اطبع هذه الصفحة


حربٌ علي حافة الاشتعال

أ. د. زينب عبد العزيز
أستاذة الحضارة الفرنسية

 


صورة واضحة كاشفة عما يدور حاليا في الكواليس، وفي العلن، وعلى ملء صفحات المواقع الكنسية والجرائد والمجلات العامة في الغرب.. وذلك حول الخطاب الذي أصدره البابا فرنسيس يوم 16/7/2021 من تلقاء نفسه، أي بلا مناسبة واضحة، لكنها تتكشف رغم الجميع، فهو يزلزل أرجاء الكنيسة في الغرب. بل ولا تزال المقالات المؤيدة، المعارضة أو المبرّرة، تتوالى بصخب. فالكنيسة الكاثوليكية في مأزق أمام الأتباع وأمام العالم ومن يتابع، بينما الطرف الآخر، الصهاينة، فالصمت صمت القبور: يتأمل مجريات الأحداث لينقض في اللحظة المناسبة..

إن الصورة بعاليه، المنشورة يوم 22/7/2021، تكشف عن مدي وحقيقة ذلك الصراع بين البابويين. إذ ان ما قام به البابا فرنسيس، وقد تناولته في المقال السابق، "يطيح ويلغي ما كان متبقيا من كنيسة الرب وبما قام به البابا السابق بنديكت 16"، على حد قول جزافييه سلتيللوس يوم 17/7/2010.

ويتعلق الموضوع، غير المعلن صراحة، بصلاة تم إدخالها قديما في الطقس الكاثوليكي أثناء صلاة الجمعة المقدس، في عبارة تقول: "لنصلي من أجل اليهود غير المؤمنين، لنصلي أيضا من أجل اليهود الخونة"، بمعني أن اليهود لا ينتمون إلى المسيحية.. "لنصلي أيضا من أجل اليهود المخادعون الخونة، لكي ينزع الرب سيدنا الغطاء الذي يغطي قلوبهم وأن يعترفوا هم أيضا بيسوع المسيح ربنا".. وهي عبارة تدخل قانونا في نطاق معاداة السامية، وهي مرادفة للخيانة وعدم الأمانة والمكر والغش والخداع.

وقد أدت هذه العبارات ألي صراعات واضحة منذ بداية القرن التاسع عشر، خارج وداخل الكنيسة الكاثوليكية. وبدأ النقاش رسميا من أجل إلغاء هذه العبارات أو تعديلها منذ العشرينات من القرن الماضي. وفي عام 1959 قام البابا يوحنا الثالث والعشرين بإلغائها. أي أنه قام بتعديل نص القداس الكنسي. وهو ما يكشف بوضوح عن مدي أو كيفية التلاعب في النصوص التي يعتبرونها منزّلة.

وانتقد المؤرخ يوليوس إسحاق ما أطلق عليه "تعاليم الاحتقار"، عبر قرون من التعليم الديني الذي أقنع المسيحيين بأن اليهود خونة ذوي طابع شيطاني، رابطا بين التصرفات المسيحية المعادية للسامية والنظام الهتلري. كما أشار إلى عبارات من قبيل: "الأحكام المسبقة المغرضة ضد اليهود، ومشاعر الريبة، والاحتقار، والمعاداة، والكراهية ضد اليهود، سواء كانوا ينتمون للديانة الإسرائيلية أو لعائلات اسرائيلية".
وبعد مجمع الفاتيكان الثاني (1965)، الذي خرج عن عقيدته المسيحية التي امتدت قرابة ألفا عام، وبرأ اليهود من دم المسيح، اختفت مثل هذه العبارات أو الأوصاف من الحوار العام مثلما اختفت من النصوص. إذ نطالع في نص قداس البابا بولس السادس، الصادر سنة 1970، تحويل العبارة السابقة، القائمة أصلا على أن اليهود قاموا بمحاكمة المسيح وحكموا عليه بالقتل، ألي: "لنصلي من أجل اليهود، الذين كلمهم الرب أولا: أن يتقدموا في حب اسمه ونحو الأمانة لعهده الجديد" (أي المسيحية). وهي عبارات تؤكد على اختيار إسرائيل كشعب الرب، وتوقفت الكنيسة عن مطالبتهم بالاعتراف بالمسيح. وبذلك فإن الكنيسة هي التي تتنازل وتتقبل العقيدة اليهودية..

أما النص الذي صاغه البابا بنديكت 16 سنة 2007، فهو يؤدي إلى سهولة استخدام النص الصادر سنة 1962 لإرضاء جمهور المسيحيين التقليديين المتمسكون بالنص القديم. وتم تعديل النص في طبعة 2008 وحُذفت منه كلمات "عماء اليهود"، و"ضلال اليهود". إلا أن الجملة التمهيدية تطالب بإنارة بصر اليهود للاعتراف بالمسيح "منقذ البشر"! أي إن الفكرة، رغم تغيير العبارات تأدبا، لا تزال تطالب بتحول اليهود إلى المسيحية. وكان النص يبدأ بعبارة:
« Oremus et pro perfidis Judaeis : Ut Deus et Dominus noster auferat velamen de cordibus eorum ut et ipsi agnoscant Jesum Christum Domium nostrum ».
ومهما تحايلت الكنيسة فإن عبارة perfidus في اللغة اللاتينية الكلاسيكية تعني "من يخل بوعده أو قسمه، الخائن، المزيف، وبلا عقيدة أو إيمان"..

والملاحظة الطريفة، أنه في كتاب القداس، النص اللاتيني ظل بلا تغيير، أما الترجمة الي اللغات الأوروبية المختلفة، فكانت تتغير وفقا للمتغيرات الكنسية السياسية. أما في كتاب القداس الذي أصدره الأسقف لوفڤر، الذي انشق عن الكنيسة أثناء مجمع الفاتيكان الثاني وقراره تبرئة اليهود من دم المسيح، وكوّن جماعة منشقة رسميا عن الفاتيكان، فنطالع في كتاب القداس الذي أصدره وبيع منه مائة ألف نسخة، وأعيد طبعه ثمانين مرة، فقد استخدم عبارة: "لنصلي أيضا من أجل اليهود محنثوا اليمين، أن ينزع ربنا الغطاء من على قلوبهم ويجعلهم يعترفون هم أيضا بربنا يسوع المسيح".

وبعد نص الصلاة نطالع نص الدعاء: "أيها الرب الخالد القدير، الذي لا يستبعد عن رحمته حتى اليهود محنثي اليمين، أستجب لصلواتنا التي نوجهها لك من أجل ذلك الشعب الأعمى: اجعلهم يروا نور حقيقتك، التي هي المسيح، حتى يُنزعوا من ظلماتهم. وبنفس يسوع المسيح، ربنا الذي يعيش ويحكم معك في اتحاد الروح القدس، الرب لقرون القرون، آمين".

فالموضوع برمته ومنذ انفصال الكنيسة عن اليهودية رسميا، في القرن الثاني، بدأ لعن اليهود واتهامهم بالعماء والغدر. وتم فرض هذا العداء وكل ما واكبه من جبروت طوال ألفا عام تقريبا، لفصل المسيحية الأولي عن اليهودية. فالمسيح يهودي، مختون في اليوم السابع وفقا للنصوص الكاثوليكية.. وتوالت القرون والأحداث، بدأً من هدم الرومان للمعبد سنة سبعين ومعها التوراة التي أعيدت كتابتها من الذاكرة بعد قرون، وطرد اليهود تماما من فلسطين فور هدم المعبد، وتتوالى الأحداث حتى المحرقة المزعومة، وخطاب وعد بلفور، الذي غرس الاحتلال في أرض فلسطين واقتلاع ملايين الفلسطينيين..

والباقي معروف، فهي أحداث معاصرة بكل ما بها من خدع وأكاذيب. ولتكتمل حلقات الحدوتة، أي قبل ما قام به البابا فرانسيس، كان مجمع ترانت، المنعقد في يوليو 1570، قد أعلن بوضوح: "أن الإنسانية بكلها مسؤولة عن صلب المسيح، وأن النصيب الأكبر يقع على المسيحيين". ولم يوجه هذا المجمع تهمة "قتلة الرب لليهود".. أي إن مجمع ترانت هو أول مجمع يحاول تبرئة اليهود من دم المسيح على استحياء، ثم فرضها مجمع الفاتيكان الثاني بجبروته سنة 1965.

ومن الواضح مما تقدم ومما أَقدم عليه البابا فرانسيس، ان الموضوع بكله عبارة عن خلاف عقائدي كنسي/يهودي، يعود إلى الخطوات الأولي للكنيسة وللمسيحية التي بدأت نسجها.. وذلك حين استولت على قصة أحد ثوار اليهود، واسمه سيد العدالة، لتجعل من نموذجه إلاها وتسيطرـ بواسطته ـ على العالم..

إلا أن أصحاب ذلك الثوري، سيد العدالة، قد اكتشفوا أحقيتهم فيه، وبدأوا يستردوه بعد أن تملكوا فعلا كل ما يسمح لهم بذلك. وهو ما أوضحته بالتفصيل وبالوثائق في كتاب: "المساومة الكبرى، من مخطوطات قمران إلى مجمع الفاتيكان الثاني".. وذلك لا يمنع احتمال ان تكون هذه الزوبعة قد فُرضت على الكنيسة مع محاولة تنفيذ هدم المسجد الأقصى وإقامة المعبد وفرض النظام العالمي الجديد: نظام سياسي واقتصادي وديني/يهودي واحد، وقد أفلت منهم الزمام بسبب "كورونا"..


زينب عبد العزيز
23 يوليو 2021

 

 
  • مقالات
  • كتب
  • أبحاث علمية
  • Français
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط