اطبع هذه الصفحة


أبوي الرسول بين الجفري وعلماء الشافعية

أبو أمامة

 
المقدمة
ذكر اللازم لبيان فساد القول جادة مطروقة


من المقرر عند أهل العلم أن ذكر اللازم لبيان فساد القول وما يفضي إليه من المنكرات ، جادة مطروقة ، وعليها العمل ، وردود أهل العلم منذ القدم تقوم على هذا الأمر ، فيذكرون في ردودهم على من قال كلاماً باطلاً ما ينبني على هذا القول وما يؤدي إليه من اللوازم الفاسدة ؛ لأنه إذا فسد اللازم فسد الملزوم ، وقد يكون ذكر اللازم وفساده أوضح من إفساد الملزوم بمجرده . وأنا في موضوعي هذا سأذكر لازم قلة أدب الجفري وسوء ظنه مع المخالفين له في مسألة أبوي الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأن الطعن واللمز واللغمز في المخالفين هو في حقيقته طعن ولمز وغمز لمن قال به من العلماء من قبل ، ولو أن الجفري التزم بنصرة رأيه وعقيدته بالأدلة دون الطعن والإتهام في الدين لكان أولى .


فصلٌ
في ذكر بعض أقوال علماء الشافعية في المسألة


1/ الإمام النووي رحمه الله تعالى :
وقد بوب في شرحه لصحيح مسلم عند حديث " أبي وأباك في النار " بقوله " باب : بيان أن من مات على الكفر فهو في النار ، ولا تناله شفاعته ، ولا تنفعه قرابة المقربين " .
وقال في شرحه " وفيه أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو في النار ، وليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة ؛ فإن الدعوة كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم " انتهى .

وقال رحمه الله عند شرحه لحديث " استأذنت ربي أن أستنغفر لأمي فلم يأذن لي ، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي " .
قال " فيه جواز زيارة المشركين في الحياة وقبورهم بعد الوفاة ؛ لأنه إذا جازت زيارتهم بعد الوفاة ففي الحياة أولى ، وقد قال الله تعالى ( وصاحبهما في الدنيا معلروفا ) ، وفيه النهي عن الاستغفار للكفار ، قال القاضي عياض رحمه الله : سبب زيارته قبرها أنه قصد قوة الموعضة والذكرى بمشاهدة قبرها ؛ ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث : فزوروا القبور ؛ فإنها تذكركم باتلآخرة " انتهى .

وقال أيضاً رحمه الله " قوله : فبكى وأبكى من حوله ، قال القاضي : بكاؤه صلى الله عليه وسلم على ما فاتها من إدراك أيامه والإيمان به " انتهى .

2/ البيهقي :
قال في كتابه دلائل النبوة (1/192، 193) بعد تخريجه لحديث " أبي وأباك في النار " : (وكيف لا يكون أبواه وجدُّه بهذه الصفة في الآخرة ، وكانوا يعبدون الوثن حتى ماتوا ، ولم يدينوا دين عيسى ابن مريم عليه السلام " انتهى .
وقال أيضا في سننه(7: 190): " وأبواه كانا مشركين, بدليل ما أخبرنا.." ثم ساق حديث أنس " أبي وأباك في النار " .
وقال في الدلائل (1/192, 193) : " وكفرُهم لا يقدح في نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن أنكحة الكفار صحيحة ، ألا تراهم يسلمون مع زوجاتهم ، فلا يلزمهم تجديد العقد ، ولا مفارقتهن ؛ إذ كان مثله يجوز في الإسلام وبالله التوفيق " انتهى .

3/ ابن كثير :
قال في (سيرة الرسول وذكر أيامه.. ) : " وإخبارهصلى الله عليه وسلم عن أبويه وجده عبد المطلب بأنهم من أهل النار لا ينافي الحديث الوارد من طرق متعددة أن أهل الفترة والأطفال والمجانين والصم يمتحنون في العرصات يوم القيامة. لأنه سيكون منهم من يجيب، ومنهم من لا يجيب، فيكون هؤلاء-أي الذين أخبر عنهم النبي- من جملة من لا يجيب، فلا منافاة، ولله الحمد والمنة " انتهى .

وقدر رد على حديث أن الله أحياهم ثم آمنوا بأنه " حديث منكر "

وللزيادة أنظر تفسيره وكتابه البداية والنهاية .


فصلٌ
في ذكر بعض أقوال العلماء المجتهدين وغيرهم من أصحاب المذاهب.


1- الإمام مسلم:
حيث رواه في صحيحه وعنون عليه: باب بيان أن من مات على الكفر فهو في النار ولا تناله شفاعة ولا تنفعه قرابة المقربين.

2- أبو داود صاحب السنن:
حيث روى حديث أنس مع أحاديث أخرى وعنون عليها: باب في ذراري- أي أبناء- المشركين.

3- النسائي, :
حيث روى حديث الاستئذان(2032) - وهو:عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله ، فقال: ((استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي ، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي ، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت)) – وهو كما ترى بمعنى حديث أنس في أنه قد ثبت أن من أهل الجاهلية من هم ليسوا من أهل الفترة, وعنون عليه: باب زيارة قبر المشرك.

4- ابن ماجة:
حيث روى هو أيضا حديث الاستئذان(1572), وعنون عليه: باب ما جاء في زيارة قبور المشركين.

5- ابن الجوزي :
إذ قال في الموضوعات(1: 284) بعد أن ذكر حديثا باطلا موضوعا فيه أن الله أحيا أبوي النبي(ص) ليؤمنا به, قال: [هذا حديث موضوع لا يشك فيه, والذي وضعه قليل الفهم, عديم العلم, إذ لو كان له علم لعلم أن من مات كافرا لا ينفعه أن يؤمن بعد الرجعة, لا بل لو آمن بعد المعاينة, ويكفي في رد هذا الحديث قوله تعالى" فيمت وهو كافر", وقوله(ص).. وذكر ابن الجوزي حديث الاستئذان..].

6- القرافي :
قال في شرح تنقيح الفصول (ص297): «حكاية الخلاف في أنه عليه الصلاة والسلام كان متعبدا قبل نبوته بشرع من قبله يجب أن يكون مخصوصا بالفروع دون الأصول، فإن قواعد العقائد كان الناس في الجاهلية مكلفين بها إجماعا. ولذلك انعقد الإجماع على أن موتاهم في النار يعذبون على كفرهم ، ولولا التكليف لما عذبوا ، فهو عليه الصلاة والسلام متعبد بشرع من قبله -بفتح الباء -بمعنى مكلف لامرية فيه،إنما الخلاف في الفروع خاصة ، فعموم إطلاق العلماء مخصوص بالإجماع».

7- وقد بسط الكلام في عدم نجاة الوالدين العلامة إبراهيم الحلبي في رسالة مستقلة، وكذلك العلامة الحنفي الملاّ علي بن سلطان القارئ :
في "شرح الفقه الأكبر"، وفي رسالة مستقلة أسماها: "أدلة معتقد أبي حنيفة الأعظم في أبوي الرسول عليه الصلاة والسلام". وقد أثبت بذلك الكتاب تواتر الأدلة والأحاديث على صِحّة معنى هذا الحديث وعدم نجاة والدي الرسول –عليه أتمّ الصلاة والتسليم–. وقد نقل الإجماع على تلك القضية فقال في ص84: «وأما الإجماع فقد اتفق السلف والخلف من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وسائر المجتهدين على ذلك، من غير إظهار خلافٍ لما هُنالك. والخلاف من اللاحق لا يقدح في الإجماع السابق، سواء يكون من جنس المخالف أو صنف الموافق».
 

الخاتمة


وأخيرا لا بد أن يعلم أن المقصود من الموضوع هو لفت النظر للازم الطعن والاتهام في الدين وأن قول الجفري _ فيمن يقول بموت أبوي الرسول على الكفر _ " أن القوم بينهم وبين رسول الله شيء " و " أنهم يريدون نزع محبة محمد من قلوب العامة " ما هو إلا تدليس وتلبيس على العامة ، وأنه في الحقيقة متوجه لمن ذكرنا لو التزم به الجفري .
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين .

 

أرباب الطريقة
  • منوعات
  • من كلام الأئمة
  • كتب عن الصوفية
  • جولات مع الصوفية
  • شبهات وردود
  • صوتيات عن الصوفية
  • فرق الصوفية
  • شخصيات تحت المجهر
  • العائدون إلى العقيدة
  • الملل والنحل
  • الصفحة الرئيسية