اطبع هذه الصفحة


لماذا تفشل مؤتمراتهم للسلام؟

زياد آل سليمان


ما يُسمى بمؤتمر السلام القادم مع الكيان الصهيوني ليس الأول من نوعه وإن كان رئيس الوزراء الصهيوني وتقليلاً من حجمه يفضل تسميته بـ"اجتماع"، ووصفه بقوله: "إن أنابوليس ليس للتفاوض بل للتحريك..!"، إذاً فإنه يأتي كمحاولة لإحياء اتفاقيات ومخططات سابقة، تلك الاتفاقيات والمخططات التي قُتلت من كثرة محاولات الإنعاش لها بلا جدوى، وسُرعان ما تنهار وتتحطم كل محاولة، فتصبح {... هَبَاءً مَنْثُورًا }، كما أخبرنا الله عز وجل: {وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ}. تجتمع الوفود وتوجه الدعوات وفي الأماكن السياحية يكون اللقاء، وتلتقط الصور، وتوزع الابتسامات، وترصد الميزانيات، فلماذا الفشل إذاً؟ وللإجابة عن هذا التساؤل فإن علينا أن ندرك ما يلي:

1- هذه المؤتمرات لا تحمل في حقيقتها من السلام سوى رسم الكلمة (السلام) مفرغة من المضمون تماماً، لتغدو عملياً في قاموس الشعوب الإسلامية وذاكرتهم تعني: التنازل والتطبيع والاستسلام والذل والهوان.

2- الكيان الصهيوني يشارك في هذه المؤتمرات هروباً من المواجهة مع المقاومة، لتصبح هذه المؤتمرات جزءاً من الجدر التي يحتمي بها {لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ…}، ويلتف من خلالها عن المواجهة ليطعن المقاومة بيد الطرف الآخر المُفاوض فهو عاجز حتى على أن يكون هو اليد، بل حتى الخنجر فإن الولايات المتحدة وحلفاءها هم من سيوفره ويدفع ثمنه..!

3- التنازلات المقدمة من الطرف العربي تتعلق بقضايا مصيرية تقابل بقضايا وهمية من قبل الكيان الصهيوني الذي يتحدث عن الإفراج عن الأسرى ممن انتهت محكوميتهم أو قاربت على الانتهاء، وعادة ما يقوم بعمليات اعتقال واسعة قبل المفاوضات، وأما إيقاف الاستيطان فإن المراد به إيقاف بناء المستوطنات الجديدة، ولا يعني إيقاف توسيع المستوطنات القائمة، وغالباً ما تتم مصادرة مساحات من الأراضي الفلسطينية قبل المفاوضات، وكذلك الحال بالنسبة للحواجز، فقد نقل دوف حنين، عضو الكنيست من الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، عن حركة "نساء ضد الحواجز- محسوم ووتش" عن فضيحة تكشف تورط إيهود براك بالكذب، وتقديمه قائمة وهمية إلى وزير الخارجية الأمريكية، بأسماء حواجز مختلقة ادعى بأن إسرائيل قد أزالتها علما بأنها لم تكن موجودة أصلا! ولا معنى لمقابلة القضايا المصيرية والأساسية بتلك القضايا..! فهذا تقزيم للقضية، وكيف لرعاة السلام أو المشاركين فيه قبول المشاركة أصلاً قبل تسوية تلك القضايا الإنسانية العادلة..!

4- من نقاط الفشل أن الطرف الفلسطيني المفاوض لا يمثل سوى نفسه، وليس له أية شرعية لا دستورية ولا قانونية وطنية ولا دينية، وهذا ما أوضحته بجلاء نتائج الانتخابات البلدية والتشريعية الأخيرة، بل أبعد من هذا اقتصار المفاوضات على بعض القضايا المتعلقة بالشعب الفلسطيني وتجاهل حق أمة محمد صلى الله عليه وسلم في تلك الأرض المباركة. وإن كان المفاوض الفلسطيني السابق يمتلك غزة وأريحا، فإن المفاوض الحالي لم يعد بيده سوى المنطقة الخضراء (المقاطعة)، وتقف اليوم الفصائل الفلسطينية كلها ضده ويتضح ذلك من خلال المؤتمرات التي عقدت في غزة، وأما على مستوى أوسع فملتقى القدس الدولي الذي انعقد في تركيا يوضح ذلك أيضاً.

5- ويتبع ما سبق أن ما يتم التفاوض عليه لا يملك أحد الحق في التفاوض حوله، فمن يملك الحق في التنازل عن شبر من تلك الأرض المباركة؟! أمن يملك الحق في التنازل عن حق أمة محمد صلى الله عليه وسلم في المسجد الأقصى؟! ومن يملك الحق في الحيلولة دون المسلمين ودون شد الرحال للمسجد الأقصى؟! ومن يملك الحق في قلب الحقائق القرآنية والنبوية؟! اليهود قتلة الأنبياء وصفهم المولى عز وجل بقوله:{لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} كيف يصيرون اليوم إرضاءً للبيت الأسود شركاء حقيقيين في السلام؟!

6- الأفعال الصهيونية على أرض الواقع تنسف كل شيء، وتمضي بخط متواز مع ما أخبرنا به الله عز وجل عن أفعالهم وأخلاقهم وجرائمهم {... كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ } {...ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} ولست بصدد الحديث عن تلك الآيات والأحاديث أو تلك الجرائم والمجازر التي قام عليها الكيان الصهيوني ولا يزال يقتات عليها، ولعل من بين تلك الأفعال ما تناقلته الأنباء حول قيام جمعية إسرائيلية شبه حكومية مسؤولة عن إدارة حائط البراق والأنفاق بالبدء في تنفيذ مشروع سياحي جديد لحفر نفق بطول مائة متر يمر تحت البيوت في الحي الإسلامي في البلدة القديمة في القدس المحتلة، ما جعل الجامعة العربية تصدر بياناً تستنكر فيه – وطبعاً بشدة – وتطالب الأمم المتحدة واليونسكو واللجنة الرباعية بالتدخل الفوري لوقف تلك الانتهاكات ومنع الحكومة الإسرائيلية من المصادقة على هذا المشروع الذي يتعارض مع أحكام اتفاقيات جنيف الرابعة لعام 1949م واتفاقية لاهاي بشأن حماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح لعام 1954م، والاتفاقية الخاصة بحماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي لعام 1972م، وجميع القرارات الدولية ذات الصلة، منبهة إلى أن هذه الأعمال فضلا عن كونها غير قانونية فإنها تقوض الجهود المبذولة حاليا لاستئناف عملية السلام وتتعارض مع إجراءات بناء الثقة اللازمة لانعقاد المؤتمر الدولي للسلام المزمع عقده في أنابوليس بالولايات المتحدة الأمريكية... ومع هذا فالوفود توافدت حتى لا يفوتها موسم السلام في أنابولس..!

7- عادة ما ترتبط تلك المفاوضات بظروف خاصة لا علاقة لها بتحقيق ما يسمى بالسلام، وفي هذا المؤتمر فإن الأمر يتعلق باستعدادات الإدارة الأمريكية لحرب قادمة، وهي بحاجة لإرضاء العرب ولو مؤقتاً، يوم واحد وأكثر من أربعين وفداً، بوش الذي قضى على دولتين (العراق وأفغانستان) وشارك في القضاء على الثالثة (الصومال) ويخطط للقضاء على البقية، يعد اليوم بإنشاء دولة فلسطينية تذكرها مع اقتراب نهاية ولايته ليسجل خاتمة إيجابية، مع الاستعداد لحربه القادمة لضرب الاقتصاد العربي في الخليج، وقرب انسحابه من البيت الأبيض والعراق وإعلان حلفائه أن طالبان تسيطر على 54% من أفغانستان، أما أبو مازن الذي لم ولن يقدر على القضاء أو إيقاف المقاومة رغم كل الدعم الذي قُدم له ولأعوانه، عباس لم يبق له في السلطة سوى عام وهو يبحث عن الشرعية في أنابوليس بعدما فقدها في غزة والضفة..! ولو التزم باتفاق مكة لحافظ على تاريخه ولكنه بجرائمه وغدره قضى على نفسه، وأولمرت الذي يلاحق بسبب قضايا الفساد وبقايا الحرب الفائتة وسط غياب القيادات المؤثرة والقوية في الكيان والخلافات الداخلية فهم كما وصفهم الله عز وجل: {... بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ}، أضف إلى ذلك فقدان ما يُسمى بقوة الردع التي طالما بناها الكيان الصهيوني من جماجم وأشلاء الأبرياء من الأطفال والنساء، ولقد صرح الجنرال "يوسي بيليد" قائد المنطقة الشمالية السابق في جيش الاحتلال بأن (إسرائيل) فقدت قوة الردع في حرب لبنان الثانية وتعاني تضخماً في القيادة، إلا أنه اعتبر أن الحرب الأخيرة قربت الحرب القادمة بشكل دراماتيكي.
ولذلك فقد توقع عضو معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى السفير دنيس روس أن يكون مؤتمر أنابوليس مؤتمراً شكلياً يطغى عليه طابع الرسميات وإلقاء الخطب، وقال روس الذي أدى دوراً مهماً في صياغة اتفاقيات أوسلو للسلام في تسعينيات القرن الماضي "هناك عدم ثقة بمؤتمر أنابوليس لأننا نطلب من سياسيين ضعفاء تقديم تنازلات تاريخية".
8- من أسباب الفشل فقدان الوفد المفاوض العربي لأي أوراق ضغط وأولها وأقواها المقاومة، التي لولاها لما جاءت السلطة الفلسطينية من تونس ابتداءً، بل إن من يقضي اليوم على المقاومة ويفاوض إنما يشارك في قتل نفسه عاجلاً أم آجلاً وما الرئيس الراحل عنهم ببعيد..!

9- تعتمد تلك المؤتمرات على مبدأ التطبيع الذي لا يمكن تطبيقه على أرض الواقع، بل إن محاولات بعض الأنظمة تطبيقه أدت إلى المزيد من الكراهية والرفض للكيان الصهيوني وجرت على تلك الأنظمة المزيد من الخلافات الداخلية والاضطرابات السياسية.

10- الأطماع اليهودية لا تتوقف عند حد معين مما يجعل تلك المؤتمرات مجرد أوراق لا معنى لها عند التطبيق، وكمثال يسير بماذا سنفسر تلك العملة الصهيونية المتداولة في كل البنوك العالمية وقد رسم عليها خريطة ما يسمى بـ"إسرائيل الكبرى" متضمنة مساحات من الدول التالية: فلسطين والأردن ولبنان وسوريا كاملة وأجزاء من مصر والعراق والسعودية والكويت، فهل بقي مجال للحديث عن الأمن القومي العربي؟!.. إن إيقاف التطبيع مع الصهاينة ليس حماية للحق الفلسطيني بل لحقوق المسلمين في تلك الأرض وذلك المسجد وحماية للدول العربية من الأطماع الصهيونية.

بالرغم من أن الحكومات العربية قبلت بالاعتراف بالكيان الصهيوني بل بحدود 1948م وحديثهم اليوم يدور حول إنهاء الاحتلال في الأراضي المحتلة سنة 1967م ومع هذا فقد تجاهل الصهاينة كل تلك التنازلات، ليخرج المفاوض الصهيوني اليوم مطالباً بالاعتراف بيهودية الدولة ليسقط حق العودة بل ويمهد لتهجير عرب الـ 48، ويدور الحديث اليوم عن مبدأ تبادل الأراضي، سيبدلون الأراضي، ويمنحونكم أراضي قاحلة مملوءة ببقايا المواد الكيماوية والنفايات، بعد أن يأخذوا الأرض التي توجد بها المياه الجوفية، ولكم أن تتخيلوا أي قيمة لأي أرض مقابل أرض بيت المقدس..!

وفي الختام وقبل إعلان فشل اجتماع الخريف ينبغي علينا ألا ننسى تلك السواعد المباركة والأيدي الطاهرة والنفوس الأبية والقلوب الشجاعة التي تُقدم حين يحجم أولئك، وتضحي حين يبخل أولئك، وتثبت حين يتنازل أولئك، وتشمخ حينما ينكسر أولئك، وتعز حينما يذل أولئك، وتحمل الراية بينما يبيع أولئك ويشترون، إنها المقاومة الفلسطينية التي ضربت لنا أروع الأمثلة في التضحية والشجاعة والبطولة والإقدام والفداء، إن مجموعة من المجاهدين ترفع أكف الضراعة لله بأن يسدد رميها وتضرب ذلك الكيان وتمرغ أنفه بالتراب وتحطم أسطورة قوته، لكفيلة وحدها بالقضاء على كل تلك المؤامرات والمؤتمرات والاتفاقيات والتنسيق الأمني والحرب على دين الله والمخططات للتهويد أو هدم المسجد الأقصى، فإلى الأمام ولو كان للشعوب الحق في الاستفتاء لما اختاروا سواكم يا طلائع الإسلام وبشائر النصر، يا أيها المرابطون في بيت المقدس وأكنافه، وهنيئاً لكم هذا الشرف والمجد، فأنتم الأحياء في زمن الأموات، وأنتم الكبار في زمن الصغار، وأنتم الأمل في زمن اليأس، وأنتم النصر في زمن الهزيمة، فإلى الأمام يا كتائب الإيمان.


 

فلسطين والحل
  • مقالات ورسائل
  • حوارات ولقاءات
  • رثاء الشيخ
  • الصفحة الرئيسية
  • فلسطين والحل