اطبع هذه الصفحة


رسالة الكنيسة، بل هويّتها، أن تقوم بالتبشير

أ. د. زينب عبد العزيز
أستاذة الحضارة الفرنسية

 


في الثالث من شهر أغسطس الحالي،3/8/2021، نشر البابا فرنسيس الفيديو الشهري التقليدي الذي يحدد فيه توجيهاته للأتباع بالنسبة لتصرفاتهم الكنسية الشهرية. ثم أضاف بوضوح: "أن كل مسيحي تقع عليه مهمة أن يكون مبشرا، وأن يدرك رغبة الرب بالنسبة لحياتنا اليومية. إن عملية الإصلاح التي تهدف إلى إقامة "الكنيسة العالمية"، تبدأ بالإصلاح الذاتي".. ثم طالب كل مسيحي أن يمارس المهمة المضفاه عليه وأن يقوم بتنفيذ مطلب الرب في حياته اليومية.

ومطلب الرب هذا هو أحد قرارات مجمع الفاتيكان الثاني (1965)، وقرارات هذا المجمع تحديدا لا نقاش ولا رجعة فيها، لأنها تهدف إلى إقامة "الكنيسة العالمية". أي تهدف إلى تنصير العالم. لذلك يطالب البابا أتباعه أن ينطلق كلا منهم من تجربته الشخصية، سواء أكانت تجربة ذاتية أو دينية أو خدمة يقوم بها، ويعتبرها مدخلا للتبشير. إذ ان كل مسيحي عليه أن يتوجه للآخر، والآخر دوما هو أحد المسلمين.. وذلك لتغيير بنية الكنيسة الكاثوليكية وتنصير العالم الحالي.

ثم يوضح البابا قائلا: "أن الكنيسة كانت دائما تعاني من المشاكل، وذلك لأنها حية، فالأموات فقط هم الذين ليس لديهم مشكل.. ليعاوننا الرب علي أن تتلقي الكنيسة بركة الروح القدس وأن يتم إصلاحها على ضوء الإنجيل". وقبل أن أواصل متابعة الخبر، أجدني أتساءل: تري أيّ إنجيل يقصد، فالأناجيل الرسمية أربعة كتبها كلا من متّي، ومرقص، ولوقا، ويوحنا. ولا أثر بينها لإنجيل المسيح الذي يقول عنه بولس، في أعمال الرسل، أنه كان يبشر به، بإنجيل يسوع. بينما تؤكد الكنيسة ان يسوع المسيح لم يكتب شيئا! فأيّ إنجيل يقصد البابا فرانسيس؟
كما أن هناك إنجيل برنابا، الذي كان أول من خرج مع بولس للتبشير، ثم اختلفا عقائديا، فانفصلا وسار كلا منهما في اتجاه. وإنجيل برنابا يؤكد على لسان المسيح ويبشر بمجيء سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام. غير أن الكنيسة استبعدت انجيل برنابا رسميا على الرغم من وجود نسخ في كنائس أخري وتمت دراستها وترجمتها..

وإشارة البابا إلي "أن الكنيسة كانت دائما تعاني من المشاكل"، قد تمر تحت أعين القارئ ولا يدركها أحد، هي إشارة الي المعركة القائمة حاليا بينه وبين جميع العاملين معه تقريبا، منذ أصدر خطابه يوم 16/7/2021 "من تلقاء نفسه"، أي بلا مناسبة واضحة، لكنها تتكشف رغم الجميع، فهو خطاب يزلزل أرجاء الكنيسة في الغرب، رغم عنوانه "حرّاس العقيدة". فالكنيسة الكاثوليكية في مأزق أمام الأتباع بل وأمام العالم وكل من يتابع الموضوع، بينما الطرف الآخر، المقصود من الخطاب، وهم الصهاينة، فالصمت من جانبهم صمت القبور: يتأملون، ويتابعون مجريات الأحداث، لينقضوا في اللحظة المناسبة..
وقد تكون خطتهم ان ينقضّوا على هدم المسجد الأقصى وتشييد معبدهم، وفي نفس الوقت ينقضّون على المسيحية بإظهار ما لديهم من مخطوطات قمران ويحطم كيان المسيحية بجرة قلم، أو بمعني أدق: بإظهار هذه المخطوطات وتدويل مضمونها..

والغريب أنها احتجاجات وتعليقات بل وإهانات ترتفع من داخل أعضاء هيئة الكنيسة، ومن المقربين للبابا، أو من خارج الكنيسة، من العلماء والصحافيين بل ومن الأتباع في تعليقاتهم، ومن العديد من أصدقائه: "من الواضح ان البابا فرانسيس يمارس سلطة مطلقة ومنفلتة، سلطة عشوائية بمعني الكلمة"! بل ولم أر على مدي متابعتي سنوات وعقود ممتدة على الإطلاق مثل هذه المعارضة الحادة الصارمة ضد البابا في الغرب، والتي من الغرابة الا يكون لها هنا أية أصداء.

وعلي الرغم من كل ما كالوه للبابا من انتقادات جارحة، فكثيرا منها إلى السب أقرب، ما من واحد من كل الذين كتبوا وانتقدوا وسبّوا البابا، بل ولا حتى البابا نفسه، لم يجرؤ أحدهم على الإشارة ولو من بعيد إلى سبب ذلك "الجُرم" الذي اقترفه البابا بخطابه وما هو الموضوع الأساس. فلا تصاغ عبارات هذه المعركة، التي لم تتوقف حتى الآن، إلا تحت مسمي "القداس القديم" الذي أمر البابا بإلغائه بكل صرامة، مستخدما عبارات من قبيل: "أنا آمر"، "أنا أفرض"، "أنا قررت".. وهنا لا بد من تناول موضوع هذا الشأن الذي ألغاه البابا فرانسيس لأن مصر على فوهة المدفع في مجال التنصير:
أوضحت في كثير مما كتبت، وخاصة حول مجمع الفاتيكان الثاني وقراراته، إن أهم ما قرره هو: تبرئة اليهود من دم المسيح؛ وتنصير العالم؛ وفرض المساهمة في عملية التنصير على كافة المسيحيين رجالا ونساءً، في العالم أجمع بكل فرقهم. وكانت الكنيسة تسب اليهود في كل قداس وتلعنهم على أنهم قتلة الرب، وبعد تبرئتهم في مجمع الفاتيكان الثاني حُذفت هذه الجزئية تحديدا، واحتفظ بها في نَص القداس اللاتيني بعبارات من قبيل: "لنصلي من أجل اليهود غير المؤمنين، لنصلي أيضا من أجل اليهود الخونة"، بمعني أن اليهود لا ينتمون إلى المسيحية.. "لنصلي أيضا من أجل اليهود المخادعون الخونة، لكي ينزع الرب سيدنا الغطاء الذي يغطي قلوبهم وأن يعترفوا هم أيضا بيسوع المسيح ربنا".. أو "لنصلي من أجل اليهود، الذين كلمهم الرب أولا: أن يتقدموا في حب اسمه ونحو الأمانة لعهده الجديد" (أي المسيحية). والعديد غيرها من العبارات اللاتينية التي تدعو وتطالب الرب أن يجعل اليهود يتحولون الي المسيحية..

وعادة ما أصبح القداس يقال باللغة الخاصة بكل بلد، إلا أن بعض العائلات كانت تطالب القس بقراءة النص اللاتيني القديم بكل ما به من سب وتجريح، وهو ما كان يتم في العديد من الكنائس. وتلك النصوص اللاتينية التي تسب اليهود وعماء بصرهم وعدم تقبلهم المسيح هي التي حذفها البابا فرنسيس بالأمر وبالقرار الصارم، ولم يجرؤ أي مخلوق من اللذين انتقدوا خطابه الصارم على ان يشير الي هذه العبارات بصريح العبارة احتراما وتملقا لليهود وخوفا على مصيره..

ومن الواضح ان البابا يقوم بمهمته، أو بلعبته، بوجهين: وجه للمسيحيين الكاثوليك في العالم، ومعهم ضمناً باقي الفرق المسيحية ال 350 المنشقين عقائديا؛ ووجه يتعامل به ويتلقى به الأوامر من الصهاينة لتنفيذ مطالبهم ومعاونتهم على اقتلاع المسيحية. فمن الواضح أيضا ووفقا لهذه الإحداث، ان الصهاينة يرتبون، ضمن ما يرتبون لقيادة مصير العالم علنا، أن يقتلعوا المسيحية لتسود الصهيونية سياسيا واقتصاديا ودينيا، فهم يمتلكون من وثائق قمران ما يسمح لهم بإغلاق ملف المسيحية في لحظات معدودة..
أما الإسلام، فله الله القادر على كل شيء..
له الله العلي العظيم، القادر على إيقاظ ضمائر أتباعه..


زينب عبد العزيز
5 أغسطس 2021

 

 
  • مقالات
  • كتب
  • أبحاث علمية
  • Français
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط