اطبع هذه الصفحة


وثيقة أبو ظبي وجديد ما بعدها..

أ. د. زينب عبد العزيز
أستاذة الحضارة الفرنسية




أعرب البابا فرنسيس عن سعادته يوم 26/8/2019 لإنشاء "لجنة وثيقة أبو ظبي" حول الأخوة الإنسانية من أجل السلام العالمي والتعايش المشترك، التي تم توقيعها في فبراير الماضي في ابو ظبي، بين كلا من الفاتيكان برئاسة البابا فرنسيس، والأزهر برئاسة فضيلة الإمام الدكتور أحمد الطيب. وإنشاء لجنة متخصصة لتنفيذ ما تضمنته هذه الوثيقة من بنود تمس بالإسلام والمسلمين يكشف مدى أهميتها بالنسبة للفاتيكان.

كما أعرب البابا عن سعادته لإنشاء تلك "اللجنة العليا للوصول الى الأهداف الواردة في هذه الوثيقة"، موضحا بالتحديد: "ان كان بكل أسف دائما ما يحتل الشر والكراهية والفُرقة العناوين الرئيسية للأحداث، فهناك محيط من الخير مخفي في هذه الوثيقة ويزداد نمواً بالآمال من أجل الحوار والمعرفة المتبادلة، ومن أجل إمكانية بناء عالم من الأخوة والسلام مع كل رجال ونساء لهم الإرادة لتحقيق لذلك".. واستخدام كلمة "محيط" بدلا من "بحر"، والبحر ليس بحيّز صغير، يؤكد ما بها من خبايا وأهداف هامة بالنسبة لتلك المؤسسة الهادفة الى تنصير العالم مهما كلفها ذلك من وقت او من جهد.

كما وجه البابا شكره لدولة الإمارات العربية المتحدة للالتزام الواضح التي تبذله من أجل الأخوة الإنسانية، وتمني أن تتم مبادرات شبيهة في العالم أجمع.

و"وثيقة بيان أبو ظبي" سبق ان تناولتها حينها في مقال بعنوان "تأملات مريرة في وثيقة الإمارات"، أضيف اليها فقط أنها لا تزال تحارب من فرَق وجهات كنسية بشراسة لما يبدو فيها "من تنازلات من جانب البابا لمجرد انه قبل صياغة يُفهم منها ان الإسلام ديانة يمكن التعامل معها، أو أن يضعها بجانب المسيحية وكأنهما متماثلتان في الأهمية أو في القيمة"..
 
وأهم ما تجدر الإشارة اليه ان ما صدر آنذاك عن الوثيقة من جانب الفاتيكان، عند الإعلان عنها، كتب عليه باللون الأحمر: "وسائل الإعلام".. وهذا يعني ان هناك نص أو نصوص أخرى لا يجب ان يتم نشرها، مثلما حدث مع "وثيقة كامب ديفيد" وغيرها كثير.. لأن وثيقة أبو ظبي بها نصوص تم التعتيم عليها، خاصة ان زيارة البابا كانت بهدف "كتابة صفحة جديدة في تاريخ العلاقات بين الأديان، وأنه تم استبعاد أى بند أو عبارة مسيحية من النقاش الذي يعتمد أساسا على زعزعة الإسلام. فالمبادرة تبدو ناجمة عن الأزهر ومسلمو الشرق الأوسط والغرب، تضافرا مع الكنيسة الكاثوليكية وكاثوليك الشرق والغرب، وان الجميع قد تبني سياسة الحوار كطريق للتعاون المشترك.

والمعروف والثابت رسميا في النصوص التي نصت على الحوار ومعناه في مجمع الفاتيكان الثاني (1965) وإنشاء لجنة خاصة بالحوار بين الأديان، وأخرى لتنصير الشعوب، في نفس المجمع وأثناء انعقاده، والاثنتان تحت رئاسة البابا، معناه ان الحوار بين الأديان وتنصير العالم ليس مجرد قرار عابر قد يؤخذ به أو لا، وإنما هو قرار حتمي في نظر الفاتيكان.. كما ان الحوار يعني، في جميع النصوص الفاتيكانية، كسب الوقت الى ان تتم عملية التنصير..

ولو أخذنا في الاعتبار ان البابا چزويتي النشأة والمنبع والتكوين، لأدركنا فداحة الموقف إجمالا وفداحة النصوص التي لم يهتم بها المسلمون المختصون. فالچزويت هم أتباع "رهبانية يسوع" والمسمّيان واحد، إشارة الى كيان إرهابي التعصب يقود ويتلاعب بسياسة العالم منذ إنشائه من أربعة قرون. وهم من قاموا بتكوين فريق "المتنوّرون" (Illuminati)، وهم جماعة سرية تتخفي تحت أردية الرهبان، ومن أكثر الجماعات سرية وأكثرها تنظيما ونشاطا على وجه الأرض. بل هي الجماعة الوحيدة التي لديها سلطات سياسية خفية صارمة.

و"المتنورون" أو الچزويت قد استولوا على قيادة وتوجيه الكنيسة الكاثوليكية وعلى الماسونية لتنفيذ مشروعهم الأساس وهو "العمل الأكبر" أو "حجر الفلاسفة"، اعتمادا على آخر وأهم ما قاموا بتأسيسه وهو: النظام العالمي الجديد الذي يقود ذلك الزمن الأغبر الذي تعيش فيه الشعوب تحت سيطرة حفنة من أثرى الأثرياء، هي أسوأ من محاكم التفتيش في زمانها، وهي بمثابة جيش صارم لتنصير الشعوب باختراق الديانات الكبرى واجتذابها الى روما، عبر توحيد الكنائس، حين يكون اقتلاع دين كالإسلام من المستحيل.

واللافت للنظر ان رئيس هذه الرهبنة التي منها بابا الفاتيكان، يحمل لقب "الچنرال".. وقد وصفتهم إيلين بلاتافسكي قائلة: "كل جيوش الشيطان لم تفعل من الشر على الأرض قدر ما فعله الچزويت".. لذلك البسوها القميص الأبيض باقي حياتها..

والبابا فرانسيس، الچنرال أو القائد، هو من تولى قيادة صياغة وثيقة أبو ظبي، وهو الذي حدد شهر أكتوبر القادم (2019) شهرا تبشيريا تنصيريا إجباريا في جميع أنحاء العالم، وقد أسند هذه المهمة الى كافة الكنائس حتى المنشقة منها، وعددها 349 كنيسة، وبالتالي كافة الكنائس المحلية رجالا ونساء.. وقد تناولته في حينها تحت عنوان "الفاتيكان والتنصير بالهولوجراف".. وتحديد شهر أكتوبر يأتي بزعم الاحتفال بمرور ثمانمائة عام على زيارة القديس فرنسيس الأسيزي، الذي اتي الي مصر برفقة الحملة الصليبية الخامسة سنة 1219، والتقي السلطان المالك الحاكم لتنصيره..

والسؤال الذي يطرح نفسه منطقيا: ترى ما هو موقف الكنيسة المصرية من مخطط البابا المعلن رسميا في جميع أنحاء العالم: هل ستنساق وتنضم لما يرمي اليه البابا، القائد لعملية تنصير العالم، أم ستلتزم باحترام نظام الدولة المصرية ودينها الرسمي الإسلام، والمواطنة التي سيتم التلاعب بها، أم ستنجرف الى دمار يحركه الفاتيكان ولا يعرف مداه إلا الله سبحانه وتعالى.. ؟


زينب عبد العزيز
28 أغسطس 2019

 

الدكتورة زينب
  • مقالات
  • كتب
  • أبحاث علمية
  • Français
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط