اطبع هذه الصفحة


وقاحة مرفوضة !.

الدكتورة زينب عبدالعزيز
أستاذة الحضارة الفرنسية


قام الحاضرون بالهتاف ضد شيمون بيريز أثناء إلقائه محاضرته فى جامعة أوكسفورد ، منذ بضعة أيام ، وأتهموه بانه قاتل ومجرم ، وبأنه يقوم بعملية قتل عرقى جماعية لشعب فلسطين فى قطاع غزة .. فما كان منه إلا أن أعرب بهدوء وقح عن عدم إستجابته لهذه الإحتجاجات قائلا :
" من حقنا أن نظل على قيد الحياة . ولسنا بحاجة إلى تصريح منكم بذلك " !!.

فأن يتفوّه أحد القتلة ، بالسليقة وبطول الممارسة ، بفضل سجل ممتد من الخبرة الفاضحة فى هذا المجال الإجرامى ، فلا غرابة فى ذلك ؛ وأن يلقى على مستمعيه بمثل هذا الرد ، ببرود ووقاحة ، فهذا أمر طبيعى ممن فى مثل وضعه وتاريخه .. بل وأن يترك عمدا متعمدا مليون ونصف فلسطيني 56 % منهم أطفال يموتون جوعا وألماً بصورة إجرامية ولا إنسانية ، فإن تاريخه السياسى الحافل بالإجرام يسمح بذلك ، إستمراراً لسلسلة ممتدة من الإغتيالات ، سواء بيده أو بأوامره ..

وأن يكون من حقه أن يظل على قيد الحياة ، هو أو أى إنسان آخر فى الدنيا ، فلا إعتراض على ذلك ، بما أن الحياة هبة من عند الله عز وجل ، ولا يحق لأحد التحكم فيها بأخذها أو منحها .. لكن ، ما يتناساه هذا البيريز هو أن "التصريح" الذى يعتمد عليه كأمر واقع ، والذى أنتزعه أسلافه منذ أكثر من مائة عام ، فهو تصريح مغتصب بالغدر والخديعة ، مثله مثل الأرض التى إنتزعها هو وحفنة من الصهاينة المتعصبين غدراً وقتلا ، من سكانها الأصليين ، من أصحاب الحق الذين يتم ذبحهم ببطء خسيس ، فهم ليسوا تحت الإحتلال فحسب وإنما تحت حصار مميت على مرأى ومسمع من الجميع !.

لكن ما لا يمكن قبوله ، باستثناء قلة معدودة من الأشخاص عبر العالم ، فهو ذلك الصمت الذى لا يمكن تصوره ، لا من قِبل المجتمع الدولى فحسب ، المغلوب على أمره والمكبّل فى الشمال كما فى الجنوب بالمشكلات المختلقة والقوانين المصاغة خصيصاً ليظل مربوطاً من عنقه ، ولكن ذلك الصمت الإجرامى لكافة المسؤلين والقيادات العليا لهذا المجتمع الدولى ، بكل مؤسساته ومنظماته ، الذين يرقبون معاً فى توافق تام عملية القتل العرقى الجماعى لشعبٍ بأسره دون أن تهتز لهم شائبة ، مكتفين ببضعة كلمات كالحة جرداء ، مطموسة من أى معنى أو هدف ، من قبيل نرفض.. ونحتج.. و نعترض.. ونشجب.. ويا له من تخاذل مقيت !.

ولا نذكر من بين هؤلاء سوى أمين عام هيئة الأمم المتحدة الذى خاطب إيهود أولمرت هاتفيا يوم الثلاثاء 18/11/2008 ، يستحثه ويستجديه لتسهيل حرية وصول شحنات الغذاء لسكان القطاع ، بعد ثلاثة أسابيع تقريبا من بداية ذلك الحصار الأخير ، لكنه إبتلع الرفض المهين وسكت فقام بالإتصال يتسبى ليفنى ، التى أجابته عن طريق مكتبها قائلة : " من يتصور أن الحال سيبقى عليه وهم يرشقوننا بالصواريخ مخطىء تماماً .. ان المجتمع الدولى يجب أن يكون أكثر حسماً فى توصيل صوته وفى تأثيره حيال هذه الهجمات " !.

ومن المحبط والدافع إلى الثورة والغضب رؤية هؤلاء المسؤلين وقد فَرض عليهم الصهاينة المهانة والذل وعدم الحيلة، كما فرضوا عليهم التواطؤ الفاضح فى هذه الجريمة اللا إنسانية التى ستظل عالقة برقابهم جميعا إلى يوم الدين !..

فما من أحد يجهل أن هؤلاء المسؤلين يواصلون الدور الفاضح لأسلافهم الذين نسجوا خديعة ذلك الكيان الصهيونى المحتل لأرض فلسطين ، بالخيانة وبالأكاذيب والتواطؤ والإغتيالات المتراصة .. لكن ذلك لا يمنع من أن نتساءل : كيف يمكن لهؤلاء القادة والمسؤلين ، الذين يتربعون على قمة التدرج الهرمى السياسى أو الإجتماعى الدولى ، بكل أو بمختلف مؤسساته ، أن يقبلوا أو يرتضوا لأنفسهم بأن يُهانوا أو يُستهزأ بهم وبتوسلاتهم ويصبحوا سخرية أمام ضمائرهم وأمام مواطنيهم بسبب ما تفرضه عليهم وقاحة ذلك الكيان الصهيونى ومواقفه المخزية ؟! هل إلى ذلك الحد فقدوا جميهم معنى الحق والعدالة والقانون والأمانة أو المساواة بحيث اختفت من ذاكرتهم ومن معاجمهم – ولا أذكر هنا الأمانة والشرف أو حتى عزّة النفس ؟!.

أن يتم قبول إقتلاع شعب بأسره من الوجود ومن على أرضه ، لمجرد أن يتم تنفيذ مؤامرة-تعويضية لما إقترفه الغرب جدلا من محرقة مشكوك فى كثير من تفاصيلها، فذلك عار لا يمكن قبوله لمن منحوا أنفسهم حق قيادة العالم ! وأن يقوموا بالتخفيف عن ضمائرهم وعن جريمة مشكوك فى أمرها كما يقول أمنائهم من المؤرخين ، وتم فرض الإيمان بها بالقانون وبالمنظمات العميلة ، بإقتراف جريمة أخرى حقيقية وواضحة المعالم والأبعاد ، فذلك موقف لا يمس إلا مصداقيتهم ويحملهم مسؤلية جريمة التواطؤ الفاحش ، فى حين أنه فى مقدورهم وبوسعهم وقف هذا القتل المتعمد الكاسح ، وبكل فاعلية ، بفرض إحترام سيادة القانون وأبجدية القواعد الإنسانية بأسرع ما يمكن ! فما أسهل أن يتم ردع ومحاصرة ذلك الكيان الصهيونى بوقف التعامل معه فورا وعلى كافة المستويات والأصعدة ، وأن يُفرض عليه إحترام القانون وإحترام حقوق أصحاب الحق وأصحاب الأرض !.

لذلك لا يسعنى إلا ضم صوتى إلى تلك الفئة الأمينة من الشرفاء، الذين تحركوا فرادى وجماعات من جميع أنحاء العالم، ليمدوا يد العون للفلسطينيين، وهم يدينون ذلك الجبروت وتلك الوقاحة العاتية ، لأصيح معهم : أوقفوا هذا القتل المتعمد لشعب لا ذنب ولا دخل له فيما تنسجون من مؤامرات مخزية ..

أوقفوا هذا الحصار الإجرامى فوراً ..

23/11/2008

 

الدكتورة زينب
  • مقالات
  • كتب
  • أبحاث علمية
  • Français
  • الصفحة الرئيسية
  • ملتقى الداعيات
  • للنساء فقط