اطبع هذه الصفحة


من بحث عن كتاب بين الناس

عبدالعال سعد الرشيدي


بسم الله الرحمن الرحيم

 
 أبو بكر أحمد بن علي ابن الأخشاد .
ذكر عنه ياقوت الحموي رحمه الله كما في ترجمة الجاحظ قال أبو حيان : حدثنا علي ابن عيسى النحوي الشيخ الصالح قال : سمعت ابن الأخشاد شيخنا أبا بكر يقول : ذكر أبو عثمان في أول كتاب الحيوان أسماء كتبه ليكون ذلك كالفهرست ، ومر بي في جملتها الفرق بين النبي والمتنبي وكتاب دلائل النبوة ، وقد ذكرهما هكذا على التفرقة ، وأعاد ذكر الفرق في الجزء الرابع لشيء ادعاه إليه فأحببت أن أرى الكتابين ولم أقدر إلا على واحد منهما وهو كتاب دلائل النبوة ، وربما لُقب بالفرق خطأ فهمني على ذلك وساءني في سوء ظفري به ، فلما شخصت من مصر ودخلت مكة - حرسها الله - حاجاً أقمت منادياً بعرفات ينادي والناس حضور من الآفاق على اختلاف بلدانهم وتنازُح أوطانهم وتباين قبائلهم وأجناسهم من المشرق إلى المغرب ، ومن مهب الشمال إلى مهب الجنوب وهو المنظر الذي لا يشابه منظر : "رحم الله من دلنا على كتاب الفرق بين النبي والمتنبئ . لأبي عثمان الجاحظ على أي وجه كان". قال : فطاف المنادي في ترابيع عرفات وعاد بالخيبة وقال : حجب الناس مني ولم يعرفوا هذا الكتاب ولا اعترفوا به.
قال ابن الأخشاد : وإنما أردت بهذا أن أبلغ نفسي عذرها . ([1])
 
أسامة بن منقذ .
قال أسامة - رحمه الله - في قصة قصها عليه والده : جاء فيها على لسان أبي يوسف القزويني مخاطباً أبا الحسن بن بوين حين أمسك من كتبه كتاباً يسمى ( العصا ) لمؤلف ضاع اسمه ( ما أحوجك أن يكون ما في يدك فوقها ) فقال أسامة : ولي منذ سمعت هذا نحو من ستين سنة أتطلب كتاب العصا بالشام ومصر والعراق والحجاز والجزيرة وديار بكر فلا أجد من يعرفه، وكلما تعذر وجوده ازددت حرصاً على طلبه، إلى أن حداني اليأس منه على أن جمعت هذا الكتاب وترجمته بكتاب العصا ، ولا أدري أكان ذاك الكتاب على هذا الوضع أم على وضع غيره . ([2])
 
  الشيخ عبد الفتاح أبو غدة .
قال - رحمه الله - : كنتُ في أيام الطلب والتحصيل مُمْلِقاً كأكثر طلبة العلم ، وكنتُ أشتري من الكتب ما أستطيعُ شراءه بالاقتطاع من نفقتي الضيقة ، بالنقد الحاضر أو بالدَّين الآجل إذا أمكن.
وعرضتْ لي يوماً بعضُ كتبٍ نادرة تهمني جداً ، ورغبتُ في اقتنائها ، ولكني كنتُ في إملاق شديد ، فلا سبيل إلى شرائها ! وقَلِقَ قلبـي وخاطري من جرَّاء ذلك ، فبعتُ (شالتي) التي ورثتها من أبي رحمه الله تعالى في (سُوق الحراج) واشتريتُ تلك الكتب، وأرحتُ قلبي وخاطري ، وفرحتُ باقتنائها ووصولي إليها فرحاً عظيماً أنساني فقدَ (الشالة) والحمدُ لله.
وكنتُ في بعض الأحيان أنذرُ لله تعالى صلاةَ كذا وكذا ركعةً ، إذا حصلتُ على الكتاب الفلاني ، ووقعتْ لي واقعة في شأن الحصول على كتابٍ ، أسجّلها هنا استطراداً لطرافتها  :
لما كنتُ في القاهرة أيام دراستي في كلية الشريعة بالجامع الأزهر ، أوصاني شيخنا العلامة الإمام محمد زاهد الكوثري رحمه الله تعالى خلالَ ملازمتي له ، باقتناء كتاب (فَتْح باب العناية بشرح كتاب النُّقَاية ) للعلامة الشيخ عليّ القاري ، وحضَّني على الحصول عليه حضّاً أكيداً وكثيراً ، مع علمه أني من هُواة الكتب النادرة النافعة ، وكنتُ أظنُّ أنه مطبوع في الهند ، وقد مكثتُ في القاهرة سِتَّ سنوات حتى إنهاء دراستي أسألُ عنه ، وأنشدُهُ في كلّ مكتبة أقدِّرُ وجوده فيها ، فلم أظفر منه بخبر ولا أثر.
ولما عدتُ إلى بلدي حلب ، ما فَتِئتُ أبحثُ عنه أيضاً في كل بلد أزوره أو مكتبة أرتادها ، ولما كنت أظنه مطبوعاً في الهند ، وكان هو من كتب فقه السادة الحنفية ، كنتُ أسأل الكتبيين عن مطبوعات الهند في الفقه الحنفي عامةً ، لعلي أصلُ إليه بهذه الطريقة، إذ قد يَجهلون اسمه ، وكان في دمشق كتبيون قُدماء خُبراء في الكتب القديمة والنفيسة ، وعندهم من قديمها ونفيسها الكثير ، ولكنهم يُغالون به ويتشدَّدون في بيعه ، منهم السيد عزّت القُصَيباتي ووالدهُ ، والشيخُ حمدي السَّفَرْجَلاني ، والسيد أحمد عُبَيد.
فسألتُ السيد عزّت القُصيباتي عن ( فتح باب العناية ) على أنه من مطبوعات الهند، فقال : هو عندي ، وأخرجَ لي كتاب ( البناية بشرح الهداية ) للإمام العيني ، المطبوع في الهند من مئة عام سنة (1293ه)، في ست مجلَّدات ضِخام كبار جداً ، وكان هذا الكتاب أحد الكتب النادرة النفيسة التي أبحثُ عنها ، فاشتريته بثمنٍ غير مُغَالى فيه ، إذ كان غير الكتاب المطلوب الذي سَمَّيتُهُ له.
ثم سألتُ الشيخ حمدي السَّفرجلاني رحمه الله تعالى عن الكتاب ، فعلمتُ منه أنه مطبوع في قَزَان من بلاد روسيا ، وأنه أندَر من الكبريت الأحمر كما يقال ، وأنه طُولَ حياته واشتغاله بالكتب ما مرَّ به منه سوى نسخة واحدة ، كان قد باعها للعلامة الكوثري بأغلى الأثمان التي لا تُعقل ، فعند ذلك تعيَّنَ عندي البلدُ الذي طُبِع فيه الكتاب، وضَعُفَ أملي بالحصول عليه!
ولما أتاح الله لي حجَّ بيته الكريم أوَّلَ مرة عام (1376ه) ودخلتُ مكة المكرمة : طَفِقتُ أسألُ عنه في مكتباتها ، لعلي أجده قادماً مع أحد المهاجرين من تلك البلاد إلى بلد الله الحرام ؟ فلم أوفَّق لذلك.
ثم ساقتني عِنايةُ الله تعالى إلى كتبيٍّ قديم مُنْزَوٍ في بعض الأسواق المتواضعة في مكة المكرمة ، وهو الشيخ المصطفى بن محمد الشنقيطي سلَّمه الله تعالى ، اشتريتُ منه بعض الكتب ، وسألته ـ على يأسٍ ـ عنه ، فقال لي : كان عندي من نحو أسبوع، اشتريتُهُ من تَرِكَة بعض العلماء البُخاريين ، وبعتُهُ لرجل من بُخارى من علماء طَشْقَنْدَ بثمنٍ كريم، فما كدت أصدِّقُهُ حتى جعلَ يصفه لي وصْفاً مُثـْبتاً لمعرفته به ، وأنه الكتاب الذي ألُوبُ عليه ، وأسعى منذ دهر إليه!
فقلتُ : مَنْ هذا العالم الطَّشقندي الذي اشتراه ؟ فجعل يتذكَّره تذكُّراً ويُسمّيه لي :(الشيخ عِناية الله الطَّشقندي). فقلتُ : أين مسكنُهُ أو محلُّ عمله أو ملتقاه ؟ قال : لا أدري عن ذلك شيئاً ، فقلتُ : كيف أسألُ عنه ؟ قال : لا أدري ، فازددتُ عند ذلك يأساً من الحصول عليه أو لقاء مشتريه!
فذهبتُ بعد هذا أسألُ عن (الشيخ عِناية الله) كلَّ بخاريّ أراهُ في المسجد الحرام أو في أسواق مكة ، وصِرتُ أذهبُ إلى المدارس والرَّبُط التي يُقال لي : فيها بُخاريون؛ لأسأل عن هذا الشيخ البخاريّ ، حتى ذهبتُ إلى الأحياء الواقعة خارجَ مكة ، إذ قيل لي : فيها بعضُ البخاريين ، ولكنْ هيهات اللقاءُ بالمنشود عنه ؟! وكم في مكة المكرمة من البخاريين الذين يُسمَّوْنَ : عِنايةَ الله!
ثم أوصلني السؤالُ المتتابع إلى الشيخ عبدالقادر الطَّشقندي البخاري الساعاتي رحمه الله ، في جهة حيّ جَرْوَل من أطراف مكة ، فسألتُهُ عن الشيخ الطشقندي ، فعرفه وعيَّن لي اسمَهُ :( الشيخ مِيْر عِناية الطشقندي)، ولكن لا عِلمَ له بمستقره وملتقاه ، فعند ذلك غلبني اليأسُ من لقاء هذا الشيخ الذي عنده (فتحُ باب العناية)! فصِرتُ في أثناء طوافي حول الكعبة المعظمة زادها الله تشريفاً وتعظيماً : أطلُبُ من الله تعالى أن يُرشدني إلى ذلك الإنسان ، ويُيسر لي اقتناء هذا الكتاب ، وصرتُ أكرِّرُ هذا الدعاء والطلبَ مرَّات تِلوَ مرَّات ، ومضى أسبوع وأنا عَلِمَ الله في تشتّت بالٍ من حال البحث عن الكتاب وصاحبه.
حتى كنتُ يوماً أمشي في سوق زيادة من أبواب المسجد الحرام قبل توسعة المسجد، فرآني تاجرٌ دمشقيٌّ قديمٌ في مكة المكرمة ، يقال له أبو عَرَب ، كان له متجر هناك، فدعاني إلى متجره لما رآني شاميَّ السَّحْنة والمظهر ، يُسائِلُني عن الشام وأهلها، فسألته من شدّة هَوَسي بالكتاب ـ وهو تاجر دمشقي شامي ـ عن الشيخ البخاريّ؟! فقال لي : هذا خَتَنُهُ زَوْجُ ابنتِه في الدُّكَّان الذي أمامي ، وهو أعرفُ الناس به ، فوالله ما كِدْتُ أصدِّقُ ذلك فرحاً وسُروراً.
فذهبتُ إليه خَتَنه وسألته عنه ، فاستغربَ قائلاً : ما الذي يدعوك للسؤال عنه وإلى لقائه ؟ قلتُ : صار لي أكثر من أسبوع وأنا دائبُ البحث عنه ، فدُلَّني عليه جزاك الله خيراً ، فأرشَدَني إلى منزله بالتعيين في حي الْمِسْفَلة ، جوارَ قهوة السَّقيفة ، فذهبتُ إليه مرَّة بعد مرّة ليلاً ونهاراً ، حتى لقيتُه ، فتنازل لي عن الكتاب بالثمن الذي اختارَ وأحبَّ، فكانت عندي فَرْحةٌ من فَرَحَات العُمُر.
وقد منَّ الله عليَّ بنشر الجزء الأول من هذا الكتاب مُحقَّقاً ، وأسألُ الله تعالى أن يَمُنَّ عليَّ بنشر باقي الكتاب بفضلِهِ وكرمِهِ. ([3])
 
 
المرجع : ( الشذرات في أخبار الكُتب والكُتاب والمكتبات ) .
عبدالعال سعد الرشيدي  
الكويت    
 

-------------------------
([1]) معجم الأدباء . للحموي ( 4/490رقم الترجمة 692 ) .
([2]) نوادر المخطوطات .كتاب العصا لأسامة بن منقذ. تحقيق : عبدالسلام هارون (1/197) وكتاب العصا لأسامة أيضا .تحقيق .حسن عباس(ص4) . وقال عبدالسلام هارون رحمه الله : معلقاً على هذه القصة : ويدور في خلدي أن ذلك الكتاب الذي ظل أسامة يبحث عنه دهراً إنما هو كتاب ( العصا ) للجاحظ وهو من مشتملات كتاب البيان والتبيين .
([3]) صفحات من صبر العلماء . لـ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله . ( ص 278رقم 278) .

 

طلب العلم

  • مقدمة الموسوعة
  • منهجية الطلب
  • القراءة
  • دراسة الفنون
  • الحفظ
  • أدب الحوار والخلاف
  • متفرقات
  • المكتبة
  • الأفكار الدعوية
  • الموسوعة