه عصر الظلمات ، الذى امتد قرابة ألف عام ، تحرّم عليهم الإطلاع على الأناجيل، وكان على الأتباع أن يكتفوا بما يُقرأ لهم فى قداس الأحد. بل لقد كان من المحرّم عليهم الإحتفاظ بنسخة من الكتاب المقدس فى بيوتهم ! ومع بداية إنتشار االمطبعة وإتساع عملية القراءة ومقارنة التواريخ ومراجعة الترجمات ، تزايدت الإنتقادات بين العلماء ومنهم كنسيون كبار من أمثال الأب ريشار سيمون أو إرنست رينان ، الى جانب أهم رجال الفلاسفة آنذاك من أمثال فولتير وديدرو وغيرهما .

وقد استمر خط الصدام بين العلماء والباحثين من جهة ورجال الكنيسة من جهة أخرى، فى محاولة مستميتة لكشف التحريف أو لرأب الصدع ، إلا انه تواصل ممتداً ليطول معظم بلدان أوروبا ، و بلغ ذروته فيما عُرف بأزمة الأصولية والحداثة على مشارف القرن العشرين . وهى الأزمة التى طالب فيها العلماء الكنيسة بحذف كل ما لا يتمشى مع العلم والمنطق من نصوص الأناجيل ، من قبيل أن الأرض مسطحة أو أن عمر الإنسان على الأرض حوالى اربعة آلاف من السنين وما الى ذلك .. وهو ما أطلقوا عليه تحديث النصوص، فهاجت الكنيسة وصاحت معلنة فى مجمع ترانت ( 1545 – 1563 ) بأن نصوصها سليمة منزّلة ولا يمكن المساس بها لأن مؤلفها هو الله شخصيا ! وإن كانت قد تراجعت عن ذلك التحديد فى مجمع الفاتيكان الأول ( 1869- 1870 ) لتعلن ان الروح القدس هو الذى قد ألهم الحواريين .

وتزايدت الهاوية بصورة لافته للنظر حينما أثبت العلماء أن النصوص الحالية قد بدأت صياغتها فى النصف الثانى من القرن الميلادى الثانى واستقرت فى شكلها الحالى عندما قام البابا داماز فى القرن الرابع وطلب من القديس جيروم أن يجمع الأناجيل الموجودة – وكانت أكثر من خمسين إنجيلا ، وأن يعمل منها أربعة فقط هى المعروفة بشكلها الحالى. أما الأناجيل المحتجبة أو تلك التى إستبعدتها الكنيسة فقد بدأت صياغتها فى القرن الثالث الميلادى و حتى القرن السابع. ونطالع فى كتاب لوسيت فالنسى أن النصوص المعروفة منها مؤرخة من القرن التاسع إلى القرن الخامس عشر.

وتزايد الخلاف أو تزايدت الهاوية بين الكنيسة والعلم فى النصف الثانى من القرن العشرين ، عندما أصبحت هناك ثلاث مدارس بخطوطها المتباينة حول حقيقة تاريخية السيد المسيح عليه الصلاة والسلام: مدرسة تنكر وجود يسوع تاريخيا على الإطلاق ، ومدرسة تؤمن بأنه شخصية ركّبتها الكنيسة الأم من عدة شخصيات من الواقع ومن الأساطير السائدة آنذاك ، ومدرسة ثالثة تقول أن يسوع النبى شىء والمسيح هو شىء آخر ، بمعنى : أن يسوع الإنسان قد وُجد فعلا وعاش كأحد الأنبياء يعلّم ويعظ ويقوم بالمعجزات العلاجية وغيرها ، والمسيح هو تركيبة أسطورية تجمع بين كل الأساطير السائدة فى المنطقة كأوزوريس وأتيس و ميثرا، وقاموا بعمل مقارنات توضح تماما التماثل الشديد الوضوح بينهم.

بل وليس لويجى كاتشيولى أول قس يخلع رداء الكهنوت ويحاول كشف خبايا تلك المؤسسة العتيدة من كثرة ما رآه بداخلها من ابتعاد عن التعاليم الحقيقية ليسوع ، ولا أول قس ينتقد البذخ الإستفذازى الذى يغرق فيه كبار رموزها وكنائسها ، ولا أول قس ينتقد عمليات التبشير القهرية وإغراء الناس بالمقابل المادى والوعود البراقة .. لكنه كان أول قس فى التاريخ فعلا يتجرأ ويرفع دعوى قضائية يقاضى فيها المؤسسة الكنيسة ويطالبها في دعواه بالإعتراف بما قامت به من تحريف وتزوير سواء فى النصوص ، وهو ما يطلق عليه المعلومات غير الصادقة ، أو فى إحلالها شخصية مكان شخصية أخرى وفرضها على الأتباع ، وكلا الحالتين يعاقب عليهما القانون الجنائى الإيطالى!..

والملخص الذى عمله للفصل الثالث من كتابه ، يتناول فيه لويجى كاتشيولى المؤرخين القدامى المعاصرين ليسوع ، والصمت اللافت للنظرالذى يخيّم فى كتبهم حول يسوع. ومنهم المؤرخ بلين الكبير المتوفى سنة 79 ، والذى أمضى خمس سنوات من65 الى 70 فى فلسطين ، والمشهود له بتوخى الدقة فى كل ما يكتب ، بل لقد كتب عن جماعة الأسينيين، وكل ماكتبه عنها يطابق ما تم اكتشافه فى مخطوطات قمران بالبحر الميت ، ومع ذلك فلم يكتب كلمة عن يسوع ولا عن تلك الديانة التى تكونت من بعده.

كما يستشهد بالفيلسوف والكاتب سنيكا ، المعاصر للوقائع التى تتحدث عنها الأناجيل ومع ذلك فلم يذكر يسوع بكلمة ، كما لم يشر الى الأضطهادات التى تعرض لها المسيحيون ايام نيرون كما يقولون. خاصة وان سنيكا كان يعمل معلما للإمبراطور نيرون ، اى انه لا يمكنه ان يغفل أو أن يتغافل المسيحيين إن كانت جماعتهم قد تكونت فعلا فيما بين سنوات 50-60 كما يقولون. وقد حاول الكنسيون جعل سنيكا احد آباء الكنيسة ، واختلقوا مراسلات بينه وبين بولس الرسول ، تبين عدم مصداقيتها فيما بعد بحيث ان رجال الكنيسة انفسهم لم يعد بمقدورهم الدفاع عن صحتها ويتغافلون الإستشهاد بها.

ونفس الشىء بالنسبة للمؤرخ سيويتون الذى كتب حياة الإثنى عشر قيصرا، ولم يذكر سوى ثلاثة اسطر فقط قال فيها : " أنه قد تم طرد اليهود من روما سنة 41 م بقرار من الإمبراطور كلاوديوس لأنهم كانوا يثيرون القلائل بقيادة كرستوس Crestos " . و كلمة كرستوس هذه تعنى باللاتينية : الطيب او الأفضل. وكان قائدا للثوار فى سنة 39 – 40 م ايام كاليجولا، وهى الثورة التى أخمدها كلاوديوس حينما اصبح امبراطوراً سنة 41 م. وكان هؤلاء الثوار فى واقع الأمر عبارة عن جماعة من الأسينيين الثائرين ضد الحكم الإستعمارى الرومانى.

ويوضح كاتشولى فى هذا العرض الذى تناول فيه العديد من المؤرخين من أمثال بلوتارك ، وسلسوس ،وخاصة فيلون السكندرى الذى توفى سنة 50 م ، أى أنه كان معاصرا تماما لفترة حياة يسوع ، ولم يذكر كلمة فى كتاباته عن يسوع كما تقدمه الكنيسة ، وانما تحدث عن فلسفة اللوغوس (الكلمة) فى الفلسفة الأفلاطونية الحديثة ومفهومها السائد لدى جماعة الأسينيين الذين كانوا ينتظرون مسيحا يحقق العدالة على الأرض ..

وما يعجب له لويجى كاتشيولى أن فيلون السكندرى لم يشر الى المسيحية فى كتاباته ويرى انه إن كانت المسيحية منتشرة آنذاك ، كما تقول النصوص ، فكيف يمكنه ألا يتحدث عنها، بل وهل من المعقول أن يجهل مثل هذا المؤرخ المشهود له بالدقة ، بولس الرسول ، إن كانت الوقائع قد حدثت حقا أو فعلا كما ترد فى أعمال الرسل؟!

ولا يسع المجال هنا للدخول فى التفاصيل التاريخية التى أوردها حول تلك الفقرة الشهيرة ، المكونة من حوالى سبعة أسطر ، حول يسوع ، فى أعمال فلافيوس جوزيف ، وثبت بعد ذلك أنها إضافة محشورة بين جملتين متواصلتى المعنى عند حذف الفقرة المحشورة، وذلك فى مجمل أعماله التى تصل إلى أكثر من خمسين كتابا.. و يؤكد كاتشيولى، مثله مثل العديد من العلماء الذين تناولوا هذه الفقرة بالدراسة اللغوية والتاريخية ، أنه يستحيل أن يكتب فيلون السكندرى ،اليهودى المتعصب والذى ظل طوال حياته يفخر بيهوديته و ظل يردد فى الكثير من كتاباته سيادة عقيدته اليهودية على كل الديانات الأخرى السائدة آنذاك ، من المحال أن يقول "أن يسوع هو المسيح الحقيقى الذى كان اليهود ينتظرونه" وإلا لكان مسيحيا مثلهم !!

وعودة الى قضية كاتشيولى التى يقول فيها ان يسوع المسيح كما تقدمه الكنيسة لا سند تاريخى له ، ففى واقع الأمر ليس هو أول من يطرح بهذه الإفتراضات فى العصر الحديث ، فما أكثر الذين تناولوا هذه القضية وطرحوا أسانيد علمية لها ، ومنهم بروسبير ألفريك وكتابه المعنون : "من الإيمان إلى العقل ، الأصول الإجتماعية للمسيحية" و القس السابق جى فو وكتابه المعنون :"الأسطورة الخرافية ليسوع المسيح ، المسيح بلا يسوع" – وهو تقريبا نفس العنوان الذى اختاره كاتشيولى أو أول ثلاث كلمات منه . وكتاب القس توم هاربر المعنون : "المسيح الوثنى " ، وجيرالد ماسيه وكتابه : " يسوع التاريخى واسطورة المسيح" ، أو جون دومنيك كروسون : " يسوع التاريخى : قصة حياة فلاح يهودى " أو ألبرت شفايتسر وكتابه عن: " البحث عن يسوع التاريخى " ، و رجل القانون الأمريكى وكتابه عن : " التحريف فى المسيحية "..أو جيرار ميسادييه وكتابه : " الرجل الذى أصبح الله " !!

ولا يسع المجال هنا لسرد عناوين مئات المراجع التى تتناول نفس هذا الموضوع فى مختلف بلدان أوروبا وأمريكا، ففى فرنسا – على سبيل المثال تم طبع 1500 كتابا فى المجال الدينى سنة 2005 ، وهو ما يمثل تقريبا 3 بالمائة من الإنتاج العام فى مجال النشر، ومن البديهى أن هذا العدد ليس بكله معارض أو كاشف لتاريخ المؤسسة الكنسية ، ويكفى أن نورد نتيجة هذا الكمّ من الكتب و الأبحاث المعارضة و نلخصها فى عبارة لها مغزاها ، ومؤداها أنه قام عدد من العلماء بمواجهة البابا السابق ، يوحنا بولس الثانى ، بكل هذه الحقائق العلمية ومدى إنعكاسها على الأتباع ، فقال لهم بكل هدوء :

" إن المسيحية مسألة إيمان عند الأتباع ، وليست مسألة نصوص تاريخية " !!
والغريب فى الموضوع أو الجديد فى هذه القضية هو أنه بعد الإستماع إلى المحامين فى تلك الجلسة المغلقة ، فى 27 يناير الماضى ، قامت المحكمة بإبلاغ لويجى كاتشيولى بأنه قد تم حفظ القضية فى الأرشيف !!

وبذلك تكون كل محاولاته فى اللجوء إلى القضاء لإثبات وجهة نظره قد باءت بالفشل. إلا أنه لم ييأس ، و إيمانا منه بضرورة الدفاع عن وجهة نظره أو عن الحقيقة كما يقول ، أصر على مواصلة المحاولات.

وفى الثامن من مارس الحالى قام لويجى كاتشيولى بنشر تعليقه على قرار المحكمة بحجز القضية ، معلقا على كل نقطة صاغها القاضى ، ساخراً من التلاعب بالحيثيات والحجج التى تذرع بها لحجز القضية.. فمن ضمن ما صدر ببيان الحفظ : " أن التحقيقات غير ممكنة شكلا وموضوعا ، وأنه لا بد من إعتبار التحقق من الوجود التاريخى ليسوع المسيح لا معنى له بالنسبة للتحقيق لأن النتائج يمكنها أن تؤدى إلى تأكيدات يُختلف عليها وليست ذات فائدة فى تقييم الوقائع بصورة سليمة عند فحصها "

وقد إستند القاضى إلى ذريعة أخرى وهى أن القس المرفوع ضدة الدعوى لم يؤكد فى بيانه الصادر فى مارس-أبريل 2002 الوجود التاريخى ليسوع وإنما أقر بإنسانيته فحسب ، أى وجوده كإنسان. لذلك أصدر حكمه بأن " القضية لا يجب أن تتم ولابد من حفظها"

ويختتم كاتشيولى رده على مذكرة المحكمة التى قضت بحفظ القضية ، بأنه سوف يلجأ إلى القانون الدولى ويتقدم بقضيته إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ، فى مدينة ستراسبور ، وهى المحكمة التى يحق لكل إنسان لم يُنظر إلى قضيته بصورة عادلة أن يتقدم إليها بدعواه أملا فى الإنصاف. .

وأيا كانت النتيجة ، فهو لا يستبعد أى تدخّل من جانب الكنيسة الرومية لوقف القضية حتى فى المحكمة الدولية ، لذلك يؤكد قائلا : " أن الكنيسة سوف تخرج من هذه المعركة مهلهلة ومكسّرة العظام ، وهذا يكفينى ، وعنئذ سيمكننى ان أقول أننى لم أعش هباءً " !
وللموضوع بقية .. أو لعلها مفاجآت..

 

 الدكتورة زينب
  • مقالات
  • كتب
  • أبحاث علمية
  • Français
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط