اطبع هذه الصفحة


تمزيق (( الأقنعة )) العلمانية .. !

 
فلسفة العلمانية ومنهجها القائم على عزل الدين عن شؤون الحياة ، ومن ثم فاختزاله في أوضاع محددة ، لا شك أنها فلسفة مناقضة تماما لدين الإسلام ، ومصادمة كليا لأصول الشريعة وكلياتها ، وهي فلسفة نشأت وترعرعت في ظل ظروف بيئية وفكرية معينة ، وفي أوضاع اجتماعية ودينية معروفة ، ساعدت على نجاح هذه الفلسفة ، وتبوأها للصدارة في تلك البلاد ، إذ كانت قارب نجاة من جحيم التخلف والظلم والطغيان الكنسي الآثم ، فأتى بعض الأغبياء من قومنا فجاءوا بها ( كما هي ) ونقلوها لبلاد الإسلام ،معتقدين أن لا صلاح لنا إلا باعتناقها ، والسير في ظلامتها ..

مع أن السبب الذي قامت عليه هذه الفلسفة ليس موجودا بالأصل في بلاد المسلمين ، والدين الذي انقلب عليه أولئك العلمانيون ، ليس هو الدين الذي يريدوننا أن ننقلب عليه ، فجاء اولئكم المغفلين ( أو المستخدمين ! ) بها كما هي وأبوا إلا أن يلبسونا قميصا خيط لغيرنا ... !!

ولشناعة هذه النظرية ومناقضتها التامة الصريحة للإسلام ، فقد نفرت منها المجتمعات الإسلامية قاطبة ، ولفظتها ولم تستسغ هضمها ، فرفضتها بالكلية ، ولم تجد هذه العلمانية البئيسة أي اثر أو انتشار لها لدى الشارع الإسلامي البسيط !

وبقيت العلمانية تسمع صدى نفسها من خلال اطروحات ( نخبها المثقفة ) وتعدد ( ندواتها المتكلفة ) بلا تأثير يذكر ، في فكر المجتمع أو سلوكه أو أدبياته

وفي مجتمعنا خاصة .. تجد هذا النفور اشد وضوحا ، وأكثر جلاء ،من هذا المصطلح ، ومن جميع المنطوين تحت عباءته ، وتلبس أي فرد من المجتمع بمثل هذه الأفكار ، كاف جدا لمحاصرته ومقاطعته من أفراد مجتمعه بل وحتى من أقاربه وأهل بيته !

بل وحتى من كان له ميل أو تعاطف مع العلمانية أو بعض رموزها ، أصابهم شي كبير من هذا النفور والتقاطع مع المجتمع وأهله .

ولقد الفت مسامعنا واعتادت إبصارنا خروج بعض ( الملوثين بهذه الأفكار ) ليبرئ ساحته من العلمانية ، ويدفع عنه مغبة هذه التهمة ، بل حتى قال بعضهم : انه لا وجود لأي علماني في هذه البلاد !

وهذه بعض الشواهد على الرفض الشعبي الكبير لهذه الفلسفة الآثمة ، ولأفكارها ، ومنظريها ..

ففي هذا المجتمع .. حيث التدين ظاهر .. والشعائر قائمة .. والعلم منتشر .. والنصوص مقدسة .. والشريعة محكمة ..

لأجل هذا وغيره لم يتمكن العلمانيون من مصادمة المجتمع كله بهذه الأفكار الصريحة ، فلجأوا إلى أسلوب جديد من أساليبهم الرخيصة ، التي يصوغونها ويقلبونها بحسب المجتمع كصنيع تلك الحرباء .. فلم يسع العلمانيون إلا التمسح و ( التقنع ) بالنصوص ، مع أنهم لا يرون للنص قدسية في الأصل ، ولكن جعلوا النصوص سلالم للوصول لغاياتهم ، واتخذوا من بعض النصوص أقنعة يتسترون بها ، ويخادعون بها الناس ، وما عليك سوى أن تخلع هذا القناع الجميل ، ليبدو لك الوجه البشع القبيح .. !

فالهدف واحد هو ( عزل الدين عن الحياة ) ، والأقنعة متعددة ، فإلى عرض وتمزيق بعض هذه الأقنعة .. !

القناع الأول : انتم اعلم بأمور دنياكم .

وهذا القناع في ظاهره نص نبوي شريف ، والتسليم به واجب على كل مسلم ، فالشؤون الحياتية والمعاملاتية قائمة على ساق الإباحة والسعة ما لم تخالف نصا شرعيا ..

لكن الإشكالية أن يأتي ( المتقنع ) بهذا الحديث ليمرر فكرته الداعية إلى أن أمور الدنيا كلها مباحة وتبع للمصلحة ولا رأي للشرع في شي منها ، ولأجل ذا فتوجيه سؤال واحد كاف في تجلية هذا القناع ، وبيان زيفه وغشه : السؤال هو : ماذا عن النصوص الشرعية المحرمة لبعض المعاملات والنشاطات المتعلقة بالشؤون الحياتية .. !

فليجب حينها ..ثم ا سمعوا .. !

القناع الثاني : التفريق بين الشريعة والفقه .

فتكون القداسة والاحترام هي للشرع الذي هو النص ، وأما الفقه الذي هو فهم النص فهذا مما تختلف فيه الافهام والاتجاهات ، والقارئ لهذا الكلام في بادئ الرأي يرى فيه تعظيما للنص وتقديسا للشرع لكنه في حقيقته سلخ للدين من مضمونه وإبقاءه طقوسا جوفاء لا تحمل دلالة ولا معنى ملزم .. !

نعم ... فليس الفقه المستفاد من الشرع هو المقدس المحترم في المسائل الاجتهادية التي وقع فيها الخلاف المقبول المنطوي تحت ما يسوغ فيه الاجتهاد ، فليس قول صحابي أو عالم بأولى من قول غيرهم ، لكن أن يعمم هذا في كل فهم للنص ، ويسوغ أي تفسير للشرع ، يصل بنا في نهايته إلى تعطيل تام للنصوص ، وعزل كامل للشرع عن أية حجة أو بينة ، ويبقى دين رب العالمين لفظا جامدا أجوفا يصلح للشي وضده ! وللشرك وللتوحيد ! وللإثبات والنفي !

وذلك أن كل النصوص الشرعية بلا استثناء ، وكل أصول الإسلام ومبانيه الكبار ، وكلياته العظام ، كلها بدءا من الشهادتين وبقية أركان إلى البعث والحساب والجنة والنار ، وتوحيد البارى في ربوبيته والوهيته وأسماءه وصفاته ، وغيرها كثير ، كلها قد وقعت فيها تفسيرات متعددة من المنتسبين للإسلام !

وإذا لم نقطع بقدسية فهم معين لها ، ولم نحترم فقها واحدا لها ، فهذا يعني أن نصحح مذاهب الفلاسفة والقرامطة والباطنية والنصيرية والحلولية مع مذهب أهل السنة والجماعة ، ونراها كلها مجالات صحيحة لتفسير الإسلام !

ويكفي هذا اللازم توضيحا لفساد هذا القول ، وفظاعته وشناعته ، وربما لا يقصد قائله هذه الغاية القبيحة ، وإنما أراد بها التلصص والتدرع لا غير .. !

وهذا القول في غايته عزل للدين عن أي تأثير في شؤون الحياة إذ أي نص يصدمون به سيتعللون بأنه ما فهمه العلماء منه ليس هو المقدس ، بل له فهم أخر .. !

القناع الثالث : تقديم المصلحة على النص .

وربما يتمسح ( المتقنع ) ببعض النصوص الدالة على اعتبار المصلحة وبيان أثرها في الأحكام الشرعية ، وكأن الخلاف مع أهل الأقنعة هو في كون المصلحة معتبرة شرعا أو غير معتبرة !

وهذا مما لاشك فيه ..

بل وحتى تقديم مصلحة ما على فهم نراه لبعض النصوص ، في بعض النوازل والمواقف ، فهذا قد يكون مما يسوغ فيه الخلاف نظرا لتفاوت الناس في فهم النص ، وتفاوتهم أيضا في تقدير حجم هذه المصلحة .
لكن الذي لا يمكن أن يقع فيه الخلاف أبدا هو ما يتستر به المتقنع من جعل المصلحة مقدمة على النص مطلقا ، بلا قيود شرعية ، ولا ضوابط فقهية ، وتعطيل الحكم الشرعي عند ا ي مصلحة يراها ، وجعل هذا منهجا عاما مطردا ، فان هذا في حقيقته عزل للدين عن أي تأثير مع وجود أية مصلحة ولو متوهمة .. !

القناع الرابع : قولهم : الشريعة مقدسة معظمة ، لا يجوز المساس بقدسيتها ، ولا التعدي على مكانتها ، أو تدنيس طهارتها ، وشؤون الحياة لا تخلو من الهوى والشهوة والحيل ، التي لا يرضاها العاقل ، وإدخال الدين في هذا تعريض له للتدنيس والتلويث !

والمتقنع هذا لم يزد شيئا سوى أن أعطانا المنهج العلماني بأسلوب أكثر تهذيبا فقط !

بل الواقع أن فعلهم هذا هو الذي فيه التدنيس والتلويت والاهانة .
والا .. فلم لا نحكم بالنص الشرعي في شؤون الحياة ، ونطهر به الحياة ، ولا نعطله ، فنهينه وندنسه .. !

القناع الخامس : أن الشريعة الإسلامية لم توجد نظاما سياسيا ، أو اقتصاديا محددا ، وإنما المجال مفتوح للمسلمين لأخذ أفضل الأنظمة ، وأصح الطرق والمناهج ، لصياغة شؤون حياتهم ومجتمعاتهم ، ولهذا المتقنع نقول : أن لم تضع الشريعة نظاما فقد وضعت أحكاما ، فأين ذهبت عنها أيها المتقنع !

فليس عدم وضع نظام محدد يعني عدم وجود أية ضوابط أو أحكام يجب تطبيقها مع أية نظام يتم تشكيله !!

==

هذه هي العلمانية ، وهذه هي بعض أقنعتها ، ولا يمكن إحصاء جميع هذه الأقنعة ، إذ للقوم في كل واد قناع وقناع ، غايتها عزل الدين عن الحياة وإخراجه عن أي تأثير في شؤون الحياة ، ووسيلتها : تمر عبر التستر تحت هذه الأقنعة والاتقاء بها .

فأينما رأيتم ـــ يا عباد الله ـــ هذه الأقنعة فمزقوها ، وشاهدوا وجهه الحقيقي مباشرة ، وأينما رأيتم من يمرر فكرته متقنعا بكون الشريعة قد وسعت وأباحت فشدوهم من آذانهم واسألوهم عن الأحكام الشرعية المتعلقة بشؤون الحياة والمجتمع والاقتصاد والسياسة ، ما قولهم فيها :-
وانزعوا أقنعتهم ، وادعوهم ليجيبوا

وكتب المارقال
في 7 / 10 / 1424 هـ

 

مذاهب فكرية

  • كتب حول العلمانية
  • مقالات حول العلمانية
  • الليبرالية
  • الحداثة
  • منوعات
  • رجال تحت المجهر
  • الصفحة الرئيسية