اطبع هذه الصفحة


أحكام حوادث السيارات

سامي بن خالد الحمود

 
نشر هذا البحث في الجريدة الرسمية لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية والتي تسمى بجريدة مرآة الجامعة في عددها الصادر يوم الاثنين 20 / شعبان 1409 هـ بمناسبة أسبوع المرور السادس .
 



الحمد لله رب العالمين ، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين … وبعد :

فقد كثرت الحوادث التي تقع من السيارات لكثرة السائقين الذين ينقسمون إلى ثلاثة أقسام :

1- قسم يجيد السياقة ويعرف واجباتها وأنظمتها ويتمشى عليها بقدر المستطاع ، فهذا أهل لذلك .

2- وقسم لا يجيدها ولا يعرف واجباتها وأنظمتها ، فهذا ليس بأهل لها ، وفي ممارسة السياقة من هذا النوع تفريط .

3- وقسم يجيدها ويعرف واجباتها وأنظمتها ولكن لا يتمشى عليها ، بل يتعدى فيها ولا يبالي بما وقع منه من مخالفات وحوادث ، فهذا جان على نفسه وعلى غيره فيما خالف فيه ، ولأهمية هذا الأمر أقول : إن الإصابة بحوادث السيارات تنقسم إلى قسمين :

أحدها : أن تكون الإصابة في أحد الركاب الذين ركبوا باختيار منهم بإذن قائد السيارة ، فهؤلاء قد أمنوه على أنفسهم وأموالهم التي معهم ، فهو تصرّف لهم بقيادته تصرّف الأمين ، وحينئذ لا يخلو الحادث من أربع حالات :

الحال الأولى :
أن يكون بتعد من القائد وذلك على سبيل التمثيل لا الحصر ، مثل : أن يحمل السيارة حملاً يكون سبباً للحادث أو يسرع بها سرعة تكون سبباً له أو يحاول أن يصعد بها ما في صعوده خطر أو ينزل بها ما في نزوله خطر أو يضرب على الفرامل بقوة لغير ضرورة فيحصل الحادث بذلك التعدي .

الحال الثانية :
أن يكون بتفريط من القائد ، والفرق هو أن التعدي فعل ما لا يسوغ ، والتفريط ترك ما يجب وذلك على سبيل التمثيل لا الحصر : مثل أن يتهاون في غلق الباب أو في تعبئة العجلات أو في شد مسترخ يحتاج إلى شده فيحصل الحادث بهذا التهاون .

ففي هاتين الحالين يترتب وجوب الكفارة على القائد وهي : عتق رقبة لكل نفس آدمي محترم مات به ، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين لا يفطر فيهما إلا بعذر شرعي من سفر أو مرض أو نحوهما ، ويترتب أيضاً ضمان ما تلف من الأموال على القائد وضمان دية النفوس على عاقلته .

الحال الثالثة :
أن يكون بتصرف من القائد يريد به السلامة من الخطر ، وذلك على سبيل المثال لا الحصر : مثل أن يقابله ما يخشى الضرر باصطدامه به ، أو يخرج عليه من اليمين أو الشمال على وجه لا يتمكن فيه من الوقوف فينحرف ليتفادى الخطر فيحصل الحادث ، أو يصل إلى حفرة عميقة لم يشعر بها فيحرف السيارة عنها فيحصل الحادث .

الحال الرابعة :
أن يكون بغير سبب منه ، وذلك على سبيل التمثيل لا الحصر : مثل أن ينفجر إطار عجلة السيارة وينكسر الذراع ، أو يهوي به جسر لم يتبين عيبه .

ففي هاتين الحالين لا يترتب عليه شيء من وجوب كفارة أو ضمان ، لأنه في الأولى أمين قائم بما يجب عليه من محاولة تلافي الخطر فهو محسن وما على المحسنين من سبيل ، وفي الثانية أمين لم يحصل منه تعد ولا تفريط فلا شيء عليه لأنه لم يكن منه تسبب في هذا الحادث .

والقسم الثاني من الإصابة بحوادث السيارات أن تكون في غير الركاب وهذا القسم له حالان :

الحال الأولى :
أن يكون بسبب من المصاب لا حيلة لقائد السيارة فيه ، وذلك على سبيل التمثيل لا الحصر : مثل أن تقابله سيارة في خط سيره لا يمكنه الخلاص منها أو يفاجئه شخص برمي نفسه أمامه لا يمكنه تلافي الخطر .

ففي هذه الحال لا ضمان على قائد السيارة ، لأن المصاب هو الذي تسبب في قتل نفسه أو إصابته ، وعلى قائد السيارة المقابلة الضمان لتعديه بسيره في خط ليس له حق السير فيه .

الحال الثانية :
أن يكون بسبب من المصيب ، وذلك على سبيل التمثيل لا الحصر : مثل أن يدعس شخصاً يسير أمامه في الطريق أو يصدم شجرة أو باباً أو يرجع إلى الوراء فيصيب شخصاً أو غيره .

ففي هذه الحال : يضمن ما أتلفه أو أفسده من الأموال وعليه كفارة القتل والدية على عاقلته ، وإن كان ذلك خطأ غير مقصود ، قال في المغني : الخطأ أن يفعل فعلاً لا يريد به إصابة المقتول فيصيبه فيقتله مثل : أن يرمي صيداً أو هدفاً فيصيب إنساناً فيقتله ، ثم نقل عن ابن المنذر أنه أجمع على ذلك من يحفظ قوله من أهل العلم ، وقال لهذا الضرب من الخطأ فيه الدية على العاقلة والكفارة في مال القاتل بغير خلاف نعلمه .

وقال في الروض المربع وأصله : من قتل نفساً محرمة أو شارك في قتلها مباشرة أو تسبباً بغير حق فعليه الكفارة ، وتتعدد بتتعدد قتل . أهـ ملخصاً .

فإن قيل : كيف تجب الدية والكفارة في قتل الخطأ وقد قال الله تعالى : ( وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدتم قلوبكم ) ، وأرشد عباده إلى أن يدعوه بقوله : ( ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ) وقال : قد فعلت . رواه مسلم في صحيحه .

قلنا : تجب الدية والكفارة في قتل الخطأ لأن الله تعالى قال : ( ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله ) الآية ، وفرق بين قتل الخطأ والعمد ، فأوجب في قتل الخطأ الكفارة والدية ولم يتوعد القاتل ، أما قتل العمد فأوجب فيه القصاص إذا لم يعف أولياء المقتول وتوعد القاتل بقوله : ( ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً ) ، وعلى هذا فيفرق بين القتل وغيره في وجوب الكفارة بالخطأ فيه ، لأن القتل أمره عظيم وخطره جسيم .

فليحرص قائدو السيارات غاية الحرص على مراعاة ما يأتي :
أولاً : أن لا يتولوا قيادة السيارات حتى يكونوا حاذقين فيها وأهلاً لها .

ثانياً : أن يتفقدوا السيارات عند الحاجة إلى تفقدها ولا يتهاونوا في إصلاح ما يكون ترك إصلاحه سبباً للخطر ، لأن الله تعالى يقول : ( ولا تقتلوا أنفسكم ) .

ثالثاً : أن لا يتهوروا في القيادة فيخرجوا عن الحد الذي ينبغي أن يكونوا عليها في السير .

رابعاً : أن لا يحملوا السيارة ما يزيد على المقرر لها ، لأن ذلك من أسباب الخطر .

خامساً : أن يراعوا الأنظمة المصطلح عليها عند الوقوف والانطلاق واتجاه السير والانحراف يميناً وشمالاً ، لأن ذلك أقرب إلى الحفاظ على أنفسهم وسياراتهم وعلى غيرهم .

سادساً : أن يقولوا عند الركوب إذا ركبوا : سبحان الذين سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون ، الحمد لله ، الحمد لله ، الحمد لله ، الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ، سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت .

هذا وأسأل الله تعالى أن يوفق الجميع لما فيه الخير والصلاح ، ويجنب ما فيه الشر والفساد .

والحمد لله رب العالمين

كتبه / محمد بن صالح ا لعثيمين

 

سامي الحمود
  • كتب وبحوث
  • محاضرات
  • كلمات قصيرة
  • منبر الجمعة
  • مذكرات ضابط أمن
  • تحقيقات ميدانية
  • مقالات وردود
  • معرض الصور
  • قصائد
  • فتاوى أمنية
  • صوتيات
  • الجانب المظلم
  • الصفحة الرئيسية