اطبع هذه الصفحة


ومضى عام الحزن !! وقفة على أجداث الوالدين !! عليهما رحمة الله

علي بن سليمان القعيّد


بسم الله الرحمن الرحيم


رواية واقعية كتُبت بمداد من ألم على صفحة من فراق ودم قبل زمن أعيدها استجابة لطلب أعزاء وعسى الله تعالى أن يحرك بها قلبا ويسيل بها عينا ويظهر بها برا ويقطع بها عقوقا .
 

(( ومضى عام الحزن !! وقفة على أجداث الوالدين !! عليهما رحمة الله ))


قبل المداد وبعده ، لا نقول إلا ما يرضي ربنا سبحانه .

أوشك عام أن ينقضي على الفاجعة .. بل انقضى بأيام العيد غير السعيد !
وكأنها البارحة !
وللمرة الأولى أمسك القلم لأجره جراً ..
ليكتب ( نثراً ) بمداد من ألم !
على صفحةٍ من فراقٍ ودم !

أحقا رحلا جميعاً !!
أم هو خيال حقيقةٍ مرّة !
أبت ألا أن تصاحبنا أنفاسنا !

للمرة الأولى يكون العيد المنصرم لنا ـ نحن المحزونين ـ عيداً بلا فرح ! ـ سوى الفرح بإتمام نعمة الصيام والقيام ـ .
حتى لو صافحنا
وتجملنا
وابتسمنا
وهل يفرح ويسعد من أُصيبت مقاتله بفقد والديه معاً ! وفي شهرٍ واحد !
عبثاً نحاول الهرب من الألم الذي يعتصر الفؤاد كلما مرّت مناسبة جامعة كمناسبة العيد السعيد !

أصبحنا يوم فقدهما كباراً ، جاوز اصغرنا أشدّه !
ولكنّـا كنا ذاك اليوم العصيب صغاراً غابت عنهم أمهاتهم !
لم يكن نحيب ولابكاء !
ولا عويل ولا اعتراض على القضاء !

ولكن كان صمتاً يقطـّـع نياط الفؤاد !
وشريط حياة سعيدة مضت وكأنها حلم نهار !
فأثمرالصمت والفكر دمعاتٍ حــرّى في خلوةٍ مع الله !!

مرضا جميعاً
وماتا جميعاً
وكأنهما مع موعد مع الموت !
كموعدهما مع الزفاف !

وكانت الغالية الرؤوم الأسبق موتاً منتصف رمضان 1428 هـ
فعاجلناها التجهيز وكأننا بلا شعور ولا وعي !
وأشغلنا عن تذاكر مصابها : مرض الغالي الحنون !

حتى إذا حان أمر الله منتصف شوال 1428 هــ
وعاجلناه التجهيز والدفن !
ورجعنا إلى بيوتنا
فإذا هي لسيت هي البيوت !
وإلى أهلينا
فإذا نحن كالغرباء!
جاءت المصيبتان معاً !
وتفرغنا الآن لتذكر مصيبة الوالدة مع مصاب الوالد !

فكانت الفاجعة أوجع !
وعسى أن يكون الثواب أمتع !

عليهما رحمة الله ...

ماذا تنفع الآهات إن لم تلحقها الدعوات !
وماذا تفيد الدمعات إن لم تتبعها الصدقات !

كانا ملء السمع والبصر ..
الغالية في مصلاها ..
والغالي في مجلسه المفتوح صيفاً وشتاءً للأحباب والجيران !

كم هو شاق على العاقل أن يغلق بابان من أبواب الجنة في وجهه !! ومعاً !!
وبحمد الله : ما مرّ يوم إلا وجلسنا تحت أرجلهما ، عليهما نسلّـم ، وعنهما نسأل !
ولو استقبلنا ما استدبرنا لقضينا الليالي والأيام عندهما خدمةً وبرا ! فإذا قضيا ، وإلى الله مضيا ، التفتنا للأصحاب والخلاّن !

ماذا عسى ان يكتب ولد عن والديه !
أيخفاكم حقهما ومنزلتهما !
ولكأني أكتب بلسان كل بارٍ كريم ، فاعذروني !

مرض الغالي وأجريت له عملية كنا نحسبها ( سهلة ) أزالت وجعه ( مؤقتا )
ثم رجع ( مرضه ) كاشد ما يكون !
كنا ملازمين له ، وأصرّت الغالية على زيارته مع ما فيها من أمراض فاستجبنا ، فزارته وهي محمولة وتقول :
يا عسى ربك يشفيك ، ياعسى يومي قبل يومك !!

ثم مرضت الغالية وأصابتها ( الجلطة ) ولزمت عنايتها أشهراً !
فكان رحمه الله يزور متكئاً على عصاه ، ويزور ويزور ، ويقرأ ، ويدعو ، في مشاهد تعني لنا الكثير نحن الأبناء !!

فلما زاد مرضه ولزم البيت في رمضان 1428 هـ ، كان السؤال اليومي المعتاد : بشّروا عن أمكم !!
فما نزيد عاى أن نقول : ما شاء الله ! طيبة اليوم ! في محاولة يائسة لرفع النفسيات ودفع الآهات !!
فيقول : يا الله الخيرة ! ! !

مضت أيامها ( عليها رحمة الله ) في العناية صامتةً مستسلمة !
لا تزيد عند سماع آيات الله تعالى تتلى عليها على أن تشير بسبابتها وكأنها تقول :
( إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ) !

ولما حان أمر الله !!
فبا الله عليكم أي شعور يملأ القلب حينما أردنا إخبار الغالي بفقد غاليته !
وما ذا كان موقفه !!

عليهما رحمة الله ...

إيه يانار قد سكنت بأضلعي
إيه ياجمر قد حللتَ فؤادي
تسعون يوماً إذ أغالب ادمعي
حتى إذا قرّت سكبت عيوني
من نظرةٍ في زفرةٍ وكأنها
لهبَ الجحيم يزيد في غلياني
أماه يا قلباً أعيش به
بين الأنام وعدّتي قرآني
أفديك يا روحي بخالص مهجتي
أعطيك من عمري كذا خفقاني
أني أعلّل بالتلاقي أنفساً
هدّ الأسى فيها جميل معاني
لم يبق فيها غير راية حبها
لك ياكريم مقدّر الرحماتِ
يارب آمنا بأمرك إننا
لا تشتكي أبداً لغير إلاهِ
أرسل على أم تفطـّر قلبها
غيثَ الشفاء ورحمة الأبرار
واشدد على قلب تعنّى وابتغى
منك الجواب ببالغ السجداتِ

تسعون ليلةً أوتزيد كانت رحمها الله جليسةَ عنايتها
فلما آذن الله بفرجها
أسلمت روحها لمن هو أرحم بها من ولدها

في ليلة رمضانية روحانية إيمانية
بعد مسيرة من المرض نحسبها مكفّـرةً لتقصيرها
بالغةً بها أعلى الدرجات بفضل رب الأرض والسماوات
من مصلاها بعد قضت صلاتها ، وعقدت اناملها لتسبيح ربها ، إلى عنايتها إلى قبرها
الذي أسأل الله تعالى أن يكون روضةً من رياض الجنة .

ووالله إن في النفس وقائع كثيرة وخواطر عديدة أكبح القلم عن ذكرها احتساباً لأجرها
ومثلكم يعذر !

كنت أول من علم بأمرها
فسارعت إليها
وصعدت بلا استئذان
ودخلت العناية بقلب المكلوم المتوكل على الرحمان
فإذا الوجه يشعّ بالإيمان وطاعة الرحمان
وإذا البسمة على المحيا باديةً للعيان
وإذا لساني ينطق بالبيان : قد وفدتِ أماه على العزيز المنّــان
فاللهم ارحم امتك !

أحقاً رحلت !
وعن الدنيا ذهبت !
مشاعر متوقدة !
وعواطف ملتهبة !

تنظر للواحد منّـا يوم علم بالخبر فتجده كا الملهوف الذي تشك أنه أصابه شيء في نظره !
أو قل : عقله !
يفتح عينيه !
ويوقف رمشيه !
ولربما اتسع فمه !
محدقاً النظر إلى الأرض أو الجدار أو الأعلى أوفيمن أمامه من غير تركيز !
فتفجؤك دمعات غاليات من عيون ساهرات ! مجهَدات ! بالأجر والمثوبة طامعات
ولولا تثبيت الله ورحمته لحصل مالايتمناه كل محب .

ووالله لم أحمل همها فهي الغالية العابدة
وربي الرحيم الرحمان
بل الهم كل الهم في الغالي الحنون
حينما يعرف فقد غاليته !

بدأت بإخواني ، وكانوا خيرَ صابر
وبأخواتي ، وكنّ خير شاكر

اتفقنا على ضرورة إخبار الغالي !! فمن يجرؤ ؟!
دخلت عليه فإذا هو من المرض متعب !
ومن التعب مقعد !

دخلت عليه فإذا العم عنده
فأشرت إليه فخرج وشاورناه فأيـّد بعد أن عزّى ، ودعا بالرحمة في الآخرة والأولى .


وينكم ؟!!
هكذا نادى !
فدخلت ! فسأل : وشلون أمكم !
فسكت ُ !
فأعاد !
فقلت : والله اليوم تعبت واجد !
فقال : عسى الله يكتب له الخيرة !
فقلت : إي و الله يابوي : الله يكتب لها الخيرة ، وإن كان في موتها خيرة ورحمة فياهلا !

ووالله إنني أتكلم وكأن خنجراً يطعنني من كل جهةِ في قلبي !!
ثم قلت : يابوي !
قال : امك !! وش فيها !!
قلت : مات الرسل !! وكلنا على الدرب !! ولا أحد قاعد !! فهم الأمر وقطعاً كان يشعر بما حصل !
قال : إإإإإإإإإإإإيه !! الله يغفر لك يا أم عبدالله ، وعساك بألف حل !وربك أرحم ! ربك أرحم !

تنفست وجلست وتراكيت وأسندت رأسي على الجلسة وراي ، ودمعت العين ، وانكتم الصوت !
والغالي ( يعضّ ) شفته السفلى بأسنانه ( في منظر لا أنساه ما حييت ) وسالت دمعة ودمعة ودمعة !!
فقمت وناديت العم والإخوان الموجودين ، وسلّموا وعزّوا !!
وسكن ! أو هكذا ظننا !

وأول سؤال : متى الصلاة عليها ؟
وين فلان وفلان وفلان ؟!! على عادته يحب اجتماعنا حتى في هذه اللحظات العصيبة على كل ابن !!
قلنا : الليلة متأخرين ، وغدا نصلّي !
قال : معكم !!
قلنا : أنت معذور ، ولا تمشي على رجليك !!

ألقى رأسه على المخدة خلفه وقال : ...

يا الله ! إني داخل(ن) عليك !!
إنا لله وإنا إليه راجعون !
هكذا قال !

ضعفٌ للكريم ... افتقارٌ للحليم ... توكلٌ على الرحيم ..
وأبشر أبي فقد استندت على أعظم ركن ! ( الإيمان والرضى ) .

كلمات من قلب مكلوم خرجت بزفرات وآهات !
من جسد هدّه المرض ( وأي مرض ) !
واجتمع عليه فقد الغالية !!
عشرة خمسين سنة أو تزيد !!
أتراها تُــنسى ؟
أو تُــرمى ؟

عليكما رحمة الله !

كانت ليلةً لا كالليالي !
يوم تفقد : أمك ! روحك ! قلبك ! أولك ! وآخرك !!
ما أطولها من ليلة تنتظر فلق صبحها ! ولماذا ؟
لتهيل ( التراب ) على غاليتك !

ليلة الثامن عشر من رمضان المبارك 1428 هـ !
صمت وترقب !
دمع وأرق !
يا الله !
لطفك ! رحمتك ! تثبيتك !

نتسحر !
نمسك !
نصلي !
تضع رؤوسنا لنتظاهر بالنوم !
حتى إذا أيقنا : ألا نوم !
جلسنا !
ونظرنا !
وتذكرنا
فتارة نضحك !
وتارة نبكي !
وأخرى ندعو !
ورابعة نصمت !

تُــحمل إلى المقبرة !
وكأني بالكون قد حبس أنفاسه !
وأطرق برأسه !
منتظراً لحظات الفراق ( الدنيوي ) !
وما أصعبه ! على قلوبِ بارّة ! ونفوس ٍ كريمة !

يشارك في الغسل الأخوات !
وحسناً فعلن !
فقد خفف ذلك مصابهن لما رأينه من مبشرات !!

تُـحمل للجامع !
توضع بين يدي المسلمين !
وكدت ان أهمس في اذن الإمام الصديق : ان اسمح لي بالصلاة عليها !
لولا أنني رأيت جنازةً أخرى معها فتأخرت خشية أن أفردها رحمها الله بالدعاء وأنسى أخانا المسلم !

ما أسرعها من لحظات حتى وقفنا على شفير القبر !
فاستئذنت إخواني أن أنزل لألحدها !
فنزلت قبرها !
والعبرات المكتومة ملأت المحاجر !
والقلب قد وصل الحناجر !

إيه ياقبر ترفق !
وعلى االحبيبة أشفق !

نادوا بالدفن !
فو الله أنني لم أستطع أن أحثي التراب عليها !!!
في الأمس نمسح عن رجلها الغبار !!
واليوم نحثو على رأسها التراب !!
ولولا أنها سنة الله تعالى في الحياة ونهج الحبيب صلى الله عليه وسلم : ما فعلت !


أتموا الدفن وأنا على الشفير واقف !
وشريط الحياة السعيدة بوجودها أمام النظر يمر !
وأرفع يدي للدعاء بالثبات .. من رب عظيم كريم الأسماء والصفات .
وما افقت إلا على تعزية المعزّين !
لأنتظم مع الإخوة الأحباب لنتلقى التعازي في الغالية الرباب !
والشمس تؤذن بالغروب .. ليرتفع دعاء الداعين في وقت فضيل .. نطمع فيه بالإجابة .

رحمك الله يا أماه !
فوالله ما كنت إلا محبةً للخيرات !
مجانبةً للمنكرات !
ساعيةً في رضى رب الأرض والسماوات !

قالوا ، وقلن :
( يا سعدها ) !
كافّــة ٍ شرّها !
من مصلاها لقبرها !
صاحبة صدقة خفية !
لا تعرف إلا القرار في بيتها !
ولربما عددت عدّا خروجها في سنوات عمرها التي تجاوزت الستين !
عليها رحمة الله .

وأما الغالي فكان في مجلسه أثناء الدفن لا يستطيع مشياً !
وحيد همه !
أقبلنا إليه نهرول !
ليستقبلنا بقوله ..

إإيه ! دفنتوا أمكم !!
يا الله !
ما أشد وقع هذه الكلمة !!

كأننا بلا وعي !
كأنه حلم !
لا أراكم الله مكروها!

انشغلنا بالوالد ومرضه عن مصاب الوالدة !
عليهما رحمة الله .
كان همّـــنا : أن ينسى !
عسى الصحة أن تتحسن بتحسن نفسيته !


ولكن عبثاً نحاول !
كان كتوماً !
لا يريد أن نراه يتألم ! حتى لا نتألم !

بحثنا عن العلاج في كل مكان !
شعبي أو غير شعبي !
وكأننا في استنفار !

قرى الرس !
مدن القصيم !
الرياض !
الطائف !

محطاتُ بحث عن أمل مفقود !
ولا يكون إلا ما يريده الله سبحانه !

الاتصالات لا تتوقف !
والزيارات لا تنقطع !
كان أباً للجميع !

والد لأعمامي !
وأب للجيران !
وكبير العائلة هنا وفي مدن أخرى .
نعيش ــ ولا زلنا ــ في تقدير واحترام ومهابة بمجرد أن ننسب إليه فتتوالى الأنعام !

سمحاً في بيعه وتجارته !
سهلاً في شرائه !
كريماً في معاملته !
ذا رفق ولين !
سريع الدمعة !
واسع الصدر !
رحيماً بالأطفال ومن يعمل تحت يده !

ووالله ما خبرته يوماً رفع صوته عليّ !
فضلاً عن أن يمد يده !
إذا غاب أحد الإخوة سأل عنه !
وإن تأخر انشغل عليه !
لا يقر له قرار حتى يعلم أننا في سعادة !

عشنا كا الأغنياء بين أقراننا !
وكالملوك في حارتنا ما قبل 1400 هـ وبعدها !!
هل تلومونني أن أكتب عنه !!
هو أبي : وكفى !

زاد مرضه أواخر رمضان 1428 هـ !
لم يكن في خاطره أن نأذن بالعملية الخطيرة والتي على إثرها يفقد بعض أعضائه ! ونسبة النجاح فيها 20 % !!!
وكان يقول : اللي كاتبه الله يبي يصير !!
وكنا نسمع ونطيع خشية أن نكون سبباً في أذى ! وليفعل الله سبحانه ما يريد !

هلــّــت العشر الأواخر !! فتوجهنا للغني القادر !
وكان ما يريده سبحانه !!
كان عيداً بلا فرح 1428 هـ ! وهل يفرح من فقد أمه !! ويرى بعينه حالة والده المبكية !
من ضعف إلى ضعف !!

وللمرة الأولى يغلق في حياته مجلسه الخاص العامر في العيد وغيره والذي لا يشابهه أي مجلس !!
تطفأ أنواره !!
فلا يدخل إلا القليل تلو القليل لعيادته !!
وهو غائر الوجه ! ثقيل النفس !

ومن الغد : نقرر نقله للرياض ! خشية ما هو أشد !
فيحمله أبناؤه حملا في صورة لاتغيب عن البال !
ويركب معه محبوه من الأبناء البررة !
وأبقى في البيت عند الأخوات المباركات !

وفي التخصصي يرقد !
في وضع لا يسر الصديق !
أيام ذات معاناة جسمية ونفسية لا يتحملها إلا عظام الرجال !
وعظم الجزاء من عظم البلاء !!


لم يكن يدور بخلدنا جميعاً أن النهاية قريبه !
وبعد أيام معدودة سنفقد الساعد الأيمن بعد فقد الساعد الأيسر فنبقى معدمين إلا من رحمة الله تعالى !

اتصالات وسؤالات !
زيارات ومكالمات !
والوضع : لا يسر !

انتقل مرضه إلى رئتيه
واصاب تنفسه !
يتكلم بصعوبة ! ويتنفس من خرم إبرة !!

ويوم الجمعة المبارك 7/ 10 / 1428 هـ يذكره اخي البار به بسورة الكهف التي يحفظها
فيشرع في قراءتها حتى إذا أتم عشر آيات سكت !
فإذا بها آخر كلام الدنيا !!
ولم يتكلم بعدها !!
خاتمة حسنة ! خففت كثيراً من آلامنا !

أجهزة طبية !
تنفس واكسجين !
وكأن النهاية شارفت !

ويبقى على هذا الوضع ثلاثة أيام فقط !
وفجر الثلاثاء 11 / 10 / 1428 هــ
يحدث مالم يكن بالحسبان !!!!


كم هو شاق على إنسان أن يصله فقد حبيب عن طريق مكالمة جوال !!
فكيف إذا هذا العزيز هو : والدك !

كان فجراً لا ينـسى !
حينما انفجر الجوال باتصالات من الأخوين البارين المرافقين
ينقلان وبأسى : أن الوالد انتهى !!

طلبت منه إعادة الكلام مراراً !
ثم ساد الأسلاك صمت مخيف ظنّ كل واحد منا أن الاتصال انقطع !
ثم انقطع .

لأبقى في ذهول : أهكذا ببساطة !
ومن رحمة الله أن احرك اللسان بإنا لله وإنا إليه راجعون ، اللهم آجرنا في مصيبتنا واخلف لنا خيراً منها .

موقف تتمنى أن يبتعد عنك كثيراً ، ولا شك أن من عاش ملاقيه !
كانت صدمةً عنيفة ولولا تثبيت الله تعالى لنا لحصل ما لانحب !

لم اخبر أهل بيتي بالأمر وساروا إلى مدارسهم وأعمالهم !
وذهبت لعملي ــ مذهولاً ـ لاحظ كل زميل حبيب ما يدور في خاطري ، فالأحبة لبعض !
استئذنت بالخروج !
وعشرات الاتصالات الواردة وغير المستجاب لها تريد تأكيد الخبر !
وعجباً للخبر غير المفرح كيف ينتشر !

كانت وفاته رحمه الله سهلةً صامتة إلا من ذكر الله تعالى كما كان يتمنى !
مفاجئةً كما لا نتمنى !
فاز بمرافقته من فاز !
وحرم من رؤيته من حرم !
والعزاء في المحبة والدعاء والتفع بعد الموت !

وكم هو عسير أن ترافق جنازة والدك من الرياض إلى هنا !!
وهو الذي كان يحملك وها أنت تحمله !
وتفاجيء من يسألك في الطريق عن هذا المســجّــى والمغطّــى بقولك : والدي الميت !


لحظات عصيبة !
وساعات حرجة !
خففتها رحمة الله ولطفه ، ثم عشرات المحبين والأصحاب والمصيبة إذا كثر أهلها خفّ وقعها !


الساعة العاشرة صباحاً !
والجنازة في الطريق !
والإخوة والأخوات الأحباب في منزل الفقيد مجتمعون ، وعلى الصبر يتعاهدون ، ولرحمة الله يرجون !

أي قيمة لنا بعد فقدهما ؟
هكذا كنا نحدث أنفسنا !
والعاقل : يعذر .


صلاة العصر : موعد الصلاة عليه والدفن !
وفي الحادية عشرة صباحا ..

عليهما رحمة الله ...
كنا على موعد عند المقبرة !!
وكم هو عسير رؤية والدك وهو مسجّــى ممدود داخل السيارة لتحمله وإخوانك حيث التغسيل !!
بعدما وضعناه حيث الماء ! سلّمت على إخواني وعزّيــتهم وكانوا لي نعم العزاء .

اجتمع الأقارب ليتم النقل للصلاة حيث نودي بصلاة العصر !
وهناك في الجامع :
حيث اكتظ بالأحباب وأهل الخير كنا ننتظر الصلاة !
والحبيب في الغرفة الخاصة بالموتى في الأمام !
اشتغلت بعد تحية المسجد بالاستغفار !
شريط حياة كامل يمرّ بين العينين !
أشدُه وآلمُه : أننا قبل أقل من شهر وفي هذا المكان ولنفس الغرض نودع الغالية قبل الغالي !

قدر الله وما شاء فعل !
كلمات فيها تمام اليقين والرضا فاللهم اجعلنا بك مؤمنين وبقدرك وأمرك راضين .
تقام الصلاة فإذا هي ليست كمن سبقها من الصلوات !
وتُــقضى فيزيد القلب في دقاته :
الآن تصلي على أبيك .

ثلاث جنائز معه رحمه الله ، كانت مستحقةً للدعاء بالرحمة والغفران !
الله أكبر
الله اكبر
الله أكبر
الله أكبر
السلام عليكم ورحمة الله !!

هكذا وبسرعةٍ انتهينا !
ليتك يا إمام أطلت !
ارتفع الدعاء بلسان متعثر وعين دامعة ومن قلب مكلوم زادت جراحه فوق ما يستطيع
لولا رحمة الله !

وعلى شفير القبر :
كأني بالدنيا أظلمت !
وبالآخرة اقتربت !
وبالآمال تقطعت !
وبالحبال تصرمت !
إذ قيل :
أحسن الله عزاءك في والدك !
وهل حسنٌ بقي ؟!
إلا حسن أنعام الكريم سبحانه .

من رحمة الله أن الجامع أوشك على أن يفيض بالمصلين
والمقبرة كادت تمتليء من المعزين !
ولعل فيهم برحمة الله من : إذا دعا استجيب له .
أوشكت الشمس على الغروب ولمّــا ننصرف !
ولما انصرفنا :
اجتمع الآن علينا الحزنان !
وتفرغنا إذ اجتمعت المصيبتان !
فقد الغالية
ووفاة الغالي !

ورجعنا لبيوتنا فإذا هي ليست البيوت التي نعرف !
وأهليتنا فإذا نحن كا الغرباء !
دخلنا بيت والدينا فإذا هم في كل ركن منه يجلسان !

هاهو أبي يضحك !
وهاهي أمي تصلي ثم لنا تجلس !
هذا هو مجلسه وذاك موقده !
هذا مجلسها وتلك سجادتها !
هذا علاجه !
وتلك حبوبها وإبرها !

لا إله إلا الله !!
ما اشد فراق الأحباب بل أحباب الأحباب !!
في اليقظة يتراءون !
وفي المنام يُـــشاهدون !

وها أنا بعد سنة كامله من كبت المشاعر وكسر القلم أكتب بمداد من ألم على صفحة من دم !
لأقول لكل ابن :
بعد الله تعالى ورسوله :
والداك
ثم والداك
ثم
والداك
وكفى !!!

عليهما رحمة الله ولطفه وبركاته ...
 



بر الوالدين :

كفى ببر الوالدين فضلاً أن قرن المولى جل وعلا هذه المكانة بأهم حق لله تعالى على عباده على الإطلاق، ألا وهو حق التوحيد إذ قال تعالى: ((وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا ،وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا)) .
بر الوالدين سبب في دخول الجنة ، في صحيح مسلم رحمه الله تعالى عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((رغم أنف ثم رغم أنف ثم رغم أنف من أدرك والديه عند الكبر أحدهما أو كلاهما فلم يدخل الجنة)) .

إن هذا الموضوع رسالة لنا جميعا وخصوصا لبعض شبابنا وأبنائنا ممن غاب عنهم العلم والوعي فقدموا من الأمور ماليس فرضا أو ماهو ضار أحيانا على ماهو فرض وواجب .
بر الوالدين من خير ما تقرب به المتقربون ، وتسابق فيه المتسابقون ، وهو من أحب الأعمال إلى الله وأفضلها بعد الصلاة ، سُئل النبي صلى الله عليه وسلم أي العمل أحب إلى الله ؟ قال : الصلاة على وقتها ، قيل ثم أي قال : بر الوالدين ، قيل : ثم أي ؟ قال : الجهاد في سبيل الله " رواه البخاري ومسلم .

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : أقبل رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أبا بعك على الهجرة والجهاد ابتغي الأجر من الله ، فقال صلى الله عليه وسلم : فهل من والديك احد حي ؟ قال : نعم بل كلاهما فقال صلى الله عيه وسلم : أتبتغي الأجر من الله ؟ قال نعم قال : فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما ،، أخرجه الشيخان

لقد أكثر العلماء في الحديث عن بر الوالدين عن مكانته ومن ذلك ما كتبه العلامة ابن الجوزي رحمه الله في كتابه بر الوالدين حيث قال رحمه الله : أما بعد فإني رأيت شبيبةً من أهل زماننا لا يلتفتون إلى بر الوالدين ، ولا يرونه لازماً لزوم الدين ، يرفعون أصواتهم على الآباء والأمهات ، وكأنهم لا يعتقدون طاعتهم من الواجبات ، يقطعون الأرحام التي أمر الله بوصلها في الذكر ، ونهى عن قطعها بأبلغ الزجر ، وربما قابلوها بالهجر والجهر ، إلى أن قال:
وليعلم البار بالوالدين انه مهما بالغ في برهما لم يف بشكرهما ، عن زرعة بن إبراهيم أن رجلاً أتى عمر رضي الله عنه فقال : إن لي أماً بلغ بها الكبر وأنها لا تقضي حاجتها إلا ظهري مطية لها ، وأوضئها وأصرف وجهي عنها فهل أديت حقها ؟ قال : لا ، قال : أليس قد حملتها على ظهري وحبست نفسي عليها ؟ فقال عمر رضي الله عنه : إنها كانت تصنع ذلك بك وهي تتمنى بقاءك ، وأنت تتمنى فراقها .

وجاء رجل إلى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فقال : حملت أمي على رقبتي من خراسان حتى قضيت بها المناسك أتراني جزيتها . قال : لا ولا طلقة واحدة .
ثم قال رحمه الله : وبرها يكون بطاعتهما فيما يأمران به ما لم يكن بمحظور ، وتقديم أمرهما على فعل النافلة ، والاجتناب لما نهيا عنه ، والإنفاق عليهما ، والتوخي لشهواتهما ، والمبالغة في خدمتهما ، واستعمال الأدب والمهيبة لهما ، فلا يرفع الولد صوته ، ولا يحدق إليهما ، ولا يدعوهما باسمهما ، ويمشي ورائهما ، ويصبر على ما يكره مما يصدر منهما .

فيا من أنعم الله عليه ببر والديه ، هنيئاً لك تلك الثمرات ، التي جعلها المولى سبحانه للبارين بوالديهم في هذه الدنيا ومنها : سعة الرزق وطول العمر قال صلى الله عليه وسلم : " من سره أن يمد له في عمره ويزاد له في رزقه فليبر والديه وليصل رحمه " والحديث حسن بهذا اللفظ وأصله في الصحيحين .

إن بر الوالدين ليس مقصورا على الحياة فقط، فإن من تمام البر وكماله ، أن يبر الولد والديه حتى بعد موتها ، فيا من مات والده أو أحدهما ، وقد قصر ببرهما في حياتهما ، وندم على ما فرط تجاههما ، اعلم أن باب الإحسان مفتوح فتدارك العمر قبل فوات الروح . عليك بالدعاء لهما ، والصدقة عنهما ، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما ، و إكرام صديقهما
وقرابتهما و إنفاذ عهدهما ، فإن هذه الأعمال مما ينتفع بها الوالدان بعد موتهما ، أخرج الإمام أحمد رحمه الله عن أبي سيد بن مالك بن ربيعة الساعدي رضي الله عنه قال : بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل من بني سلمه فقال : يا رسول الله ، هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما . قال صلى الله عليه وسلم : نعم ، الصلاة عليهما ( أي : الدعاء لهما ) ، والاستغفار لهما ، وإنفاذ عهدهما من بعدهما ، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما وإكرام صديقهما .

يا من أبكى والديه وأحزنهما ، ويا من شق عليهما وآلمهما ، إنهما والداك مضت أيامهما وانقضى شبابهما وبدا لك مشيبهما ، وقفا على عتبة الدنيا وهم ينتظران منك قلبا رقيقا ، وبرا عظيما ، فطوبى لمن أحسن إليهما ، ولم يسيء لهما طوبى لمن أضحكهما ولم يبكهما ، هنيئا لمن اعزهما ولم يذلهما ، ويا سعادة من أكرمهما ولم يهنهما ، طوبى لمن نظر إليهما نظرة رحمة وود وإحسان ، وتذكر ما كان منهما من بر وعطف وحنان ، طوبى لمن شمر عن ساعد الجد في برهما ، فما خرجا من الدنيا إلا وقد كتب الله له رضاهما .
 

اللهم ياحي ياقيوم أسألك بكل اسم هو لك ياذا الجلال والإكرام يارب يا الله :
أن تغفر لوالدي وترحمهما وأن تفسح لهما في قبريهما
وأن تجعلهما روضتين من رياض الجنة
وأن تنور عليهما فيهما
وأن تجمعنا بهم ووالديهم واهلينا وإخواننا في الفردوس الأعلى
وان تعيننا على برهما .
إنك جواد كريم .

ووالديكم والمسلمين .
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه .
انتهى .
الاثنين 24 / 12 / 1429 هــ .
علي بن سليمان القعيّد -- الرس .

 

قصص مؤثرة

  • قصص الرسول
  • قوافل العائدين
  • قصص نسائية
  • قصص منوعة
  • الحصاد المر
  • مذكرات ضابط أمن
  • كيف أسلموا
  • من آثار الدعاة
  • قصص الشهداء
  • الصفحة الرئيسية