اطبع هذه الصفحة


كيف تصنف أو تؤلف ؟

 أبو حامدٍ السّـفّارينيُّ

 
الْحَمْدُ لله ، وَالصَّلاَةُ والسَّلاَمُ عَلَى رَسُولِ الله .
أَمّا بَعْدُ :
يَا طَالِبَ الْعِلْمِ اسْتَمِـعْ …حَتَّـى بِرسْمي تَنْتَفِـعْ
إنْ كُنْتَ تَبْغِي سُلَّمَـا ... بِالْعِلْمِ جَمْعًا تَرْتَفِــعْ
هَذِي حُرُوفُ الْمُرْتَجِي...نَفْعَ الصَّحَابِ وَالْجَمِـعْ
فَاللـهَ نَسْأَلْ يَا أَخِـي … أَجْرَاً لِيَوْمٍ نَرْتَجِــعْ

فَهَذِهِ - يَا طَالِبَ الْعِلْمِ - دُرُوسٌ عَامَّة فِي كَيْفِيَّةِ التَّصْنِيفِ وَالتَّأْلِيف ، لِمَنْ آتَاهُ اللهُ فَهْمَاً ثَاقِبَاً ، وَاطِّلاَعَا وَاسِعَاً .

بينَ يديِ الرّسالة :
لاَ بُدُّ قَبْلَ الْبَدْءِ بِمَوْضُوعِنَا ؛ أَنْ نَسْتَحْضِرَ بَعْضاً مِنْ أَقْوَالِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالتَّصْنِيفِ؛ إذْ يَزْعُمُ بَعْضُ النّاسِ ؛ بِأَنَّ الْكُتُبَ الْقَدِيمَةَ يُوجَدُ فِيهَا كُلُّ شَيْءٍ ؛ مِمّا يَحْتَاجُهُ الْمُسْلِمُونَ الْيَوْمَ ؛ وَلاَ حَاجَةَ إلَى التَّأْلِيفِ أَوِ التَّصْنِيفِ !
وَأَنَا أَقُولُ : هَذَا خَطَأٌ مِنَ الْقَائِل - مَعَ الاِعْتِرَافِ بِفَضْلِ الأَوَائِل -؛ وَذَلِكَ مِنْ عِدَّةِ وُجُوهٍ:

أَوّلاً : كَلاَمُهُ لاَ يَسْتَنِدُ إلَى قَاعِدَةٍ عِلْمِيّةٍ ، أَوْ أَدِلَّةٍ شَرْعِيّة ؛ إنَّمَا هُوَ مُجَرَّدُ اجْتِهَادٍ شَخْصِيٍّ مَبْنِيٍّ عَلَى شَفَا جُرْفٍ هَارٍ ! وَهَذَا -وَحْدَهُ -كَافٍ لِرَدِّهِ مِنْ مِئَاتِ الْوُجُوهِ !!

ثَانِيَاً : نَسْأَلُ الزَّاعِمَ : وَأَيُّ ضَرَرٍ يُحْدِثُهُ التَّصْنِيفُ عَلَيْكَ أَوْ عَلَى الأُمَّةِ ؟!!

ثَالِثَاً : وَأَيُّ نَفْعٍ سَتَنَالُهُ الأُمَّةُ مِنْ مَنْعِ التَّصْنِيفِ وَالتَّأْلِيفِ ؟‍‍‍‍!

رَابِعاً : وَمَنْ ذَا الَّذِي يُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ الله ؟!

خَامِساً : لَوْلاَ الْكُتُبُ الْحَدِيثَةُ وَالتَّصَانِيفُ الْعَدِيدَةُ ؛ مَا حُفِظَتِ الْكُتُبُ الْقَدِيمَة ؛ فَهِيَ
- تَمَامَاً - كَالْقِشْرَةِ وَلُبِّهَا ؛ لاَ يَسْتَغْنِي أَحَدُهُمَا عَنِ الآخَرِ ؛ إلاَّ أَنَّ أَحَدَهُمَا أَسْبَقُ وُجُوداً ، وَأَنْفَعُ حَاجَةً !

سَادِسًاً : أَمّا مَسأَلَةُ الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ ؛ فَلاَ ضَابِطَ لَهَا ، وَلاَ مَاسِكَ لِخِطَامِ زِمَامِهَا ؛ فَعِلْمُ مَا فِي السُّطُور سَبَقَهُ عِلْمُ مَا فِي الصُّدُور ، وَهَكَذَا تَجْرِي الأُمُور : يُصْبِحُ الْقَدِيمُ حَدِيثَاً نِسْبَةً لِمَا قَبْلَهُ ، وَيُصْبِحُ الْحَدِيثُ قَدِيمًا نِسْبَةً لِمَا بَعْدَهُ ، وَهَكَذَا دَوَالَيْكَ ؛ فَحَنَانَيْكَ !!
وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - ، قَالَ : قَالَ : رَسُولُ اللهُ
- صَلَّى الله علَيهِ وسلَّم - : «قيِّدُو العلمَ بالكتَاب» .

قَالَ الْعلماءُ : «ينبغِي أَن لا يخلُوَ التَّصنيفُ من أَحد المعاني الثّمانية ؛ الّتي تُصنِّف لها العلماءُ ؛ وهي :

أوّلاً : « اختراعُ معـدوم» ؛ أَي : لم تُسبَق إليه - فيما تعلم وتعتقد -.

ثانياً : « جَمِـعُ مُفتَـرقٍ » ؛ أي : مسأَلة مُشتّتة وَأَدلَّتُها في بطون الكُتب ؛ تَجمعها في كتاب واحد .

ثالثاً : «تكميـلُ ناقـصٍ » ؛ أَي : أنَّ الموضوع لم يكتمل فيه جانب من الجوانب ؛ فتُكمِلُه أَنتَ .

رابعاً : «تفصيـلُ مجمـلٍ» ؛ أي : أَنَّك تفصِّل المسأَلةَ شيئاً فشيئاً حتّى يذهبَ تراكم المعاني ، ويتضّح المراد .

خامساً: «تهـذيبُ مطـوَّلٍ» ؛ أي : أَنّك تلجأُ إلى الاختصار دون الإخلاَل .

سادساً: «ترتيـبُ مُخلَّـطٍ» ؛ أَي : أَنّك تقدِّمُ وتؤَخّر في ترتيب المادّة أوِ الموضوع.

سابعاً : «تعيـينُ مبهـمٍ » ؛ أَي : أنّك تعيّن وجود موضع خفيّ في مسأَلة أو نقطة أو نكتة لتظهرها ، وتجلّي أمرها .

ثامناً : «تبيـينُ خطـإٍ» ؛ أَي : أَنّك تصحّح خطأَ الغَير إذا أَيقنت صواب ما أَنت عليه.
وَأخيراً أرجو الله أن ينفع بها طلبة العلم ؛ المنتظرين من يفجِّر لديهمُ الطّاقات ، وَأن لا يحرم الأمّة من الإبداعات .

وهذا أَوان الشّروع في المشروع ؛ فأَقول - وبالله التّوفيق - :

المرحلـةُ الأُولـى
(التخصّص)
أُوصِي - والوصيّة غيـرُ مُلزِمـة ؛ بل مُعلِمة:
أَنْ تَسْتَجْمِعَ قُوَاكَ الْعَقْلِيَّةِ وَالذِّهْنِيَّة ؛ إذا عزمتَ أَمرك ، ووفَّرت مِدَادك ، وَشَحذْت قلمك .
وَأَنْ لاَ تَخْرُجَ عَنِ اخْتِصَاصِكَ فِي أَيٍّ مِنَ الْفُنُونِ الْعِلْمِيّة ؛ الَّتِي دَرَجْتَ عَلَيْهَا ؛ وهذا أمرٌ طبيعيٌّ ؛ لأنّ العلوم تعود إلى أَصلين لا ثالِثَ لهما - فيما أعلم - :

الأَصل الأَوّل : علوم تُدرك بالعقل ؛ خاصّة فيما يتعلّق بالحواسّ عند أنواع المخلوقات.
والأَصل الثّاني : علوم تدرك بالنّقل - أَو فيما يسمّيه البعض بالسّمعيّات أَوِ الخبريّات -؛ وهي الّتي لا تُدركُ إلاّ عن طريق الشّارع والشّرع ، وَأَمّا العقل ؛ فلا مجال له فيها سوى التّلقّي والتّسليم .

فالتّخصُّص والتّنوّع مطلب طبيعيٌّ لدَى الإنسان لا مفرّ له منه .

ومن المعلوم - أَيضاً - : أَنّ الاختصاص له أَهمّيةٌ من حيث الإتقانُ ، والقوّةُ ، والإبداعُ ، والإحاطةُ ، وقلّةُ الوقوع في الأخطاء ، وعدَمُ الاختصاص قد يوقعك في مزالقَ ؛ أَنت عنها في غَـناء ، وقد ذُكِر عن العلماء :
( مَنْ تَكَلَّمَ فِي غَيْرِ فَنِّهِ ؛ فَقَدْ أَتَى بِالْعَجَائب) .

وقالوا - أَيضاً - :
فَاعْنَ بِهِ وَلا تَخضْ بالظّنِّ ... وَلا تُؤيّدْ غيرَ أَهل الفنِّ

وقالوا - أَيضاً - :
«منْ تكلَّفَ ما جهل ، ولم تـثبِّتْه المعرفةُ كانت موافقـتُه للصّواب غيـرَ محمودة ، وكان خطؤُه غيـرَ مغفور ؛ إذا ما نطق فيما لم يحط به علماً» .

وقالوا - أَيضاً - : «لوْ تأَمّل المتأمّل بالنّظر العميق ، والفكر الدّقيق ؛ لَعلِم أنّ لكلّ علمٍ خاصِّيةً».

وقالو - أَيضاً - : «لولا أهلُ المحابر ؛ لخطبة الزّنادقة على المنابر» - وليس اليوم إلاّ هم يخطبون - !!

وقالوا - أَيضاً - : «أَهلُ الحديث أَعظم درجةً من الفقهاء » .

ولذَا ؛ فقد درج العلماء قديماً وحديثاً على الاختصاص ؛ فجعلوا - مثلاً - :

المحدِّثُ : منوط به دراسةُ علم الحديث روايةً ودرايةً ؛ جرحاً وتعديلاً ؛ فهو كلّ شيْء صدر ؛ من حديث ، أَو خبر ، أَو أَثر ، وما يتعلّق بها من أَحوال الرّواة .

الأُصولِيُّ : مَنُوطٌ به علم دراسة الأحكام الشّرعية من أَدلَّتها الأُصوليّة ؛ مثلِ : القرآن ، والسّنّة ، والإجماع ، والقياس ... إلخ ، وكيفيّة دلالالتها اللّفظية والحُكميّة ؛ من أَمرٍ ، وَنهي ، وعامّ ، وخاصّ ... إلخ.

الفقيه : منوط به قسمُ العبادات ، وَقسمُ المعاملات ، أَوِ السّياسة المدنية ؛ فهو المطلوب منه أَن يقعّد القواعد الفقهيّة ؛ الّتي تُبنى من خلال علم الأُصوليّ .

المفسِّر : منوطٌ به علوم القرآن ؛ من التفسير ، ومعرفة أسباب النّزول ، وآيات الأحكام ، والجمع ، والترتيب ، ومعرفة المكّيّ والمدنيّ ، وغير ذلك .

المتكلِّم : منوط به علم المخاصمة ، والرّدّ على الفرق الضّالّة الأَربع ؛ من اليهود ، والنّصارى ، والمشركين ، والمنافقين ، وأزيد : الشّيعة ؛ فهم بحاجة إلى أمثال شيخ الإسلام ابن تيميّة ؛ لذا لا أَنصح المبتدي بمحاولة مقارعتهم .
(ملحوظة ) : غالب علماء الأصول ؛ من أَهل الكلام ؛ بلا ملام !

الواعظ : منوط به علمُ التَّذكير بآلاء الله : كخلق السّموات والأَرَضِين ، وإلهام العباد ما ينبغي لهم ، وبيان صفات الله القولية ، والفعلية ، والذّاتية ، والتّذكير بأيّام الله القادمات، والجنّة والنّار وغير ذلك .

أَخي الطّالبُ !
ذكرنا بعضَ الأمثلة على أَهميّة الاختصاص ؛ وهي أَهمّ مراحل التّأْليف ؛ بل هي جُمّاعُ التّصنيف .

المرحلة الثّانية
أَوّلاً : عليه أن لا يتعجّل في إخبار النّاس لأَيٍّ كان ، ويستعينَ على إنجاح حاجته بالكتمان؛ لأنّ القاعدة تقول : (من تعجّل الشّيء قبل أَوانه ؛ عوقب بحرمانه ) ؛ لكن نستثني من هذه القاعدةِ شيخَك ؛ لأنّه دائم الاطّلاع ، خرّيت الباع ، ثمّ الأستاذ أعلم منك بدون نزاع.
وزد على ذلك :

- أنّ شيخك يوفّر عليك الوقت والْمَقْت .
- وأنّ شيخك لا يمنع الخير عنك .
- وأَنّ شيخك أَعرف منك بقدراتك .
- وأنّ شيخك يستر عليك عيوبك .
- وأنّ شيخك يحبّ لك الخير ، ولا يتمنّى زوال النّعمة عنك .

ثانِياً : أَنْ تُحَاوِلَ اخْتِيَارَ مَوْضُوعٍ لَمْ تُسْبَقْ إلَيْهِ ، أَوْ بِمَعْنًى آخَرَ : أَنْ تُحَاوِلَ إضَافَةَ شَيْءٍ جِدِيدٍ إلَى الْمَكْتَبَةِ الإسْلاَمِيَّةِ ؛ وَهَذَا مِنْ مَقَاصِدِ التَّأْلِيفِ ؛ الّتي ذكَرناها في السّابق ؛ لأَنّ تحصيل الحاصل في المنطق باطل .
ومعرفةُ اختيار موضوع ؛لم يُسبق إليه المصنّف من الجموع ؛ متعذِّرٌ إلاّ من إحدى هذه الطّرق :

- أَنْ يَعْتَمِدَ المؤلّف عَلَى سَعَةِ اطِّلاَعِه ، وَتَنْقِيبِهِ بِذِرَاعِه .
- أَنْ يَلْجَأَ إلَى شُيُوخِهِ لِمَعْرِفَةِ ضُلُوعِه ، وَتَحْدِيدِ مَوْضُوعِه .
- أَنْ يَلْجَأَ إلى الأَسَاتِذِة لِيَسْتَغْنِي عَنِ التّلاَمِذَة .
- أَنْ يُرْكِزَ جُلَّ اهْتِمَامِه عَلَى الْقَدِيمِ بِرُمَّتِه .
- أَنْ ينظر في فِهرس المخطوط والمطبوع ؛ من المكتبات ، والكلّيات ، والجامعات.
ثانِياً : أَنْ يجمع الْمَصَادِرَ وَالْمَرَاجِعَ .
ثَالِثاً : عليه أَن يبدأ برسالة صغيرة ، يضمِّـنُها مسألة واحدة ، ولا يحاول المزيد ؛ حتّى يتفرّس في التّعريـف ، ويتمرّس في التّأليـف .

المرحلة الثّالثة
1- يُكتبُ العُنوانُ على ورقة مستقلّة .
2- يحبَّذ أن يكون العُنوان على القافية ؛ مثل : (كَفُّ الدّموع عن الموجوع ) .
3- تُكتبُ أَرقام الصّفحات أعلى الصّفحة ناحيةَ الشِّمال ؛ فهو أسرع في النّظر .
4- تُكتبُ البسملة في وسط الصّفحة وأعلاها.
5- تُكتبُ تحتَ البسملة ؛ هكذا :
- مقدّمة المؤلّف - .
6- تكتب خطبة الحاجة ، ولا ضير في التّنوّع ؛ هكذا :
إنّ الحمد لله ؛ نحمده - إلى - : من يهده الله ؛ فلا مضلّ له - إلى - :
وَأشهد أن لا إله إلا الله - وحده لا شريك له - .
وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله .
أمّا بعد … إلى نهاية خطبة الحاجة .
7- ثمّ تُكتبُ الأسبابُ الّتي دفعت لكتابة مثلِ هذا الموضوع .
8- ثم تدخل في الموضوع فتقول - مثلاً - :
أخي القارئ ! إليك الرّسالة : …
أو تقول : وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين .
ثمّ تبدأ الموضوع مباشرة - مثلاً - :
- البابُ الأَوّلُ -
وفيه مسائلُ :
المسألة الأولى : مفهوم الصّلاة
قال - تعالى - { كذا ، وكذا } .
قال العلماء في تفسير هذه الآية : «كذا وكذ » .
وجاء في الحديث عن رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - كذا وكذا .
المسألة الثانية : حكم تارك الصّلاة :
قال الجمهور : كذا ، وكذا … إلخ .
قال شيخ الإسلام : كذا ، وكذا … إلخ .
المسألة الثّالثة : التّارك لها كسلاً … إلخ .

8- لا تميّع الرّسالة العلمية بتطويل الكلام وتمطيطه .
9- ثمّ تكتب خاتمة للكتاب .
10- ثم عَمل فِهرس للآيات ، والأحاديث ، والمواضيع .

الهوامش والحواشي
بعضُ النّاس يخلِط بين ما يسمّى بالحواشي وبين ما يسمّى بالهوامش ! ويظنّ أنّهما شيءٌ واحد .
وهذا خطأٌ ، والصّواب :
أنّ الهامش : ما كان على جانب الصفحة .
وَالحاشية : ما كانتْ أَسفلَ الصفحة وتحتَ الكلام ؛ يفصل بينَهما خـطٌّ مُعـتَرض .
أمّا الهوامش ؛ فقد ظهر وَعْـرُها ، وانتهى دَوْرُها ، وانقرض عصرُها ؛ فلا أَنصح أحداً - لا من أهل العلم ولا من طلاّبه ؛ بحكم خبرتي - أَن يلجأَ إلى أُسلوب وضع الهامش على جانب الصّفحة ؛ لِـمَا فيه من صعوبة بالغة ؛ من حيثُ تصغيرُ الكلام ، وتكبيرُه ، والإضافةُ عليه ، وحذفُ بعضه ، وبالتّالي سيُـؤَثِّـر على الكتاب بشكل عامّ.

وَأمّا الحاشية ؛ فهذا أَمرٌ طيِّب ؛ بل لا بد منه في كلّ كتاب ، وإثبات الحواشي له فوائـدُ عديـدٌ ؛ منها :

أولاً : يميّزُ المتـنَ من الحاشية .

ثانياً : يميّز كلام المؤلِّف - أَو المصنِّـف - : من كلام المحقِّـق ، أَو المدقِّـق ، أَو الشّارح ، أَو الضّابط ، أَو المهذِّب ، أَو المخرِّج ، أَو المعلِّق ، أَو المراجع ... إلخ .

ثالثاً : الحاشية أَفضل موقع لعَزو المصادر ، والمراجِع ؛ المتعلِّقة بالآيات ، والأحاديث ، والكتب ، وأَقوال العلماء ؛ خاصّة فيمن عملُه قائمٌ على التّخريج ؛ فهو المسرح - الّذي من خلاله - يظهر فيه المخرِّج مهارته وبراعته .

رابعاً : وجود الحاشية للكتاب تجعل المتن مستقلاًّ ؛ لِـمَا له من أهمّيّة ؛ لأنّ المتن هو أهم ما يبحث عنه القارئ .

خامساً : من خلال الحاشية يستطيع المؤَلِّف أثناء كتابة المتن أن يشرح شيئاً - ما - ليس له علاقة بالموضوع ؛ لكنّ المؤلّف يرى أنّ القارئ لا بدّ له من الاطّلاع عليها ؛ فيضعها في الحاشية ؛ حتّى لا تُعكِّر صفْو الموضوع .

سادساً : يستطيع المؤلّف أنْ يضيف أَيّ شيء حتّى لو كان الكتاب في مرحلة ما قبل الأخيرة الّتي يذهب بعدها إلى دار النّشر للطّباعة .

سابعاً - وباختصار - : تُعـدُّ الحاشية مسرحاً كبيراً واسعاً من حقّ المؤلّف أن يصنع فيه ما يراه مناسباً ، دون غضاضة أَو فضاضة .

كلمة أخيرة : لكن ليس من اللاّئق أن تصبح الحاشية أكبر حجماً من المتن ؛ وذلك لعدَّة أسباب ؛ منها :
1- : أنّ الأَصل والأهمَّ في الكتاب هو المتنُ وليس الحاشيةَ .
2- : تضخيم الحاشية من شأْنِه أن يصيب القارئ بالملل والكلل ‍‍! ولأنّ خطّ الحاشية
- عادة - يكون أصغـرَ من خطّ المتن .
المؤَلَّـف ينقسم حجمه إلى أقسام ثلاثة :

الحجم الكبير : وهو الّذي ينبغي أن يكون مجلّداً ، أَو سِـفْراً ؛ فيسمّى : مجلّداً
والحجم الوسط : وهو الّذي يكون غلافاً ، ويسمّى : كتاباً .
والحجم الصّغير : وهو الّذي لا يزيد حجم ورقته عن (15سم) ، ويسمّى : رسالةً.
وليعلم الأخُ أنّ هذه المصطلحات ما أنزل الله بها من آيات ؛ لكنّها من الأمور الدّارجات في عالم دور النّشر للمطبوعات .

عمل الفهارس للكتاب :
أنا أقول : كلُّ كتاب - حتى لو كان كُـتَـيِّـبَاً - لا يوجَدُ فيه فِهرسٌ ؛ فهو كتاب ناقصٌ ،ولا يخْـدُم القارئ بالشّكل المطلوب .
فالقارئ - حسْب الأصول - ينظرُ أوّلَ ما ينظر إلى المقـدِّمة ، وإلى الفِـهرسِ ، وَأَنا شخصيّاً أفعل هذا ؛ لأَنّني أتعرّف على الكتَاب من خلالِـهِمَا .
أمّا طريقة عمل الفهارس ؛ فهي كالتّالي :

- إحضار (بطاقات) بيضاءَ .
- تكتب الأحرف الأبجديّة على البطاقات بخطّ كبير ؛ هكذا :
البطاقة الأولى حرف الهمزة (أ) ثمّ تضع تحته كلّ طرف حديثِيّ يبدأ بالهمزة
البطاقة الثّانية : حرف الباء (ب) ، ثمّ تضع تحته كلّ طرف حديثي يبدأ بالباء .
البطاقة الثّالثة : حرف التّاء (ت) ، ثمّ تضع تحته كلَّ طرف حديثي يبدأ بالتّاء .
وهكذا إلى آخر حرف من الحروف الأبجدية .
وفِـهرس التّراجم ، والرّواة على أُصول البطاقات .
وَأمّا فِهرسُ الموضوعات ؛ فليس على حسب البطاقات ؛ لأنّها شبه مستحيلة ‍! لكن عملها يكون حسب محتويات الكتاب :

فالكتاب إن كان حديثيّاً فيمكن أن تستخدم فيه أسلوب أهل الحديث .
وَأمّا إن كان الكتاب فقهيّاً ؛ فتستخدم فيه أُسلوب أهل الفقه .
وأخيراً إن كان الكتَاب عقائديّاً ؛ فتنظر إلى أسلوب كتب العقائد .
وهذا أمر يسير ؛ لا حاجة بنا إلى ضرب الأمثلة ، فيمكنك أن تنظر في أيّ مرجع من المراجع الحديثيّة ، أو الفقهيّة ، أو العقديّة ؛ ثمّ تعمل الكتاب على نسقه .

(علامات التّرقيم)
أخي الطّالبُ !
علامات التّرقيم - من وجهة نظري - هي من أهم المراحل الّتي يمرّ بها الكتاب ؛ خاصّة بعد جمع مادّته ؛ ومرجِعه ومصدرِه .

ومن منطلق الخبرة في هذا الفنّ أقول : إنّ الكتَاب الّذي يكون خِـلْواً من هذه (العلامات) - عند المقارنة والمقابلة - ؛ لا يمكِن أن يكون صالحاً
- تماماً - للقراءة والقرّاء ، أو الفهم والاطّلاع!

وقبل التّعرّف إلى (علاَمات التّرقيم) ومواضعِها ؛ يجب أنْ نقرّر ما يلي :
أوّلاً : تعدّ (علاماتُ التّرقيم) فنّاً قائماً بذاته ؛ أو : هي علم قائم بذاته ؛ وإن كان علماً مُستحدثاً من غير المسلمين - فسبحان ربّ العالمين - !!

ثانياً : إنّ (علاماتِ التّرقيم) رموزٌ اجتهاديّة ؛ ليس لها قواعدُ تضبِطها ، أو منهجيّة تحكمها .

ثالثاً : لهَا أهمّـيّة كبرى في عالم التّأليف ، خاصّة في عالَم التّحقيق والتّعليق .

رابعاً - وأخيراً - : من أهمّ الأغراض الّتي وضعت لأجلها (علامات التّرقيم ) : أنّها تُعين القارئَ على فَهم المعنى المراد من النّصّ ؛ وزد على ذلك : أنّها تزيـينـيّة .

أخي الطّالبُ !
إليك الآنَ علاماتِ التّرقيم :

(الْـفَاصِلَة ، الفَـصْـلَة ، الشَّـوْلَـةُ)
(،)
تُكتب في المواضع التّالية :
أوّلاً : بين الجمل المتلاحقة والمتعاطفة المختصَرة ؛ مثل :
«الحمد لله ، والصلاة والسّلامُ على رسول الله ، وعلى وآله ، وصحبه ، ومنِ اهتدَى بهديه ، واقتفى بخَطْوه ونهجِه» .
ثانياً : تكتب عند تَعداد أقسام الشّيء ؛ مثل :
الصّفات تنقسم إلى : قولـّيةٍ ، وفعليّة ، وذاتـيّة .

(الفاصِلَة المنقوطة ، والفَصلَة المنْـقوطة ، والشَّـولَةُ المنقوطة )
(؛)
وتكتب في المواضع التّالية :
أولاً : بين الجملة الطّويلة ، حتّى لو كان المعنى متّصلاً ؛مثل :
إنّ النّاس لا ينظرون إلى الزّمنِ الّذي عُمل فيه العملُ ؛ وإنّما ينظرون إلى مقدار جودته وإتقانه .
ثانياً : نكتبها قبل فاء السّـبَـبِـيّة - أو التّعليلية - ؛ أي : حين يكون ما قبلها سبباً فيما بعدها ؛ مثل :
(درَس محمّد ؛ فنجح) ؛ فالنّجاح نتيجةُ الدّراسة !
ثالثاً : وقد تُكتب - غالباً - قبل كلّ (فاء) زائدةٍ على الكلمة ؛ مثلُ :
(ابن تيميّة متعدّد الفنون والعلوم ؛ فلا غرابة أن يكون شيخَ الإسلام !!) .

( النّقطة ، النّقطة المربّعة ، الـوِقْـفة )
(.)
تكتب في المواضع التّالية :
أولاً : بعد نهاية كلّ سطر .
ثانياً : بعد نهاية جملّة تامّة لا تتعلّق فيما بعدها .
ثالثاً : تكتب - أيضاً- لفَصل نقل النّصّ الحرفيّ عن غيره ؛ فإنّ وضع الفاصلة - مثلاً - بين كلام المحقّق وكلام المؤلّف ؛ قد يحدِث إشكالاً وخلطاً ، أمّا (النّقطة ) - على
الغالب - ؛ فلا .

النّقطتــان (:)
وتكتب في المواضع التالية - مثلاً- :
أوّلاً : بـيْن فعل القول ومقُـوله ؛ كمِـثل قولِـنَا :
قال أهل السّنّة : الإيمان : قول ، وعمل ، واعتقاد .
وقالوا - أيضاً - : وكذلك الكفر : قول ، وعمل ، واعتقاد .
وقال أهل السّنّة والجماعة : مَن قال : الإيمان يزيد وينْقُص ؛ فلا يجوز أن يتّهم بالإرجاء.
ثانياً : أذا أردْتَ أن تشرح جملة ، أو تفصّل مسألة ؛ مثل :
كلمة التّوحيد : لا إله إلاّ الله ؛ وهي تتألّف من جملتين :
الأولى : جملة نفي ، والثّانية : جملة إثبات ؛ وهذا يعني :
أنّ الجملة الأولى : هي إعلان البراء من كل طاغوت يُعبد .
وأنّ الجملة الثّانية : هي إعلان الولاء لله المعبود بحقّ.

علاَمـة الاستفهـام الصِّرف (؟) (?)
تكتب في المواضع التالية :
أولاً : بعد نهاية السّؤال الصّريح ؛ مثل :
أين الله ؟
أين اليهود والنصارى ؟
أين المنافقون ؟
ثانياً : ما يفهم منه أنّه سؤال بالصّورة أو القرينة :
سألتُه عن المنهج السّلفي ؟ وعن العلاقة بين المنهج النّظري والمنهج التّطبيقي ؟

علامة الاستفهام الاستنكاري (؟!)
وتكتب في المواضع التالية :
توضع بعد استفهام بصورة الإنكار على شيء ؛ مثل :
أين عمر ؟!
أين صلاح الدّين ؟!
أين نخوة المعتصم ؟!
أين جيوش محمّد - عليه السّلام - ؟!
وهذا الصّورة دلالة على أنّك لا تسأل ؛ لكنّها خرجت مخرج التّقريع والتّوبيخ !!

النِّقـاط المتـتابعة (. . .)
وهي توضع - عادة - للدّلالة على أنّ هناك حذفاً ، أوِ اختصاراً ، أو...إلخ .

علامـة التّـعجّـب (!)
وقد تسمّى : علامةَ التّعجّب ، والانفعال ، والاندهاش ، والاستغراب ، والمفاجأة ، والتأسّف ، والتّهكّم ، والتأثّر ، والإغراء ، والتّحذير .
تكتب - غالباً - حين تنظر إلى واقع المسلمين !!!!

القوسان المزهَّران - أو الهلالان - : { }
تكتب بينها الآياتُ القرآنيّة - فقط - .

(قوسا التّنصيص ، أو : القوسان المزدوِجان ، أو : التّضبيب)
« »
يكتب قوسا التّنصيص في المواضع التالية :
أولاً : توضع الأحاديث النّبويّة القوليّة بينَهما .
ثانياً : من أجل نقل أيّ نصٍّ حرفيّ .
ثالثاً : يوضع داخلَها أسماء الكتب .

القوسان المعتادان - لا العاديان - ( )
بعض العلماء سمّاهما الهلالين .
وأنا أقول : هذا يحدث إشكالاً ؛ لأنّ الهلالين للآيات القرآنية {} ،وأمّا القوسان ؛ فلغير الآيات ؛ مثل :
أولاً : يوضع بينَهما كلام عامِّـيٌّ أثناءَ كلام فصيح .
ثانياً : يوضع بينهما كلمة غريبة ، أو شاذّة .
ثالثاً : يوضع بينَهما كلمة تفسّر ما قبلها .

القوسان المعكوفان - أو المعـقوفان - [ ]
يكتبان - غالباً- في المواضع التالية :
أولاً : إدخال كلام على النّصّ ؛ مثل :
و «صلّى - عليه السّلام - مرّةً - على المنبر فـ [ قامَ عليه ، فكبّر ، وكبّر النّاس وراءه ...]» .
ثانياً : يوضعان عند تصحيح خطإ في النّصّ المنقول حرفيّاً .

الجمل المعترضة توضع بين هاتين الشّرطتين : ( - - )

الشّرطة توضع بدل (قال ، وقلت ، والاسم ) - مثلاً - في الحوار ، أو المناقشة ، أو المناظرة ؛ مثل :
بدأت ملامح الاستغراب على وجه الطّالب حين قرأ كتاباتي ؛ فسألته :
- هل : قرأتَ كتاباتي ؟
- نعم .
- فهل استفدت منها ؟
- نعم .
- هل دعوت لي ؟
- نعم .
- فعلام - إذن - الاستغراب ؟
- لأنّنا لم نرَ بعضنا ، وكلّ ما بيننا الحديث عبر الإنترنت ؛ فيكف رأيت ملامح وجهي؟!!
- فضحك وضحكت !

أخي الطّالب :
أعود لأذكِّر بأنّ هذه العلامات ؛ هي اجتهاديّة ، وقد يزيد المرء عليها ، أو يغيّر فيها ، أو ينقص منها ، أو يبدّل مواضع بعض الرّموز فيها .

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين

وكتب
أبو حامدٍ السّـفّارينيُّ
- غفر الله له -
 

طلب العلم

  • مقدمة الموسوعة
  • منهجية الطلب
  • القراءة
  • دراسة الفنون
  • الحفظ
  • أدب الحوار والخلاف
  • متفرقات
  • المكتبة
  • الأفكار الدعوية
  • الموسوعة