اطبع هذه الصفحة


تبادل الأراضي بين المفاوض الصهيوني والفلسطيني

أ. مجدي داود*


بسم الله الرحمن الرحيم

يعود بروز فكرة تبادل الأراضى إلى العام 2000م فى محادثات كامب ديفيد الثانية بين السلطة الفلسطينية والكيان الصهيونى, وفى هذه المفاوضات قبل الوفد الفلسطينى هذا المبدأ وهو ما أشار إليه وزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك شلومو بن عامي في حديث لصحيفة هآرتس (14-9-2001) قال فيه: (إنه أتيحت له في كامب ديفيد فرصة رؤية خريطة فلسطينية احتوت على تنازل بأقل من 2.8% من مساحة الضفة مقابل تبادل أراض بنسبة 1% إلى 1.5%, وقد طلبوا أن تكون الأراضي متاخمة للضفة الغربية).

وعندما عقد مؤتمر أنابوليس فى نوفمبر 2007 –وهو المؤتمر الذى عقد عليه كل الأطراف المعادية للقضية الفلسطينية وللمقاومة المسلحة آمالا واسعة للتخلص من المقاومة ودعم السلطة الواهية- عاد الحديث من جديد عن فكرة تبادل الأراضى وباتت تلك الفكرة عنصرا أساسيا فى كل المقترحات التى تتقدم بها الحكومة الصهيونية منذ ذلك الوقت, وقد نشرت صحيفة هآريتس تحت عنوان "خطة أولمرت للسلام في 17/12/2009" خريطة تبادل الأراضى التى عرضت على رئيس السلطة الفلسطينية المنتهية ولايته محمود عباس, وذكرت الصحيفة أيضا أن عباس رأى الخريطة لكن لم يسمح له بالإحتفاظ بنسخة منها حتى يوقع عليها بالموافقة, وفى اللقاء الذى جمع محمود عباس مع الرئيس المصرى حسنى مبارك فى مطلع هذا العام تم مناقشة الخطط والمقترحات المقدمة لعملية السلام وعلى رأسها عملية تبادل الأراضى.

فإعادة طرح القضية اليوم من جديد فى ظل توقف المفاوضات –علناً على الأقل- يمكن اعتباره محاولة صهيونية لإرضاء الإدارة الأمريكية من خلال إعادة طرح خطة قديمة فى ثوب جديد.

العدو الصهيونى يعمد دائما إلى خديعة الشعب الفلسطينى وتهميشه, ويعمل على انتزاع حقوق هذا الشعب بكل الطرق والوسائل الممكنة سواء كانت مشروعة أو غير مشروعة مع تأكيدنا أنهم طوال تاريخهم الملطخ بالدماء فى هذه المنطقة منذ احتلالهم فلسطين لم يستخدموا طريقة مشروعة قط, فعملية تبادل الأراضى أو الترانسفير الجغرافى يقوم على تغييب فلسطين كوطن واستحضارها كأرض أو عقار يمكن بسهولة شراؤه والتنازل عنه, وهذا الترانسفير يشبه إلى حد كبير الخطط النازية فى إعادة رسم خريطة شرق أوروبا لجمع العرق الألمانى فى وحدات جغرافية متلامسة ومتماسكة, والعدو لا يلقى بالا لأبعاد هذه القضية ولا لما سيترتب عنها من مآسى وآلام لآلاف بل لمئات الآلاف من الفلسطينيين.

العدو الصهيونى ومن خلال إصراره على طرح خطة تبادل الأراضى يؤكد ما قاله أفيجدور ليبرمان وزير الخارجية الحالى وزعيم حزب إسرائيل بيتنا فى مؤتمر هرتسيليا الرابع فى عام 2003م, حيث قال إنه لا يعرض خطة سلام بل خطة أمن، ولا يبحث عن شريط لإقامة الدولة الفلسطينية وإنما عن شريك لحل قضية عرب إسرائيل, فطبقا لكلام ليبرمان فالكيان الصهيونى لا يريد سلاما ولا تعنيه مفاوضات السلام أهى متوقفة أم مستمرة لأن كل هذا عنده من قبيل العبث, فهو لا يريد إلا أمنا لهؤلاء المغتصبين الذى جاؤوا من بلاد شتى, ولأجل أمن هؤلاء المغتصبين فلابد من أن يحصنهم تحصينا جيدا ولا يكون هذا إلا من خلال عزلهم تماما عن العرب الذى يعيشون داخل الأراضى المحتلة عام 1948م حتى يحافظوا على الصفة اليهودية للكيان الصهيونى, وفى نفس الوقت يتخلصون من العرب الذين يعيشون داخل هذا الكيان.

فالخداع الصهيونى ليس له حدود ولا سبل معروفة, ولكنه خداع مستمر ما بقى الصهاينة على وجه الأرض, ولكن الفارق اليوم أن الذى يكون فريسة هذا الخداع ليس إلا جاهل بالحقائق والوقائع والتاريخ أو يائس أو معاند لا يريد الإعتراف بالحقيقة, فالكيان الصهيونى من خلال عملية التبادل هذه يريد استبدال أراضى محتلة عام 1949م بأخرى محتلة عام 1967م, وكأن هذا الكيان يملك أيا من تلك الأراضى وهذا فخ آخر وقع وسيقع فيه كل من وافق أو سيوافق على هذه العملية, فالعدو الصهيونى سيحصل من خلال القبول بهذه العملية على شرعية لإحتلاله الأراضى الفلسطينية.

إن الكيان الصهيونى عندما يعرض خطة لتبادل الأراضى يجاريه فى ذلك رموز السلطة الفلسطينية التى يمكن توصيفها بشكل دقيق على أنها موظف لدى الحكومة الصهيونية فلولا ضعف هذه السلطة وإسقاطها عمدا لكل أوراق القوة من يدها بدءا بالتوقيع على اتفاقية أوسلو وليس انتهاء بملاحقة واغتيال قادة المقاومة الفلسطينية فى الضفة الغربية مرورا بتأمرها المكشوف على أهل غزة واستعداء الكيان الصهيونى ضدهم لما تجرأت الحكومة الصهونية على أن تضع هذا المقترح فى مقدمة الأولويات.

وإنه ليس غريبا أن تقبل السلطة الفلسطينية بمثل هذا الإتفاق سواء إذا كان هناك وعود صهيونية بإقامة دولة فلسطينية –كوجبة دجاج مقلى- أو لا, وسواء كان الأراضى التى سيتخلى عنها الكيان الصهيونى –كأنه مالك لها- تعادل تلك التى ستتخلى عنها السلطة الفلسطينية أو لا, فالسلطة الفلسطينية ورجالها علمونا جيدا أنهم لا يسيئون الظن أبدا بالكيان الصهيونى.

ولكن العاقل الذى يعرف عواقب الأمور لا بد له أن يقرأ تاريخ من يفاوضه جيدا, فتنص إتفاقية الهدنة بين الأردن وإسرائيل فى مارس عام 1949م على حق الأردن فى استبدال الأراضى –التى تنازلت عنها للكيان الصهيونى تحت التهديد باحتلال كامل الضفة الغربية- بأراض أخرى فى الفاطور وفى قضاء الخليل, إلا أن أيا من هذا لم يحدث ولم تستعد الأردن أو تستبدل ما تشاء, وإذا كان هذا حدث مع الأردن وهى دولة لها مكانتها فماذا عن تلك السلطة الواهية التى لا تملك من أمر نفسها شئ.

خلاصة ما أريد قوله أن خطة تبادل الأراضى المزعومة التى يريد الإحتلال تنفيذها سيستفيد منها الإحتلال أيما استفادة فى حين أنه لن ينال الفلسطينيون أى خير يذكر أو استفادة من تلك الخطة إلا حصول الكيان الصهيونى على شرعية احتلال الأراضى وضياع أرضه وكذلك تمزق الأواصر والروابط الأسرية لفلسطينى الداخل الذى سيتم ضمهم إلى السلطة الفلسطينية.

* كاتب إسلامي مصري.

المصدر : موقع "قاوم"
 

فلسطين والحل
  • مقالات ورسائل
  • حوارات ولقاءات
  • رثاء الشيخ
  • الصفحة الرئيسية
  • فلسطين والحل