اطبع هذه الصفحة


القواعد الست للقراءة المثمرة

نورة بنت عبد الله السبيعي


بسم الله الرحمن الرحيم



«إن المشكلة الأساسية بالنسبة إلى الذين لا يقرؤون ربما كانت أنهم لا يملكون أية أهداف».

«إن عظماء الكتاب كانوا دائما قراء عظماء، قرؤوا القليل من الكتب، لكن قرؤوه بشكل جيد».
 



كيف تكون قراءتي أكثر فاعلية، مثمرةً وذاتَ أثر؟

أجد أن الجواب على هذا السؤال المهم يُمكن أن يُختزل في ست نقاط يُناسب أن نصف كل واحدة منها بالـ(قاعدة)؛ لأهمية كل نقطة منها في تشييد بنيان القراءة المثمرة، فمتى افتقد البنيان أحدَ هذه القواعد والأركان؛ وقعَ أو كاد، وهي:

1- وجود الدافع:

قال ابن القيم :: «وأما عُشَّاق العلم فأعظم شغفًا به وعِشْقًا له من كلِّ عاشقٍ بمعشوقه، وكثيرٌ منهم لا يَشْغَلُه عنه أجملُ صورةٍ من البشر» (روضة المحبين ص69).
هذا النص البديع من ابن القيم : يبرز هذه القاعدة من قواعد القراءة المثمرة بذكر أظهر تلك الدوافع وهي محبة العلم والقراءة.
والناظر في تراث الأمة يجد نماذجاً مشرقة تمثل ذلك الدافع، هاك مثلاً ما جاء في سيرة الإمام البخاري أنه كان يستيقظ في الليلة الواحدة من نومه، فيوقد السراج ويكتب الفائدة تمر بخاطره، ثم يطفئ سراجه، ثم يقوم مرة أخرى وأخرى، حتى كان يتعدد منه ذلك قريباً من عشرين مرة! (تذكرة الحفاظ 4/1219).

أو ما ذُكر عن الجاحظ أنه لم يقع بيده كتاب قط إلا استوفى قراءته! حتى أنه كان يستأجر دكاكين الكتبيين ويبيت فيها للمطالعة! (نزهة الفضلاء 2/ 854).
ومن العجيب الطريف في هذا الباب ما جاء عن أبي بكر الخياط النحوي أنه كان يدرس في جميع أوقاته حتى في الطريق، وكان ربما سقط في جرف أو خبطته دابة من استغراقه في المطالعة! (الحث على طلب العلم ص77).
وجاء عن المأمون أنه كان ينام والدفاتر حول فراشه ينظر فيها متى انتبه من نومه وقبل أن ينام. (تقييد العلم ص124).
وهذا غيض من فيض وإلا فولع علماء المسلمين بالقراءة والعلم ظهوره يغني عن إظهاره، بل إن ذلك الولع بالقراءة لم يكن مقصوراً على العلماء بل تعداه إلى عامة الناس يقول أحد مفكري الغرب عن العصور الوسطى في ذلك: كان التعليم منتشراً على نطاق شامل، حتى قالوا: يستحيل أن تجد مسلماً لا يعرف القراءة والكتابة.

وقيل: إن أحد المتعلمين خرج أثناء حصار مراكش ليشتري طعاماً لأهله فرجع وقد أنفق كل ما معه على شراء الكتب!

بل إن بعض السلاطين والملوك كانوا يحملون الكتب أثناء سفرهم عبر قافلة من الجمال، فتُقرأ لهم أثناء الطريق.
وتجدر الإشارة هنا للمربين والمثقفين أن يساعدوا في نشر هذه الصور المشرقة التي يفيض بها تاريخ الأمة الإسلامية، وسِيَر أعلامها، ولن يعدموا أيضاً مثلها بين قرَّاء المسلمين في الوقت الحاضر.

ومن الدوافع التي تسقي شجرة القراءة لتؤتي أكلها:
الهدف من القراءة، فالقراءة بلا هدف سامي يخرج منها القارئ في الغالب صفر اليدين، فحدد هدفك قبل أن تقرأ: قراءة لهدف دنيوي تنمية مهارة ونحو ذلك، أو قراءة لزيادة الثقافة، أو قراءة لفهم المؤامراتـ أو قراءة لزيادة الإيمان، أو قراءة للفقه في الدين، وهلم جراً ...
وانتقِ من الأهداف القرائية هدفاً سامياً تجني منه أطيب الثمر، فكم من قارئ يقرأ سنوات عديدة، لكن هدفه السطحي من القراءة لم يورثه ثمرة ذات شأن كمن يقرأ لمجرد التسلية أو ملئ وقت الفراغ!

2- اختيار الكتاب المناسب:

لاختيار الكتاب المناسب لعمر القارئ ومستواه التعليمي ومستواه في القراءة أثر بارز في حصاد الفائدة من الكتاب، فالتدرج في القراءة من أنجع الطرق لجني ثمرة القراءة والاستفادة من محتوى الكتاب بأفضل صورة، فالعلم تراكمي؛ وبعض الكتب سلم صعود لبعضها، ويعرف القارئ ذلك باستشارة أهل الاختصاص.

3- اختيار القراءة المناسبة:

للقراءة أنواع فمن الكتب ما يناسبه القراءة الجردية، ومنها ما يناسبه القراءة الفاحصة المتأنية، فينظر القارئ في كتابه وينظر في نوع القراءة المناسبة له، فمتى وافق نوع القراءة المناسب الكتاب المناسب كان ذلك أعظم في الفائدة والأثر، فمن يقرأ مثلا كتاباً بمنزلة تفسير ابن كثير في الأهمية ويقرؤه قراءة جرد لا يحصّل الفائدة منه كما يحصلها صاحب القراءة المتأنية الفاحصة.

4- تلخيص الكتب ومناقشتها:

من عادة القراء الفاعلين تلخيص الكتب المقروءة على غلاف الكتاب، وعزو الفوائد المدونة إلى أرقام الصفحات ليسهل الوصول إليها، أو تلخيص الكتب والفوائد المستفادة منها في كنانيش خاصة، ومراجعتها بين الفينة والأخرى، ومن مخرجات هذه الطريقة في تدوين الفوائد (بدائع الفوائد لابن القيم) ، و(النظائر لبكر أبو زيد) وغيرهما .
أما مناقشة أفكار الكاتب بالقلم على طرة الكتاب فهو من وسائل غربلة الأفكار وتنمية مهارة النقد لدى القارئ، كما تسهم هذه الطريقة جداً في خرط معلومات الكتاب مع الخلفية العلمية السابقة للقارئ ودمجها في إطار واحد، فعلى سبيل المثال لو مرّ القارئ على حديث استدل به الكاتب فيه ضعف، والقارئ على علم سابق بضعف الحديث وعلته، فمن المناسب تدوين المناقشة على طرة الكتاب، وعلى ذلك فقس ..

5- مدارسة الكتب:

المنذر أبي الحكم الأموي الأندلسي كان كلَّما لقي رجلًا من إخوانه قال له: هل لك في مذاكرة باب من النحو؟ (إنباه الرواة 3/ 323 – 324).
وكان ذلك إدراكاً منه : لأهمية مدارسة العلم ومذاكرته، مع الأقران أو مع التلاميذ أو مع غيرهم ممن تناسب المدارسة معهم، فلمدارسة الكتب ومذاكرتها أثر أظهر من أن يظهر في جني الثمرة من الكتاب المقروء، بل وزيادة؛ فالمرء لما يدارس العلم مع غيره يرى العلم من زوايا مختلفة؛ ففكر فلان الذي ينظر به مغاير لفكر القارئ، وهكذا، مما يساعد على تثبيت المقروء ومناقشته والإضافة عليه.

وهذه القاعدة كثيراً ما يؤكد عليها أهل العلم، ويعملون بها، فهذا أبو إسحاق إبراهيم بن فتوح يقول: لو استغنيت عن المعونة بالوظائف لتركتها إلا وظيفة التدريس؛ لما لي فيها من الانتفاع بمذاكرة الطلبة. (روضة الأعلام بمنزلة العربية من علوم الإسلام 2/ 915)

6- المبادرة بالعمل:

"العلم شجرة والعمل ثمرة، وليس يعد عالماً من لم يكن بعلمه عاملاً".

من أعظم المثبتات للعلم، وقطب رحى أركان القراءة الفاعلة: العمل بالعلم.

دخل طفل ذات مرة على والده في مكتبته فنهره الأب وطرده من المكتبة؛ لئلا يشوش عليه القراءة، في هذه اللحظات كان الأب ممسكاً بكتاب في طرائق توجيه سلوك الأطفال!

بهذه القصة القصيرة جداً والواقعية تتضح مشكلة الهوة بين العلم والعمل!

وهذه المشكلة لو تأمل الواقع فيها أنه بذلك لا فرق بينه وبين الجاهل، لا فرق بينه وبين من لم ينفق لحظة في القراءة لأعاد النظر في جدوى قراءته، والفائدة التي يجنيها من القراءة.

"فلا تأنس بالعمل ما دمت مستوحشاً من العلم ولا تأنس بالعلم ما كنت مقصراً في العمل ، ولكن اجمع بينهما وإن قل نصيبك منهما".
 

 

طلب العلم

  • مقدمة الموسوعة
  • منهجية الطلب
  • القراءة
  • دراسة الفنون
  • الحفظ
  • أدب الحوار والخلاف
  • متفرقات
  • المكتبة
  • الأفكار الدعوية
  • الموسوعة