اطبع هذه الصفحة


الفرار من المحاكمة !

زياد آل سليمان


كم هي فرحة الأم وسعادتها ومشاعرها وعاطفتها عندما تعلم بحملها، وكم هي فرحة الأب والأسرة وهي تنتظر المولود الجديد...
غير أن هذه الفرحة والسعادة والسرور ستنقلب هماً وحزناً وألماً، بل خوفاً وفزعاً وهلعاً إن كان الطفل القادم سيولد مشوهاً، غير قادر على الحياة أصلاً، وهو الذي لم ير النور بعد!...
هذا شيء مما صنعته آلة الموت والقتل والدمار والخراب الأميركية والبريطانية في العراق، وخاصة في مدينة الفلوجة التي أرقت الاحتلال، فبعد معركة الفلوجة الثانية في نوفمبر 2004م، أكد خبراء في الصحة والبيئة أن الأسلحة المحرمة التي استعملت فيها أهلكت الحرث والنسل، حتى أصبح أغلب مواليد الفلوجة بعد ذلك التاريخ يولدون بدون رؤوس أو برأسين أو بعين واحدة في وسط الجبهة، أو بأعضاء ناقصة، وأغلبهم يموتون بعد فترة قصيرة من ولادتهم، ومن يعش منهم تزداد عنده نسبة الأمراض السرطانية حتى يموت.
هذا الأمر جعل أطباء ومهندسين وعلماء بيئة يبعثوا رسالة إلى الأمم المتحدة كشفت أن شهر سبتمبر 2009م شهد 170 حالة ولادة جديدة، 24% منها لأطفال ماتوا خلال أسبوع، و75% ولدوا بتشوهات خلقية، وأصبحت مقابر الفلوجة تستقبل يومياً ما بين أربعة إلى خمسة أطفال معظمهم مصابون بتشوهات خلقية.
رئيس لجنة الصحة والبيئة في مجلس محافظة الأنبار د.طالب حماد أكد في تصريح له أن السبب الرئيس للولادات المشوهة هو إشعاعات اليورانيوم المنضب والفسفور الأبيض اللذين استعملتهما القوات الأميركية والبريطانية، مؤكدا أن هذا التأثير لا ينحصر في الفلوجة وحدها، بل وصل إلى عموم مناطق المحافظة.
مشهد آخر مشابه لما جرى بالفلوجة لكنه ليس في العراق بل في فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، حيث حذرت مصادر طبية فلسطينية من تزايد نسبة المواليد الذين يحملون عيوبا خلقية أو تشوهات بعد العدوان الصهيوني على غزة بمعدل 80% مقارنة مع الأعوام السابقة. كما لم يستبعد مدير قسم الأطفال حديثي الولادة في مجمع الشفاء الطبي د.ثابت المصري، أن تكون المواد الكيماوية السامة والقنابل الفسفورية التي ألقاها الاحتلال الصهيوني أثناء الحرب على غزة أحد أسباب التشوهات الخلقية، وتظهر دراسة إحصائية وطبية أعدت داخل الحضانة بمجمع الشفاء الطبي من قبل فريق طبي متخصص أن أكبر نسبة من حالات التشوهات الخلقية للمواليد من الأمهات الحوامل كانت في منطقة جباليا وما حولها وهي من أكثر المناطق التي كانت عرضة للقصف الصهيوني المباشر لكافة أنواع الأسلحة التي من بينها الفسفور.
ومن يدري ما الذي سوف يظهر مع الأيام من جرائهم وإفسادهم في مناطق أخرى كأفغانستان وباكستان وغيرها من البلدان التي وطأتها أقدامهم.
بنظرة سريعة لتعاليم ديننا الخالدة التي ترسم لنا الطريق وتحدد المسار، يظهر لنا الفرق بين حروبنا كمسلمين وحروبهم سواء من حيث المنطلق أو الأهداف أو الوسائل أو الغايات، ألم يأمرنا ربنا عز وجل بالبر والإحسان مع من لم يقاتلنا من الكفار، فقال سبحانه: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}، ألم يأمرنا سبحانه بالعدل بقوله عز وجل: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}. أما حذرنا ونهانا عن الاعتداء مع الأعداء في حال القتال بأن نمثل بجثثهم أو أن نقتل نسائهم وأطفالهم وشيوخهم ممن لا يشارك في القتال، فقال تعالى: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ}، أما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أمَّر أميراً على جيش أو سرية أوصاه خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً ثم قال: "اغزوا باسم الله وفي سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا..." أخرجه مسلم.
إن استطاع هؤلاء القتلة والمجرمون أن يخفوا جرائمهم وما أفرزته أحقادهم على الإسلام وأهله ردحاً من الزمن، فإن الأيام كفيلة بفضحهم وكشف الحقائق.
ومن يدري ربما نشاهد هؤلاء الطغاة يقادون إلى المحاكم بتهم جرائم الحرب، فقد ضجرت الشعوب منهم ومن جرائهم وظلمهم واستكبارهم وفسادهم، إلا أن هذا الأمر يتطلب العمل الجاد لإيصال الحقائق لجميع الجهات الحقوقية المعنية بهذه الجرائم الرسمية منها أو الأهلية، كما يتطلب العمل على إظهار هذه الجرائم في مختلف وسائل الإعلام وبمختلف اللغات العالمية، وهذا جزء هام من المقاومة .
وإن فروا زماناً من محاكم الأرض، فهل سيفرون من حكم الحكم العدل، الجبار المنتقم؟
قال تعالى: {وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ}.


 

فلسطين والحل
  • مقالات ورسائل
  • حوارات ولقاءات
  • رثاء الشيخ
  • الصفحة الرئيسية
  • فلسطين والحل