اطبع هذه الصفحة


( عمر ) من بعد ( برجس ) .. وما زال الضحايا يتساقطون ،، " مأساة جديدة "

 

 
اعتدنا أن نتلقى يوميًّا تجاربًا وأحداثًا عايشناها أو مرَّ بها سوانا ..
بيد أن منها ما تختزله الذاكرة .. وتعجز - لو أرادت لفظه - أن تلفظَه ..
وهاهي ذاكرتي اليوم تضيف لسجلّها صفحةً جديدة ..
لكنها ربما تكون الصفحة الأكثر سوادًا .. الأعمق ألمًا ...

* * * * *
كغيري من الفتيات ..
اعتدت منذ نعومة أظفاري أن أسمع واحدة تلو الأخرى من تلك المآسي التي تشيب لها الرؤوس وتتفطر لها القلوب .. عن احتراق الزهر .. وتحطم الكأس ... و... "انتحـــار العفاف" ...
ثمة قصص أبكتني وآلمتني .. وأخرى ثمتلت لي أشباحًا ترهبني ..
إلا أنها كانت ( قصصًا تُروى ) ثم تُنســى ..
اليوم فقط .. نُحتَتْ قصةٌ في أعماقي .. وأظنها ستفعل ذات الأمر في أعماقكم ....

* * * * *

هاتفَتني صديقةٌ مخلصة اعتدتُ منها التواصل دون أن تنتظره مني ..
بدا لي صوتُها خامدًا على غير العادة .. وما لبثَت أن سألتني عن أحوالي ، ثم أخذت تحكي لي دون انتظار السؤال ...
وسأتركها تحدّثكم أيضًا ...

تقول :

كنت قبل يومين في مراجعة لمركز ( ح ) الطبي المعروف بالرياض ، سلمتُ موظفةَ الاستقبال ورقة الموعد ، وتوجهتُ لاستراحة النساء بانتظار السماح لي بمقابلة الطبيبة .. وحالما دخلت ؛ وقعت عيني على فتاة عشرينية تنتحب بمرارة .. مشيحة وجهها عن بقية النساء اللواتي تركزَتْ أنظارهن عليها دون أن يقلن شيئًا ، بدا الأمر غريبًا .. ومقلقًا ..
جلستُ على أريكةٍ مجاورةٍ بعض الشيء للفتاة .. تململتُ في مكاني بضع دقائق وأنا أختلس النظر لها .. تأملتُ عباءتها المخصرة على قوامها الممشوق .. وكفيها الحريريتين البيضاوين .. وأصغيتُ أكثر لبكائها المؤلم .. تعجبتُ حين لم أشعر من النساء المتواجدات اهتمامًا بقدر ما شعرت بالاستنكار .. واللامبالاة .. لم أحتمل .. اقتربتُ من الفتاة أكثر .. وضعت كفي على منكبها وسألتُها :
" عسى ما شرّ أختي ؟ "
لم تجبني .. لكن نحيبها خفَتَ شيئًا ما دون أن يتوقف .. ترددتُ قليلا قبل أن أعيدَ سؤالي ... وأقول :
" أختي هل تحتاجين مساعدة ؟ "
وهنا التفتت إليَّ دون أن ترفعَ رأسها .. قلتُ مشجّعة :
" ثقي بي "
رفعت عينيها النجلاوان إليَّ ببطء .. وتأملتني مليًّا .. ثم أمسكت بكفي وقالت :
" تعالي معي "
وهبت واقفة ..!
ارتبكتُ ولم أجِب .. لكنها كررت طلبها وهي تمشي بضع خطوات خارج الاستراحة .. تبعتُها وأنا في حيرةٍ من أمري ، إلى أن وصلنا قسم دورات المياه الخاصة بالنساء .. كلّ هذا وهي لازالت تنتحب .. لكنها حين جلسنا على الكراسي القريبة من الدورات - لتضمن بعدها عن الرجال - ارتفع نحيبها وهي تضرب رأسها بكفَّيها وتصيح بصوتٍ بُحَّ من البكاء :
" يارب أموت الحين .. يارب أموت الحين "
سرَتْ رعشة في جسدي وأنا أطلب منها أن تهدّئ نفسها دون فائدة ... فتركتها تخرج ما في صدرها بعض الوقت وقلبي يتفطر ألمًا على حالها .. وحالما هدأَتْ قليلاً قالت لي بصوت متقطّع :
" لو لم تكوني ترتدين عباءةً محتشمةً ما كنتُ لأثقَ بكِ أو أحكيَ لكِ شيئًا .. هل تظنين أنني راضيةٌ عن مظهري ؟ إني أحتقر نفسي وأزدريها وكلَّ مثيلاتي ممن أحلنا العباءةَ فتنةً وتبرجًا .. إني أغبطكِ أنتِ وكلّ من قبضن على الجمر ونبذن عباءاتِ الكتف وسمون عن التفاهات التي غرقنا نحن فيها "
وهنا غلبَتْها الدموع وعادت للنشيج .. في حين اغرورقَتْ عيناي واحتبسَتِ الحروف في حلقي دهشةً مما أسمع .. إذ لم أكن أظن أني سأقف مثل هذا الموقف يومًا !
ذكرتُها بالله ورجوتُها أن تحدّثني بأمرها .... صمتَتْ قليلاً .. ثم أخذت تحكي بحسرة :
" قبل عامٍ من الآن ، اتصل أحدهم بهاتفي المحمول وسأل عن اسمٍ ما .. فأجبتُه بأن الرقم خاطئ وأغلقتُ الخط .. وبعد لحظاتٍ عاود الاتصال فرددتُ عليه و فوجئتُ به يُبدي إعجابَه بصوتي .. أغلقتُ الهاتف بسرعةٍ دون أن أقول شيئًا .. وحين اتصل للمرة الثالثة لم أرد عليه وتركتُه يكرر الاتصال عدة مرات حتى توقف .. فظننته ملَّ أو يئس ، لكنه لم يلبث أن أغرق هاتفي بعشرات الرسائل الغرامية !.. في اليوم التالي جاءتني عدة مكالمات منه ولم أرد .. وهكذا حدث في اليوم الثالث .. دون أن تنقطع الرسائل .. ودون أن أُبقي منها شيئًا خشيةَ أن تراها أمي أو أحد إخوتي .. وعند النوم كنتُ أغلق الهاتف لئلاَّ يزعجني باتصالاتِه وليعلمَ أنه لا أمل فيّ ، لكنه لم ييأس أبدًا ..
قررت أن أوقفَه عند حده .. فرددتُ عليه وسألته عما يريده مني فقال :
" صوتكِ ساحر ولم أستطع مقاومته .. أنا لا أستحق قسوتكِ "
رددت عليه : " أنت تافه .. إن لم تكفّ عن هذه التصرفات فأقسم لك أني سأخبر والدي وإخوتي وسيعرفون اسمك وترى منهم ما لا تنساه ما حييت "
قال : " لكني أعرفكِ .. وأعرف اسمكِ واسم أبيكِ واسم امك ولقبكِ .. بل وأعرف عنوان منزلكم .. هل تريدينني أن أحضر الآن ؟؟ "
ارتعدَتْ فرائصي وصرختُ به :
" أنت كاذب وحقير "
قال : " ألستِ ( ر ) ووالدكِ ( فلان الفلاني ) وأمكِ من ( آل فلان ) ومنزلكم يقع في حي ( ... ) في شارع ( ... ) بالقرب من ( ... ) وشكله كذا وكذا ؟ "
وهنا لم أعد أصدّق ما أسمع وأخذتُ أصرخ :
" أنت قذر حقير .. كيف عرفتني ؟؟ وماذا تريد مني ؟؟ هل ستقذفني بهتانًا ؟؟ فلتفعل .. أنا لم أرتكب ما أخشى منه حتى لو افتريت علي .. لن تخيفَني "
ردَّ بهدوء : " ومن قال أني أريد أن أُلحق بك ضررًا أو أفتري عليك ؟!! .. لقد جمعتُ هذه المعلومات عنك لأنكِ تهمينني فقط "
قلت له وأنا أرتعد : " ومن أين لك بها ؟ "
قال : " أخذتُها من شاب من أقاربكم حدثني عن جمالك وفتنتك فأصرّيتُ أن أتعرف عليكِ "
صحتُ به : " والآن .. ماذا تريد مني ؟ "
قال : " لا شيء .. فقط لا تحرميني من سماع صوتك .. أرجوكِ "
ارتبكتُ ولم أقل شيئًا ..
فقال : " سأرسل لكِ صورتي عبر الجوال لترَي إن كانت وسامتي تليق بجمالك "
فقلت : " إياك أن تُرسِلها "
وأغلقتُ الخط .. والهاتف ...
وحالما فتحتُه في اليوم التالي وجدتُ صورةً مُرسَلة .. فوضعتُ يدي على شاشة الهاتف لأزيلَها قبل أن أراها لكن الإزالة لم تكن ممكنةً إلا عن طريق الانترنت .. فرأيتُ حين رأيتُها شابًا اجتمعت فيه الوسامة والجاذبية التي لا تخطئها عين !! "

وهنا أزاحت محدّثتي النقابَ عن وجهها فكأنما كشفَت عن البدر ليلةَ تمامه .. آيةٌ من آيات الله في خلقه .. جمالاً وفتنةً وسحرًا .. رغم شحوبه وتبلله بالدموع التي لم تجفّ لحظة ..
استعجلتُها بقولي : " ثم ماذا ؟؟؟ "
أخذتْ تمسح دموعها وهي تقول : " هاقد عرفتِ اسمي وعرفتِ أي عائلة أنتسب لها ( عائلة ثرية ومرموقة اجتماعيا ) .. والدي رجل أعمالٍ يقيم خارجَ البلاد أكثر من داخلها .. ووالدتي منشغلةٌ بزياراتها وصديقاتها .. وأنا فتاةٌ جامعيةٌ متفوقةٌ بل ( والأولى ) على دفعتي .. واسألي إن لم تصدّقي ! ، أخواتي صغيراتٌ ولَديَّ إخوةٌ مستقيمون .. أبواي ليسا متفلّتان دينيًّا أو مهملين لنا تمامًا .. لكنهما أهملا مراقبتنا في غمرة انشغالهما بالدّنيا ... وعوّضَانا - بئس التعويض - بسائقٍ يأخذنا حيث نريد ..وخادماتٍ يملأن البيت ويلبّين كل الطلبات .."

قلت : " إذن لمَ لم تخبري والدكِ أو أحد إخوتك بالأمر ؟؟ "
قالت : " لا أعلم .. خشيت أن يكون قد عرف عني أكثر مما قال فيرميني بما أنا منه براء "
ثم ارتفع نحيبها وهي تقول : " ليتني فعلت .. ليتني فعلت "

تركتُها تستردّ أنفاسها قليلا ثم تكمل حديثها :
" بعد عدة أيام بدأ صبري ينفذ .. وعزمتُ على المواجهة .. وما إن ظهر رقمه حتى رددت عليه وأسمعتُه أسوأ الكلمات ونعتّه بأحطّ النعوت حتى استهلكتُ ما في قاموسي منها ... ولم أسمع منه همسًا ! وحين صمتُّ .. قال :
" انتهيتِ ؟! "
لم أجب ... فقال :
" لكني ما زلت أحبك "
عندها .. ارتعش جسدي وشعرتُ بخجلٍ شديد مما تلفظتُ به .. وأغلقتُ الخط ... وبدأ قلبي يخفق .. !! وارتخت حبالي ........!

وهكذا .. أصبحتُ أحادثه بشكلٍ شبه يومي .. حتى تعلقتُ به .. ولم أعد أطيق ابتعاده .. بل أصبحتُ أهاتفه بنفسي كلما تأخر عن مهاتفتي .. ومضى على ذلك ستة أشهر تمكن فيها من امتلاك قلبي بعذوبة حديثه ورقة مشاعره التي غمرني بها ....
وبعد الأشهر الستة .. سألني إن كان والدي سيسافر هذا الشهر .. فأجبته بالإيجاب .. فقال :
" أريد أن أقابلك "
صُدمت .. ورددتُ عليه بالرفض القاطع .. لكنه أصرّ متعللاً بأن الأشهر الستة كافية لأمنحه الثقة والحبّ غير المشروط ... حرتُ ولم أدرِ ما أفعل وتملكني الخوف والقلق ... وتحت الإلحاح .. وسهولة الطريق !.. رضختُ لطلبه ..
كنت في أقصى حالات الخوف والتوتر .. طلبتُ من السائق أن يوصلَني إلى أحد الطّرق العامَّة المعروفة - حسب اتفاقي مع ( عمر ) - ثم طلبتُ منه العودة للبيت على أن يعود لي بعد ساعتين في المكان نفسه .. وهنا رأيتُ سيارته متوقفةً في مكانٍ غير بعيد .. فتسمرتُ في مكاني رهبة .. ولم أستطع التقدّم خطوة .. وفجأة .. رأيتُه ينزل من السيارة ويتوجه نحوي .. أخذتُ أرتعدُ بشدة كلما اقترب مني أكثر .. وحين وقف أمامي وشعر برعبي .. أخذ كفي بين كفيه ووضعها على صدره وهو يهمس :
" لا ينبغي أن تشعري بالخوف وأنتِ معي "
دَبَّ الاطمئنان في عروقي وسرتُ بجانبه حتى وصلنا السيارة ... تجوَّلْنا مدة ساعتين ثم أعادني للمكان الذي اتفقنا عليه متخفيًا عن سيارتنا .. ودعتُه وتوجهتُ حيث يقف السائق .. وعدتُ معه للمنزل ..
دخلتُ البيت وأنا مشدودة الأعصاب .. مترقبةً متوجّسة .. لكني تنفسْتُ الصعداء حين عرفْتُ أن أمي لم تعد بعد من زيارتِها .. وزالت من حينها تلك الرهبة التي تملكَتْني في الساعات السابقة .. وأيقنتُ أن الأمر ليس عسيرًا مثلما تصوّرت !!! وأني حشدتُ خوفًا في نفسي أكثر مما ينبغي !!
وهكذا .. أصبحت أخرج معه كل أسبوعين أو ثلاث أو شهر على الأكثر .. نتجول في الطرقات بالسيارة فقط ونتبادل أحاديث الهوى .. وحتى هذا الوقت لم أكن قد كشفتُ له عن وجهي بعد .. حتى طلب هو مني ذلك بعد عدة أشهر ففعلت وليتني لم أفعل .. رأيتُ نظراتِ الذهول ونظراتٍ أخرى لم أفهمها في عينيه .. وشعرتُ بعدها أنه حريص على الخروج معي أكثر من ذي قبل ..
ثم تطور الأمر وأصبحنا نرتاد المطاعم !! ونقضي وقتًا أطول !! وعندما كنت أعود للبيت متأخرة وتسألني أمي - متشككة - عن مكان قدومي .. أقول لها : " كنت عند صديقتي فلانة " وفي كل مرة أذكر لها اسمًا .. ثم أقول بثقة : " اتصلي بها واسأليها " فتطمئن أمي وتكتفي بذلك ! "

في هذه اللحظة مرت إحدى الممرضات بالقرب منا .. فأمسكَتْ مُحدّثتي عن الكلام وهي تداري شهقاتها ودموعها التي تُلين جلامد الصخر .. رغم علمها بأن الممرضة لن تفهم حديثَها .. شعرتُ حينها بحجم الندم والخجل والهوان المسيطر على كيانها .. وشعرتُ بغصةٍ في حلقي أبت إلا أن تسيل دموعًا حارةً من عينيّ ..

ثم عادت ( ر ) تقول :
" ستة أشهر أخرى انقضتْ على خروجي معه كلما سافر أبي وخرجَتْ أمي لحفلةٍ أو زيارةٍ دون أن يعلما شيئًا عن أمري .. لكنه قبل أربعةِ أيام أخذني إلى طريقٍ ناءٍ وموحِش .. استبدَّ بيَ الخوف وسألتُه :
" لِمَ تسلك هذا الطريق ؟ "
قال : " توجد استراحةٌ قريبةٌ من هنا .. سنقضي فيها بعض الوقت ثم أعيدكِ "
قلت : " أريد العودة الآن "
قال : " ستعجبكِ كثيرًا "
سيطر الفزع على مشاعري حين توقفَتِ السيارة أمام استراحةٍ راقيةٍ وكبيرةٍ جدًّا .. لم يكن أمامها سوى سيارتين ..
ترجَّل ( عمر ) من السيارة .. لكني لم أتحرَّك .. نظر إلي من نافذته وهو يقول :
" هيا .. سترين كيف هي أجمل بكثير من الداخل .. "
قلت له :
" أعدني إلى المنزل "
قال : " ستعودين بعد أن تتجولي فيها ونتناول عشاءنا سوية "
قلت : " إن لم تُعدني الآن سأهرب "
قال : " مجنونة .. سيُفتَضح أمرك ! "
كانت هذه الكلمة هي الطعنة التي قضَت على بقايا مُقاومتي .. فصمتّ وأطرقت رأسي ..
توجّه ناحية بابي .. وفتحَه .. اقترب مني وهو يقول :
" حياتي .. أنا لا أريد منك شيئًا سوى أن تكوني لي .. أنا لست كأولئك البهائم الذين يغرّرون بالفتاة حتى يسلبوها عفَّتَها ثم يُلقونَها ويتركونها وحيدةً تُصارع عارها .. أنا أحببتكِ ولن أسمح لأحدٍ أن يؤذيك فكيف أؤذيكِ أنا ؟ "
ثم وضع كفه على خدي وهو يقول : " هيا حبيبتي .. دعينا نستمتع الآن قبل أن يدركنا الوقت ..."

نزلتُ من السيارة بعد أن شعرت بشيءٍ من الاطمئنان .. لكني توقفتُ في منتصف الطريق .. وقلت له :
" توجد سيارتان هنا "
قال : " الاستراحة كبيرة جدًّا كما ترين وأنا ورفاقي استأجرنا جزءًا منها .. وهذه السيارتان لـ " شلّة " أخرى لا علاقة لها بنا "
دخلنا الاستراحة .. فهالني ما رأيت .. مساحاتٌ شاسعةٌ مغطاةٌ بالعشب الأخضر ومحاطةٌ بأروع ألوان الزهور .. وأشجارٌ مشذبةٌ بعنايةٍ تحيط بالحوائط المُضاءة بأناقة .. وبرك مياهٍ مذهلةٍ تنتشر هنا وهناك .. ومبانٍ غايةٌ في الفخامة .. ونوافيرٌ بتصاميمَ بديعةٍ تُضفي على المكان راحةً وعذوبة .. إلا أني لم أشعر بالراحة ..
توجَّه ( عمر ) نحو إحدى الغرف وأخرج مفتاحًا من جيبه وفتح به الباب ثم قال :
" تفضلي "
خفق قلبي بشدّة وقلت :
" أعطني المفتاح ! "
ارتسمَ الضّيق على ملامحه وقال :
" أنتِ لا تثقين بي ! "
قلت بإصرار : " أعطني المفتاح "
قال : " لك ذلك "
أخذتُ المفتاح ووضعتُه في حقيبتي ودخلتُ معه ..
كانت الغرفة أنيقةً وقليلةَ الأثاث .. جلستُ على أريكةٍ وثيرة .. ونظرتُ إلى ( عمر ) نظرةَ المحبّ لحبيبه ..
الآن .. استحال ذلك الشاب الوسيم شيطانًا مريدًا ....
فزعتُ من نظراتِه .. تراجعتُ للخلف وأنا أحتضن حقيبتي .. اقترب مني وهو يقول بصوتٍ كالفحيح :
" انزعي ثيابك "
صرختُ فزعًا وأخذتُ أبكي وأقول باستعطاف :
" عمر .. لن تفعل .. أنت لن تؤذيني "
ابتسم بسخرية وهو ينتزع الحقيبة من بين يدي ويخرج المفتاح ويُغلق الباب ويُلقي هاتفي المحمول على الأرض بعنف .. زاد صراخي واستعطافي له .. وزاد هو خبثًا وخسةً ودناءة .. اقترب مني وصاح في وجهي :
" كفي عن الصراخ .. لن يسمعك أحد هنا حتى لو بقيتِ تصرخين شهرًا كاملاً "
لم أعد أصدّق ما يحدث شعرتُ بالأرض من تحتي تدور .. أظلمتُ الدنيا في عينيّ .. أخذتُ يده أقبّلها وأبكي وأستجدي :
" عمر أنا أمامي مستقبلٌ أنا ولديَّ أهل طيّبو الذَّكر وإخوة وأخوات .. عمر أقبّل رأسك وقدميك دعني أعود للبيت .. لا تدمّر حياتي .. لا تضيّع شرفي .. عمر أنا منحتك الثقة لا تدمّرني .. "
كان ينظر إلي باشمئزاز .. ثم صفعَني بقوله :
" فتاةٌ تخرج مع شابّ .. ماذا تريد ؟؟!! "
ارتخيتُ من هولِ ما أسمع .. وأخذتُ أرتعش وأبكي بحسرة .. قال مُتوعّدًا :
" إن لم تستجيبي لي ستندمين ما حييتِ "
جثوتُ على ركبتي وزاد بكائي ونواحي .. لم أكن أتصوَّر أن يقابل منظري المؤلم ودموعي الحارة وشهقاتي العالية بتلك الوضاعة .. حين قال :
" في الغرف المجاورة يوجد شبابٌ آخرون .. لن يرفضوا مشاركتي في الوليمة إن لم تستسلمي لي "
لم أعد أحتمل المزيد .. زاغ بصري .. وشعرتُ باختناق شديد .. وغرقتُ في دموعي وأنا أدعو الله أن يغفر لي وأن يرحمني وينقذني .. فقد أيقنتُ أني أجني ثمرةَ ذنوبي وأن ساعة عقابي قد دنت .. وزاد تضرعي وابتهالي لله .. وذلك البهيمة ينظر إلي بخبثٍ ويبتسم بسخرية تقتلني وتعذبني ..
اقترب مني فنهضتُ بصعوبةٍ وفررتُ إلى إحدى الزوايا .. كان يتسلى بتعذيبي وهو يلاحقني من زاويةٍ إلى أخرى .. ليستنزِفَ بقايا قوتي وطاقتي ...
حتى انتهى كل شيء ....... "

وهنا ارتفع النحيبُ واختلطَتْ دموع محدّثتي بدموعي .. كانت ترتعشُ بعنفٍ وتتأوّه بحرقة ..
ضممتُها إلى صدري وأنا أسترجع وأحوقل .... كان بكاؤها مبحوحًا ينطق بحجم القهر والمأساة .. حتى بلَّلَتْ كتفي بدموعها وأذابت فؤادي بمرارة نحيبها ..

" لم أصدق .. ما حدث .... أخذت أصرخ كالمجنونة وأبكي كطفل مجروح .. وأين الجراح من جرحي ؟؟ وأين النواح من نواحي ؟؟ ألقى ثيابي على وجهي وقال باحتقار :
" ارتديها واتبعيني للسيارة "
لملمتُ القطع المتناثرة .. لكني لم أستطع لملمة عفافي وعزتي المراقة .. ركبتُ السيارة وأنا أنحني على ركبتيّ وأصرخ فيه بأبشع الألفاظ وأدعو عليه بكل لعنةٍ وغضبٍ وعذاب ..
وكان هو كالصخر لا يرد عليّ ولا يلتفت إليّ ..
حتى وصلتُ للبيت ..
فنزلت أجرّ أذيال عاري بقدمين لا تقويان على حملي .. بلغتُ غرفتي بصعوبة شديدة ..وأغلقتُ بابها وارتميتُ خلفَه أبكي وأدعو الله أن يغفر لي وأن ينتقم لي منه ..
وها قد مضَتْ أربعةُ أيامٍ لم ترقأ لي فيها دمعة ولم يغمض لي فيها جفن ولم أذق فيها طعامًا ولا شرابًا .. فكرتُ بالانتحار .. لكني لم أجرؤ .. دعوتُ الله أن يقبض روحي ويريحني من هذا العذاب الذي لا ينهيه إلا الموت ... اتصلتُ بذلك الحقير ألف مرةٍ لأطلب منه أن يقتلني أو يخبر أهلي بما حدث .. أريد أن أتخلص من هذا العذاب .. أريد الموت .. لكنه لليوم الرابع .. لم يفتح هاتفه .. ولا أظنه سيُفتَح .. "
ثم أخذَتْ تشدّ شعر رأسها وهي تصيح بصوتٍ مخنوق :
" أريد أن أموت .. يارب خذ روحي قبل أن يعرف أحد ما حدث لي "
ثم نهضَتْ واقفةً وأسندَتْ وجهها إلى الحائط وهي تنشج وترتعش ..

كفكفتُ دموعي واقتربتُ منها وأنا أقول : " ألم يشعر أهلك بشيء ؟؟ "
قالت : " ها أنا أتيتُ للطبيبة بعد إصرار أمي التي ملأها الخوف على حالتي دون أن تعرف شيئًا .. أتيتُ لـ " الكشف ".. رغم يقيني بأني قد فقدت أعز ما أملك .. لكني أعلل نفسي لئلا أهلك همًّا وغمًّا .. "

سألتُها بألم :
" ألم تسمعي مآسي من كنّ قبلك ..؟؟ ألا تعرفين قصص الضحايا مثلك ؟؟!! ألم تعتبري ؟؟؟ "
قالت من بين دموعها وشهقاتها :
" بلى .. سمعتُ وقرأت .. لم أكن لأتخيل نفسي في هذا الموقف أبدًا أبدًا .. لكنني خُدعتُ مثلما خُدعن .. خُدعنا بالكلام المعسول والمشاعر الزائفة والحبّ المُدَّعى " ولم تستطع أن تكمل ....
هتفْتُ : " لِمَ لا تبلغي هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؟؟ "
قالت : " فكرتُ بذلك لكنني أحجمْت .. أخشى أن يخبروا أبي كما سمعتُ في قصصٍ كثيرة "
اعترضتُ قائلة : " هذا غير صحيح .. "
قالت وهي تهزّ رأسَها : " لستُ قادرة على التفكير الآن .. سأقرّر فيما بعد "
قلت : " وماذا لو لو نشر ( قريبكم ) الحقير الأمر ووصل أهلك ؟ "
قالت بيأسٍ مرير : " لم يعد يهمّني شيء بعد أن فقدتُ كلَّ شيء .. لا شيء يخيفني سوى أن أظلَّ على قيد الحياة أيامًا أخرى وأن يكون أجلي بعيدًا "

كان موعد دخولنا على الطبيبة قد فات ...
نظرتُ إلى الساعة .. الوقت تأخر كثيرًا .. كنت مضطرة للخروج ..
اعتذرتُ منها بشدَّة .. قالت بأسى :
" لا بأس سأخرج أنا أيضًا وأعود للطبيبة مرة أخرى "
أطرقتُ وقلت : " أعانكِ الله "
شعرتُ برغبتها في قول شيءٍ ما .. نظرتُ إليها مشجّعة فقالت :
" هل أنت متزوجة ؟ "
قلت : " نعم "
قالت : " هذه نعمةٌ لن تستطيعي أداء شكرها .. لو كنتُ متزوجةً لما حدث لي ما حدث ولما استجبتُ له من البداية .. احمدي الله " وانخرطَتْ في البكاء ...

ضممتُها إلى صدري المحترق .. أوصيتُها بالتوبة والتقرّب إلى الله .. ودعوتُ لها بالستر والمغفرة ..
ثم خرجتُ وصدى نحيبها يصمّ سمعي ويفتّت قلبي .... "


تحشرج صوت صاحبتي وهي تقول :
" الآن .. أشعر أني أزحت بعض الحمل الذي أثقل كاهلي بعد أن أخبرتكِ بالقصة "
قلتُ لها : " أستأذنكِ بنشرها على صفحات الانترنت "
صمتَتْ قليلاً قبل أن تقول : " هذا واجبُكِ "

وودَّعَتْني ...
________________

بقلم أختكم : أمسية

 

قصص مؤثرة

  • قصص الرسول
  • قوافل العائدين
  • قصص نسائية
  • قصص منوعة
  • الحصاد المر
  • مذكرات ضابط أمن
  • كيف أسلموا
  • من آثار الدعاة
  • قصص الشهداء
  • الصفحة الرئيسية