اطبع هذه الصفحة


فالنتين.. قلوبٌ .. وورودٌ..ورومانسية مفقودة ؟

كمال المصري

 
 قُدِّر لي يوم الأحد الماضي (الموافق 14 فبراير) أن أجوب عددًا لا بأس به من شوارع القاهرة وفي مناطق عدة منها .. فإذا بي أرى قاهرة غير التي أعرف، وقاهريين غير الذين أعايش، وإذا باللون الأحمر قد غطَّى كل مكان، وطغى على كل الألوان .. فأينما تسِرْ تجد الورود الحمراء تُزَيِّن المحلات والطرقات، وأينما تتلفَّت تجد القلوب الحمراء، والهدايا الحمراء تُجَمِّل الأيدي والسيارات .. وقد انتشر "المحبون" من مختلف الأعمار، أزواجًا أزواجًا، في كل مكان: على ضفاف النيل، في المطاعم، في النوادي، وفي المتنزهات والكافيتريات.
محلات الورود أخرجت أرتالاً من الورود الحمراء لتزيِّن بها واجهاتها، وخدمة "التوصيل للمنازل" على الدراجات الهوائية كانت في أَوْجها، وقد شاهدتُها مرارًا وتكرارًا، وهي تحمل الورود الحمراء توصلها للطالبين.
معارض الهدايا وبطاقات المعايدة، قد زَيَّنت واجهاتها بالقلوب الحمراء، والهدايا الحمراء، وعبارات الحب والعشق.
وجاءني في نفس اليوم من أقصى الإسكندرية من أخبرني بحدوث مثل ذلك بل وأكثر منه في مدينة الإسكندرية ثاني كبرى مدن مصر.. وسرعان ما تواترت الأخبار من عدة أقطار، تعلن نفس الخبر، فهناك في أرض الشام يحتفلون، وفي الخليج يتهادَوْن، وفي المغرب العربي كذلك يفعلون، الكل في كل مكان، يجمعهم أمرٌ واحد، بل قل قلبٌ واحد، تجمعهم القلوب الحمراء، والورود الحمراء، والهدايا الحمراء.
استوقفتني كل هذه المشاهدات والسمعيات، الآتية من كل حدب وصوب .. وأخذت أتساءل: ماذا هنالك؟
فأتاني الخبر بأنه يوم الحب أو "Valentine Day" كما يسمونه في الغرب، وهنا عزمتُ على فعل أمرين؛ الأول: البحث في أصل هذا الـ "Valentine Day"، والثاني: محاولة استنباط أسباب انتشار هذه الظاهرة "ظاهرة احتفال الناس في مصر بهذا اليوم".
وبعد بحث وسؤال توصلت إلى روايتين اتفقتا في المكان واختلفتا في الشخصية عن هذا الـ "Valentine"؛
تقول الأولى: إن نسبة اليوم تعود إلى القديس النصراني "Valentine" الذي عاش في روما في القرن الثالث الميلادي، في زمن كان يُحَرِّم فيه إمبراطور الرومان "كلاوديس الثاني II Claudis" الزواج على الجنود بحجة أن الزواج يربطهم بعائلاتهم، مما يشغلهم عن القتال وخوض الحروب، فكان القديس "Valentine" يقوم - متحديًا الإمبراطور- بعقد الزواج سرًا، ولكنه سرعان ما افتضح أمره وحُكِم عليه بالإعدام، وقد حاول الإمبراطور بعد ذلك إقناعه بالخروج من نصرانيته وعبادة آلهة الرومان، ليعفو عنه، ولكن القديس "Valentine" رفض ذلك بشدة وآثر التمسك بدينه، فنُفِّذ فيه حكم الإعدام يوم 14 فبراير، ومن يومها أصبح القديس "Valentine" شهيد النصرانية وحامي المحبين، وغدا يوم 14 فبراير هو يوم "Valentine" الذي يتبادل فيه المحبون القلوب الحمراء، والورود الحمراء، والهدايا الحمراء.
الرواية الثانية: أكثر بساطة، وإن كانت تحمل نفس المكان والمغزى، هذه الرواية تقول: إن "Valentine" كان "كونتًا" في روما وكان اسمه "Valentino"، وقد عُرِف عنه أنه كان من المحبين الوالهين، واشتهر بمغامراته العاطفية، وقلبه الكبير، وقد مات بسبب عشقه، فاصبح رمزًا للمحبين، ولا يزال قصره في روما "Valentino Palace" مزارًا للسياح والعشاق من كل مكان، وحول القصر تباع القلوب الحمراء، والورود الحمراء، والهدايا الحمراء.
هذا هو "Valentine" .. وليس يعنيني كونه "قديسًا" أو "كونتًا"، أو أن اسمه "Valentine" أو "Valentino"، ولكنْ ما يعنيني هو مغزى هذا الاسم، وكيف أصبح رمزًا للحب والمحبين - وهو الأمر الأهم فيما أظن -.
وهذه هي نقطتي التالية: ما أسباب انتشار هذه الظاهرة؟ خاصة - وهو أمر قد لفت نظري بشدة - أنها لم تعد قاصرة على الشباب والشابات، والمراهقين والمراهقات، بل تعدَّت ذلك إلى كل الأعمار، فرأيتُ - فيما رأيتُ - ذوي الخمسين وذوي الأربعين يخرجون إلى الفنادق والمطاعم والمنتديات، يتهادَوْن القلوب الحمراء، والورود الحمراء، والهدايا الحمراء، يتحدثون بصوت خافت في ودٍّ وحبٍّ ورومانسية، وهنا تركت لخاطري أن يجول، ولفكري أن ينطلق ويبحث، علّني أصل لشيء، إلى أن هداني عقلي - بعد طول تفكير وتأمل - إلى عدة تفسيرات، قد تكون إحداها صحيحة، وقد تكون كلها صحيحة، كما قد تكون كلها خاطئة، ولكنها - أولاً وأخيرًا - لا تَعْدو كونها اجتهادات شخصية محضة.

أول هذه التفسيرات يؤكد أن الاحتفال قد يكون نوعًا من التعبير عما يعتلج الصدر من اختناق، ويختلج القلب من ضيق، فكان الاحتفال المتزايد هذا وسيلة من وسائل التفريج، وإخراج مكبوتات النفس، هذه المكبوتات التي توارثتها أجيالنا العربية، وتأصلت في نفوسنا شيئًا فشيئًا، مع استمرار الضغط النفسي والعصبي اليومي الذي نعيشه، الضغط بكافة صوره وأشكاله، الضغط السياسي، والضغط الاقتصادي، والضغط الاجتماعي، فكان الاحتفال فرصة للتنفيس، وردّ فعلٍ لحالة الكبت التي عاشتها شعوبنا، فما إن جاء هذا اليوم، حتى خرج الناس إلى الطرقات تَشْتَمّ الهواء الطلق النقي .. تبحث عن تغييرٍ في نمط الحياة، عن ساعات هنيئة تحياها .. تسعى إلى ما قد يلهيها ويشغلها عما هي فيه .. حتى وإن تبدَّى شكل هذا التغيير والإلهاء في القلوب الحمراء، والورود الحمراء، والهدايا الحمراء!
ثاني هذه التفسيرات، أقرب من أن يكون ملاحظة لا تفسيرًا، فمع انتشار الإنترنت في عالمنا العربي، ومع ازدياد إقبال الناس عليها بأعداد هائلة فاقت كل التصورات، ومع ما للإنترنت من ثقافة خاصة بها، ثقافة شملت كل شيء ،برز تبادل التهاني ومواسمه ونشر كروت معايدة متاحة لمثل هذه الأعياد.

مع كل ذلك، لزمنا أن نقف ونتأمل .. هل كان هذا الإقبال المتزايد على الاحتفال بالـ"Valentine Day " هو التعبير العملي للإقبال المتزايد على الإنترنت؟ هل كان احتفالنا نوع من أنواع ثقافة الإنترنت؟ هل هذا الاحتفال هو نتيجة لما فعلته هذه الشبكة من تحوير في ميولنا وأمزجتنا؟ وهل هو رد فعل تلقائي انفتاحي استقر في وجداننا دون أن نشعر به؟ ثم هل هو لغة "إنترنتية" خاصة ارتضينا التخاطب بها، واستعضنا فيها عن الحروف والكلمات، بالقلوب الحمراء، والورود الحمراء، والهدايا الحمراء؟
أما ثالث التفسيرات - وهو أقربها لفهمي -، فهو هاتان الكلمتان الساحرتان "الحب… والرومانسية" وهما - في رأيي - محلّ القصد، ومحطّ النظر، وبيت القصيد، في أسباب انتشار هذه الظاهرة.

لعلّ كل ما حدث في ذلك اليوم هو محاولة جادة من قبل الكثيرين، للرجوع إلى عصر الحب والرومانسية، فوجدوا في هذا اليوم مدخلاً لذلك، ولا يهمني هنا إن كان اختيارهم لهذا اليوم بالذات صحيحًا أم خاطئًا، وهل هو نوع من التبعية للغرب أم لا؟ إنما الذي يهمني هو الحاجة التي دعتهم لذلك، الفراغ العاطفي، جفاف المشاعر، غلبة المادية "والعملية" - كما يحلو للبعض تسميتها-، فكان هذا اليوم هو المتنفس والفرصة لمحاولة إحياء الأحاسيس، وخير مثال على ذلك قيام غير المراهقين باللقاء والتهادي والتهامس، في ودٍّ وحبٍّ حقيقيَّيْن، وهذا - تمامًا - ما فعله من قَبل فيلم " تيتانيك Titanic "، بقصته العاطفية الرقيقة، والذي سجل إقبالاً غير مسبوق على مشاهدته من قِبَل كافة الأعمار ومختلف مستويات التعليم والثقافة، غير أن مشاعر الحب والتضحية في الفيلم، قد تمثلت في الـ"Valentine Day " على هيئة القلوب الحمراء، والورود الحمراء، والهدايا الحمراء.

وأمام هذا التفسير بالذات، أبَحْتُ لنفسي أن تطمع، فكلّ ما سبق أمرٌ محمودٌ ولا شك، محمودٌ أن نعود إلى العواطف والأحاسيس، ولكنّ نفسي تطمع في أكثر من ذلك .. تطمع ألا تكون مشاعرُنا مشاعرَ اليوم الواحد .. تطمع ألا تكون أحاسيسُنا محكومةً بزمان أو مكان .. تطمع أن تصبح أيامُنا كلها أيامَ حبٍّ وودٍّ وتهادٍ .. تطمع أن نصبغ حياتَنا كلها بحمرة القلوب والورود، وبحرارة القرب والوصال .. وتطمع -أخيرًا - أن تشمل هذه الأحاسيسُ والمشاعر والعواطف كلَّ الناس، من نعرف منهم ومن لا نعرف، من أحسن إلينا، وحتى من أخطأ في حقنا .. أن نزرع في قلوبنا بذرةَ الحب والعطف والخير.

وإن أمكننا - في خضم استفادتنا من قصة هذا القديس الذي مات دفاعًا عن عقيدته ومبادئه - أن نتعلم كيف يكون لنا مبدأ نعيش من أجله، وعقيدة نضحي بالغالي والنفيس في سبيلها، ونقف في وجه الدنيا كلها إن هي ساومتنا على ما نعتقد.

أن نؤمن بأن ما في أيدينا من نور، يجب أن يضيء العالم، وما في قلوبنا من هداية، ينبغي أن تدلّ كلَّ التائهين إلى الطريق .. فعقيدتنا نور، وقلوبنا نور، ووجودنا وكياننا وحياتنا نور.

إن أمكننا أن نتعلّم منه كل ذلك، فقد حققنا حقًا يوم "Valentine "، وحينئذٍ .. لن يكون يومًا واحدًا، بل حياةً ووجودًا.

وأخيرًا، وقد أخذتني أفكاري بعيدًا بعيدًا، وتدافعتني شجوني كثيرًا كثيرًا، أعود من حيث بدأت، بل من حيث رأيت، وأتوقف عند افتقار الناس اليوم إلى الرومانسية والحب، وحاجتهم إلى إخراج ما بهم من كبتٍ وضيق، أرصد ما قاموا به من احتفال زائدٍ عن المعتاد، ليبقى لدي التساؤل:
هل " فالنتين داي العرب Arabic Valentine's Day" هو إنقاذُ ما يمكن إنقاذه من الأحاسيس والعواطف، حتى لو بالقلوب .. والورود .. وحمراوات أُخَر؟!! .

المصدر
 

عيد الحـب

  • فتاوى شرعية
  • مـقـالات
  • مـنـوعـات
  • عرض شرائح
  • تصـامـيـم
  • أعياد الكفار
  • الصفحة الرئيسية