صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • فوائد وفرائد
  • مكتبة صيد الفوائد
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • زاد الخـطـيـب
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات - القصص
  • مقالات - تغريدات
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • سيادة الشريعة
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    اختيارات ابن القيم في الحج من حاشية سنن أبي داود

    اضغط هنا لتحميل الكتاب على ملف وورد  

    عبدالرحمن بن محمد الهرفي

     
    السابق : اختيارات ابن القيم من زاد المعاد

    ثانيا : حاشية ابن القيم على سنن أبي داود

    الجزء الخامس :

    90. قال ابن القطان عن حديث أبي داود " ( وقت لأهل المشرق العقيق )(1) " : علته الشك في اتصاله فإن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس يرويه عن ابن عباس ومحمد بن علي إنما هو معروف في الرواية عن أبيه عن جده ابن عباس وفي صحيح مسلم حدثنا حبيب بن أبي ثابت عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن عبد الله بن عباس أنه رقد عند رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ الحديث وحديثه عن أبيه عن جده أن رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أكل كتفا أو لحما ثم صلى ولم يمس ماء ذكره البزار وقال ولا أعلم روى عن جده إلا هذا الحديث يعني وقت لأهل السرق الخ وأخاف أن يكون منقطعا ولم يذكر البخاري ولا ابن أبي حاتم أنه روى عن جده وقال مسلم في كتاب التمييزلم يعلم له سماع من جده ولا أنه لقيه . 164
    91. حديث أم سلمة ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُا ـ " من أهل بحج أو عمرة من المسجد الأقصى … "(2) قال غير واحد من الحفاظ إسناده ليس بالقوي وقد سئل عبد الله بن عبدالرحمن بن يحنس هل قال " ووجبت له الجنة " أو قال " أو وجبت " بالشك بدل قوله غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر هذا هو الصواب بأو . وفي كثير من النسخ ووجبت بالواو وهو غلط والله أعلم . 166
    92. روى النسائي عن عائشة قالت : ( ذبح عنا رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يوم حججنا بقرة بقرة ) (3) وعن الزهري عن عمرة عن عائشة قالت : ( ما ذبح عن آل محمد في الوداع إلا بقرة ) (4) وبه عن عائشة أن رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ نحر عن آل محمد في حجة الوداع بقرة واحدة وسيأتي قول عائشة ذبح رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ البقر يوم النحر ، ولا ريب أن رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ حج بنسائه كلهن وهن يومئذ تسع وكلهن كن متمتعات حتى عائشة فإنها قرنت فإن كان الهدي متعددا فلا إشكال وإن كان بقرة واحدة بينهن وهن تسع فهذا حجة لإسحاق ومن قال بقوله إن البدنة تجزىء عن عشرة وهو إحدى الروايتين عن أحمد ، وقد ذهب ابن حزم إلى أن هذا الاشتراك في البقرة إنما كان بين ثمان نسوة قال لأن عائشة لما قرنت لم يكن عليها هدي واحتج بما في صحيح مسلم عنها من قولها : ( فلما كانت ليلة الحصبة وقد قضى الله حجنا أرسل معي عبدالرحمن بن أبي بكر فأردفني وخرج بي إلى التنعيم فأهللت بعمرة فقضى الله حجنا وعمرتنا ولم يكن في ذلك هدي ولا صدقة ولا صوم ) (5) ، وجعل هذا أصلا في إسقاط الدم عن القارن ولكن هذه الزيادة وهي ولم يكن في ذلك هدي مدرجة في الحديث من كلام هشام بن عروة كما بينه مسلم في الصحيح . 173
    93. في قوله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ " إن أعظم الأيام عند الله يوم النحر" (6) دليل على أن يوم النحر أفضل الأيام ، وذهبت جماعة من العلماء إلى أن يوم الجمعة أفضل الأيام واحتجوا بقوله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ" خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة "(7) وهو حديث صحيح رواه ابن حبان وغيره ، وفصل النـزاع أن يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع ويوم النحر أفضل أيام العام فيوم النحر مفضل على الأيام كلها التي فيها الجمعة وغيرها ويوم الجمعة مفضل على أيام الأسبوع فإن اجتمعا في يوم تظاهرت الفضيلتان وإن تباينا فيوم النحر أفضل وأعظم لهذا الحديث والله أعلم . 185
    94. الأحاديث الصحيحة صريحة بأن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أهلت أولا بعمرة ثم أمرها رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لما حاضت أن تهل بالحج فصارت قارنة ولهذا قال لها النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ " يكفيك طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة لحجك وعمرتك " متفق عليه ، وهو صريح في رد قول من قال إنها رفضت إحرام العمرة رأسا وانتقلت إلى الإفراد ، وإنما أمرت برفض أعمال العمرة من الطواف والسعي حتى تطهر لا برفض إحرمها . 197
    95. أما قول من قال إن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أحرمت بحج ثم نوت فسخه بعمرة ثم رجعت إلى حج مفرد فهو خلاف ما أخبرت به عن نفسها وخلاف ما دل عليه قول النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لها " يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ"والنبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ إنما أمرها أن تهل بالحج لما حاضت كما أخبرت بذلك عن نفسها وأمرها أن تدع العمرة وتهل بالحج وهذا كان بسرف قبل أن يأمر أصحابه بفسخ حجهم إلى العمرة فإنه إنما أمرهم بذلك على المروة . 198
    96. من تأمل أحاديث عائشة ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُا ـ علم أنها أحرمت أولا بعمرة ثم أدخلت عليها الحج فصارت قارنة ثم اعتمرت من التنعيم عمرة مستقلة تطييبا لقلبها . 199
    97. قد غلط في قصة عائشة من قال إنها كانت مفردة فإن عمرتها من التنعيم هي عمرة الإسلام الواجبة، وغلط من قال إنها كانت متمتعة ثم فسخت المتعة إلى أفراد وكانت عمرة التنعيم قضاء لتلك العمرة ، وغلط من قال إنها كانت قارنة ولم يكن عليها صدقة ولا صوم وأن ذلك إنما يجب على المتمتع ، ومن تأمل أحاديثها علم ذلك وتبين له أن الصواب ما ذكرناه ، والله أعلم . 199
    98. في حديث عائشة دليل على تعدد السعي على المتمتع فإن قولها ( ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم )(8) تريد به الطواف بين الصفا والمروة ولهذا نفته عن القارنين ولو كان المراد به الطواف بالبيت لكان الجميع فيه سواء فإن طواف الإفاضة لا يفترق فيه القارن والمتمتع . وقد خالفها جابر في ذلك ففي صحيح مسلم عنه أنه قال لم يطف النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا طوافه الأول (9) وأخذ الإمام أحمد بحديث جابر هذا في رواية ابنه عبد الله والمشهور عنه أنه لابد من طوافين على حديث عائشة ولكن هذه اللفظة وهي فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت إلى آخره قد قيل إنها مدرجة في الحديث من كلام عروة .201
    99. الصواب أن ما أحرم به ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ كان أفضل وهو القرآن ولكن أخبر أنه لو استقبل من أمره ما استدبر لأحرم بعمرة وكان حينئذ موافقا لهم في المفضول تأليفا لهم وتطييبا لقلوبهم كما ترك بناء الكعبة على قواعد إبراهيم وإدخال الحجر فيها وإلصاق بابها بالأرض تأليفا لقلوب الصحابة الحديثي العهد بالإسلام خشية أن تنفر قلوبهم ؛ وعلى هذا فيكون الله تعالى قد جمع له الأمرين النسك الأفضل الذي أحرم به وموافقته لأصحابه بقوله لو "استقبلت " فهذا بفعله وهذا بنيته وقوله وهذا الأليق بحاله صلوات الله وسلامه عليه . 205
    100. عند النسائي عن سراقة تمتع رسول الله وتمتعنا معه فقلنا : ( ألنا خاصة أم للأبد ) قال : " بل للأبد "(10) وهو صريح في أن العمرة التي فسخوا حجهم إليها لم تكن مختصة بهم وأنها مشروعة للأمة إلى يوم القيامة ؛ وقول من قال إن المراد به السؤال عن المتعة في أشهر الحج لا عن عمرة الفسخ باطل من وجوه :
    أحدها : أنه لم يقع السؤال عن ذلك ولا في اللفظ ما يدل عليه وإنما سأله عن تلك العمرة المعينة التي أمروا بالفسخ إليها ولهذا أشار إليها بعينها فقال متعتنا هذه ولم يقل العمرة في أشهر الحج
    الثاني : أنه لو قدر أن السائل أراد ذلك فالنبي أطلق الجواب بأن تلك العمرة مشروعة إلى الأبد ومعلوم أنها مشتملة على وصفين كونها عمرة فسخ الحج إليها وكونها في أشهر الحج فلو كان المراد أحد الأمرين وهو كونها في أشهر الحج لبينه للسائل لا سيما إذا كان الفسخ حراما باطلا فكيف يطلق الجواب عما يجوز ويشرع وما لا يحل ولا يصح إطلاقا واحدا هذا مما ينزه عنه آحاد أمته فضلا عنه ومعلوم أن من سئل عن أمر يشتمل على جائز ومحرم وجب عليه أن يبين للسائل جائزه من حرامه ولا يطلق الجواز والمشروعية عليه إطلاقا واحدا .
    الثالث : أن النبي قد اعتمر قبل ذلك ثلاث عمر كلهن في أشهر الحج وقد علم ذلك الخاص والعام أفما كان في ذلك ما يدل على جواز العمرة في أشهر الحج .
    الرابع : أن النبي قال لهم عند إحرامهم من شاء أن يهل بعمرة فليهل وفي هذا أعظم البيان لجواز العمرة في أشهر الحج .
    الخامس : أنه خص بذلك الفسخ من لم يكن معه هدي وأما من كان معه هدي فأمره بالبقاء على إحرامه وأن لا يفسخ فلو كان المراد ما ذكروه لعم الجميع بالفسخ ولم يكن للهدي أثر أصلا فإن سبب الفسخ عندهم الإعلام المجرد بالجواز وهذا الإعلام لا تأثير للهدي في المنع منه .
    السادس : أن طرق الإعلام بجواز الاعتمار في أشهر الحج أظهر وأبين قولا وفعلا من الفسخ فكيف يعدل عن الإعلام بأقرب الطرق وأبينها وأسهلها وأدلها إلى الفسخ الذي ليس بظاهر فيما ذكره من الإعلام والخروج من نسك إلى نسك وتعويضهم بسعة ذلك عليهم لمجرد الإعلام الممكن الحصول بأقرب الطرق وقد بين ذلك غاية البيان بقوله وفعله فلم يحلهم بالإعلام على الفسخ .
    السابع : أنه لو فرض أن الفسخ للإعلام المذكور لكان ذلك دليلا على داوم مشروعيته إلى يوم القيامة فإن ما شرع في المناسك لمخالفة المشركين مشروع أبدا كالوقوف بعرفة لقريش وغيرهم والدفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس .
    الثامن : أن هذا الفسخ وقع في آخر حياة النبي ولم يجىء عنه كلمة قط تدل على نسخه وإبطاله ولم تجمع الأمة بعده على ذلك بل منهم من يوجبه كقول حبر الأمة وعالمها عبد الله بن عباس ومن وافقه وقول إسحاق وهو قول الظاهرية وغيرهم ومنهم من يستحبه ويراه سنة رسول الله كقول إمام أهل السنة أحمد بن حنبل وقد قال له سلمة بن شبيب : يا أبا عبد الله كل شيء منك حسن إلا خصلة واحدة تقول بفسخ الحج إلى العمرة . فقال : يا سلمة كان يبلغني عنك أنك أحمق وكنت أدافع عنك والآن علمت أنك أحمق ! عندي في ذلك بضعة عشر حديثا صحيحه عن رسول الله أدعها لقولك ؟ وهو قول الحسن وعطاء ومجاهد وعبيد الله بن الحسن وكثير من أهل الحديث أو أكثرهم .
    التاسع : أن هذا موافق لحج خير الأمة وأفضلها مع خير الخلق وأفضلهم فإنه أمرهم بالفسخ إلى المتعة وهو لا يختار لهم إلا الأفضل فكيف يكون ما اختاره لهم هو المفضول المنقوص بل الباطل الذي لا يسوغ لأحد أن يقتدي بهم فيه .
    العاشر : أن الصحابة رضي الله عنهم إذا لم يكتفوا بعمل العمرة معه ثلاثة أعوام في أشهر الحج وبقوله لهم عند الإحرام من شاء أن يهل بعمرة فليهل على جواز العمرة في أشهر الحج فهم أحرى أن يكتفوا بالأمر بالفسخ في العلم بجواز العمرة في أشهر الحج فإنه إذا لم يحصل لهم العلم بالجواز بقوله وفعله فكيف يحصل بأمره لهم بالنسخ .
    الحادي عشر : أن ابن عباس الذي روى أنهم كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور وأن النبي أمرهم لما قدموا بالفسخ هو كان يرى وجوب الفسخ ولا بد بل كان يقول كل من طاف بالبيت فقد حل من إحرامه ما لم يكن معه هدي وابن عباس أعلم بذلك فلو كان النبي إنما أمرهم بالفسخ للإعلام بجواز العمرة لم يخف ذلك على ابن عباس ولم يقل إن كل من طاف بالبيت من قارن أو حاج لا هدي معه فقد حل .
    الثاني عشر : أنه لا يظن بالصحابة الذين هم أصح الناس أذهانا وأفهاما وأطوعهم لله ولرسوله أنهم لم يفهموا جواز العمرة في أشهر الحج وقد عملوها مع رسول الله ثلاثة أعوام وأذن لهم فيها ثم فهموا ذلك من الأمر بالفسخ .
    101. الثالث عشر : أن النبي إما أن يكون أمرهم بالفسخ لأن التمتع أفضل فأمرهم بالفسخ إلى أفضل الأنساك أو يكون أمرهم به ليكون نسكهم مخالفا للمشركين في التمتع في أشهر الحج وعلى التقديرين فهو مشروع غير منسوخ إلى الأبد أما الأول الظاهر وأما الثاني فلأن الشريعة قد استقرت ولا سيما في المناسك على قصد مخالفة المشركين فالنسك المشتمل على مخالفتهم أفضل بلا ريب وهذا واضح .
    102. الرابع عشر : أن السائل للنبي عمرتنا هذه لعامنا أم للأبد لم يرد به أنها هل تجزىء عن تلك السنة فقط أو عن العمر كله فإنه لو كان مراده ذلك لسأل عن الحج الذي هو فرض الإسلام ومن المعلوم أن العمرة إن كانت واجبة لم تجب في العمر إلا مرة واحدة ولأنه لو أراد ذلك لم يقل له النبي بل لأبد الأبد فإن أبد الأبد إنما يكون في حق الأمة قوما يعرفون إلى يوم القيامة وإن الأبد لا يكون في حق طائفة معينة بل هو لجميع الأمة ولأنه قال في رواية النسائي ألنا خاصة أم للأبد فدل على أنهم إنما سألوا هل يسوغ فعلها بعدك على هذا الوجه فأجابهم بأن فعلها كذلك سائغ أبد الأبد وفي رواية للبخاري أن سراقة بن مالك لقي النبي فقال ألكم هذه خاصة يارسول الله قال بل للأبد .
    الخامس عشر : أن النبي أخبرهم في تلك الحجة أن كل من طاف بالبيت فقد حل إلا من كان معه الهدي ففي السنن من حديث الربيع بن سبرة عن أبيه قال خرجنا مع رسول الله حتى إذا كان بعسفان قال له سراقة بن مالك المدلجي يارسول الله اقض لنا قضاء قوم كأنما ولدوا اليوم فقال : " إن الله عزوجل قد أدخل عليكم في حجكم هذا عمرة فإذا قدمتم فمن تطوف بالبيت وبين الصفا والمروة فقد حل إلا من كان معه هدي " فهذا نص انفساخه شاء أم أبى كما قال ابن عباس وإسحاق ومن وافقهما وقوله اقض لنا قضاء قوم كأنما ولدوا اليوم يريد قضاء لازما لا يتغير ولا يتبدل بل نتمسك به من يومنا هذا إلى آخر العمر .
    السادس عشر : أن النبي لما سئل عن تلك العمرة التي فسخوا إليها الحج وتمتعوا بها ابتداء فقال " دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة "(11) كان هذا تصريحا منه بأن هذا الحكم ثابت أبدا لا ينسخ إلى يوم القيامة ومن جعله منسوخا فهذا النص يرد قوله . وحمله على العمرة المبتدأة التي لم يفسخ الحج إليها باطل فإن عمدة الفسخ سبب الحديث فهي مرادة منه نصا وما عداها ظاهرا وإخراج محل السبب وتخصيصه من اللفظ العام لا يجوز فالتخصيص وإن تطرق إلى العموم فلا يتطرق إلى محل السبب وهذا باطل .
    السابع عشر : أن متعة الفسخ لو كانت منسوخة لكان ذلك من المعلوم عند الصحابة ضرورة كما كان من المعلوم عندهم نسخ الكلام في الصلاة ونسخ القبلة ونسخ تحريم الطعام والشراب على الصائم بعد ما ينام بل كان بمنـزلة الوقوف بعرفة والدفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس فإن هذا من أمور المناسك الظاهرة المشترك فيها أهل الإسلام فكان نسخه لا يخفى على أحد وقد كان ابن عباس إذا سألوه عن فتياه بها يقول : ( سنة نبيكم وإن رغمتم )(12) فلا يراجعونه فكيف تكون منسوخة عندهم وابن عباس يخبر أنها سنة نبيهم ويفتي بها الخاص والعام وهم يقرونه على ذلك هذا من أبطل الباطل .
    الثامن عشر : أن الفسخ قد رواه عن النبي أربعة عشر من الصحابة وهم عائشة وحفصة وعلي وفاطمة وأسماء بنت أبي بكر وجابر وأبو سعيد وأنس وأبو موسى والبراء وابن عباس وسراقة وسبرة ورواه عن عائشة الأسود بن يزيد والقاسم وعروة وعمرة وذكوان مولاها ورواه عن جابر عطاء ومجاهد ومحمد بن علي وأبو الزبيرورواه عن أسماء صفية ومجاهد ورواه عن أبي سعيد أبو نضرة ورواه عن البراء أبو إسحاق ورواه عن ابن عمر سالم ابنه وبكر بن عبد الله ورواه عن أنس أبو قلابة ورواه عن أبي موسى طارق بن شهاب ورواه عن ابن عباس طاووس وعطاء وابن سيرين وجابر بن زيد ومجاهد وكريب وأبو العالية ومسلم القرشي وأبو حسان الأعرج ورواه عن سبرة ابنه ؛ فصار نقل كافة عن كافة يوجب العلم ومثل هذا لا يجوز دعوى نسخه إلا بما يترجح عليه أو يقاومه فكيف يسوغ دعوى نسخه بأحاديث لا تقاومه ولا تدانيه ولا تقاربه ؟ وإنما هي بين مجهول رواتها أو ضعفاء لا تقوم بهم حجة ، وما صح فيها فهو رأي صاحب قاله بظنه واجتهاده وهو أصح ما فيها وهو قول أبي ذر كانت المتعة لنا خاصة وما عداه فليس بشيء وقد كفانا رواته مؤنته فلو كان ما قاله أبو ذر رواية صحيحة ثابتة مرفوعة لكان نسخ هذه الأحاديث المتواترة به ممتنعا فكيف وإنما هو قوله ومع هذا فقد خالفه فيه عشرة من الصحابة كابن عباس وأبي موسى الأشعري وغيرهما .
    التاسع عشر : أن الفسخ موافق للنصوص والقياس أما موافقته للنصوص فلا ريب فيه كما تقدم وأما موافقته للقياس فإن المحرم إذا التزم أكثر مما كان التزمه جاز بالاتفاق فلو أحرم بالعمرة ثم أدخل عليها الحج جاز اتفاقا وعكسه لا يجوز عند الأكثرين وأبو حنيفة يجوزه على أصله فإن القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين فإذا أدخل العمرة على الحج جاز عنده لالتزامه طوافا ثانيا وسعيا وإذا كان كذلك فالمحرم بالحج لم يلتزم إلا الحج إذا صار متمتعا صار ملتزما لعمرة وحج فكان ما التزمه بالفسخ أكثر مما كان عليه فجاز ذلك بل استحب له لأنه أفضل وأكثر مما التزمه أولا وإنما يتوهم الإشكال من يتوهم أنه فنسخ حج إلى عمرة وليس كذلك فإنه لو أراد أن يفسخ الحج إلى عمرة مفردة لم يجز عند أحد وإنما يجوز الفسخ لمن نيته أن يحج بعد متعته من عامه والمتمتع من حين يحرم بالعمرة دخل في الحج كما قال النبي : دخلت العمرة في الحج فهذه المتعة التي فسخ إليها هي جزء من الحج ليست عمرة مفردة وهي من الحج بمنزلة الوضوء من غسل الجنابة فهي عبادة واحدة قد تخللها الرخصة بالإحلال وهذا لا يمنع أن تكون واحدة كطواف الافاضة فإنه من تمام الحج ولا يفعل إلا بعد التحلل الأول وكذلك رمي الجمار أيام منى من تمام الحج وهو يفعل بعد التحلل التام وقول النبي " من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق " (13) يتناول من حج حجة تمتع فيها بالعمرة وإن تحلل من إحرامه ولم تكن حجته مكية اذلا ينقلهم الرؤوف الرحيم بهم من الفاضل الراجح إلى المفضول الناقص بل إنما نقلهم من المفضول إلى الفاضل الكامل لا يجوز غير هذا البتة .
    العشرون : أن القياس أنه إذا اجتمعت عبادتان كبرى وصغرى فالسنة تقديم الصغرى على الكبرى منهما ولهذا كان النبي يبدأ في غسل الجنابة الوضوء أولا ثم يتبعه الغسل وقال في غسل ابنته : " ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها " (14) فنسخ الحج إلى العمرة يتضمن موافقة هذه السنة فقد تبين أنه موافق للنصوص والقياس ولحج خيار الأمة مع نبيها ولو لم يمكن فيه نص لكان القياس يدل على جوازه من الوجوه التي ذكرنا وغيرها . ولو تتبعنا أدلة جوازه لطالت وفي هذا كفاية والحمد لله . 208
    103. قوله " دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة " لا ريب في أنه من كلام رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ولم يقل أحد أنه من قول ابن عباس وكذلك قوله " هذه عمرة تمتعنا بها " (15) وهذا لا يشك فيه من له أدنى خبرة بالحديث . 218
    104. التعليل الذي تقدم لأبي داود في قوله هذا حديث منكر(16) إنما هو لحديث عطاء هذا عن ابن عباس يرفعه إذا أهل الرجل بالحج ، فإن هذا قول ابن عباس الثابت عنه بلا ريب رواه عنه أبو الشعثاء وعطاء وأنس بن سليم وغيرهم من كلامه فانقلب على الناسخ فنقله إلى حديث مجاهد عن ابن عباس وهو إلى جانبه وهو حديث صحيح لا مطعن فيه ولا علة ولا يعلل أبو داود مثله ولا من هو دون أبي داود وقد اتفق الأئمة الأثبات على رفعه والمنذري ـ رحمه الله ـ رأى ذلك في السنن فنقله كما وجده والأمر كما ذكرنا . والله أعلم . 217
    105. حديث سعيد بن المسيب أن رجل جاء إلى عمر فشهد أن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ نهى عن المتعة في مرض(17) موته باطل ، ولا يحتاج تعليله إلى عدم سماع ابن المسيب من عمر فإن ابن المسيب إذا قال قال رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فهو حجة ، قال الإمام أحمد : ( إذا لم يقبل سعيد بن المسيب عن عمر فمن يقبل ؟! ) وقال أبو محمد بن حزم : ( هذا حديث في غاية الوهي والسقوط لأنه مرسل عمن لم يسم وفيه أيضا ثلاثة مجهولون أبو عيسى الخراساني وعبد الله بن القاسم وأبوه ففيه خمسة عيوب وهو ساقط لا يحتج به من له أدنى علم ) . 219
    106. قال عبدالحق ـ هو الإشبيلي ـ : لم يسمع أبو شيخ من معاوية حديث النهي عن القران بين الحج والعمرة ، وإنما سمع منه النهي عن ركوب جلود النمور فأما النهي عن القران فسمعه من أبي حسان عن معاوية بن مرة يقول عن أخيه حمان ومرة يقول جمان وهم مجهولون ، ولو فرض صحة هذا عن معاوية فقد أنكر الصحابة عليه أن يكون رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ نهى عنه فلعله وهم أو اشتبه عليه نهيه عن متعة النساء بمتعة الحج كما اشتبه على غيره . 220
    107. من تأمل الأحاديث الواردة في هذا الباب(18) حق التأمل جزم جزما لا ريب فيه أن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أحرم في حجته قارنا ولا تحتمل الأحاديث غير ذلك بوجه من الوجوه أصلا ، قال الإمام أحمد : لا أشك أن رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ كان قارنا ، تم كلامه . وقد روى عنه ذلك خمسة عشر من أصحابه وهم عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعائشة أم المؤمنين وعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عباس وعمران بن حصين والبراء بن عازب وحفصة أم المؤمنين وأنس بن مالك وأبو قتادة وابن أبي أوفى فهؤلاء صحت عنهم الرواية بغاية البيان والتصريح ، ومن تأمل الأحاديث الصحيحة في هذا الباب جزم بهذا ، وهذا فصل النـزاع والله أعلم .226
    108. المتعين في حديث معاوية : ( ما علمت أني قصرت عن رسول الله بمشقص أعرابى على المروة ) يكون في عمرة الجعرانة ، والله أعلم . لأن معاوية إنما أسلم يوم الفتح مع أبيه فلم يقصر عنه في عمرة الحديبية ولا عمرة القضية والنبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لم يكن محرما في الفتح ولم يحل من إحرامه في حجة الوداع بعمرة فتعين أن يكون ذلك في عمرة الجعرانة . 236
    109. قال عبد الله بن أحمد سألت أبي عن حديث بلال بن الحرث المزني في فسخ الحج ـ ونصه يارسول الله فسخ الحج لنا خاصة أو لمن بعدنا ؟ قال : " لكم خاصة "(19) ـ فقال : ( لا أقول به وليس إسناده بالمعروف ولم يروه إلا الدراوردي وحده ) .وقال عبدالحق : ( الصحيح في هذا قول أبي ذر غير المرفوع إلى النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ) . وقال ابن القطان : ( فيه الحرث بن بلال عن أبيه بلال بن الحرث والحرث بن بلال لا يعرف حاله )
    110. في معنى التلبية ثمانية أقوال :
    • أحدهما : إجابة لك بعد إجابة، ولهذا المعنى كررت التلبية إيذانا بتكرير الإجابة .
    • الثاني : أنه انقياد من قولهم لببت الرجل إذا قبضت على تلابيبه ، والمعنى انقدت لك وسعت نفسي لك خاضعة ذليلة كما يفعل بمن لب بردائه وقبض على تلابيبه .
    • الثالث : أنه من لب بالمكان إذا قام به ولزمه ، والمعنى أنا مقيم على طاعتك ملازم لها
    • الرابع : أنه من قولهم داري تلب دارك أي تواجهها وتقابلها أي مواجهتك بما تحب متوجه إليك
    • الخامس : معناه حبا لك بعد حب من قولهم : امرأة لبة إذا كانت محبة لولدها .
    • السادس : أنه مأخوذ من لب الشيء وهو خالصه ومنه لب الطعام ولب الرجل عقله وقلبه
    ومعناه أخلصت لي وقلبي لك وجعلت لك لبي وخالصتي .
    • السابع : أنه من قولهم فلان رخي اللبب وفي لب رخي أي في حال واسعة منشرح الصدر
    ومعناه أن منشرح الصدر متسع القلب لقبول دعوتك وإجابتها متوجه إليك بلبب رخي يوجد المحب إلى محبوبه لا بكره ولا تكلف .
    • الثامن : أنه من الإلباب وهو الاقتراب أي اقترابا إليك بعد اقتراب كما يتقرب المحب من محبوبه . 252
    111. ( سعديك ) من المساعدة وهي المطاوعة ، ومعناه مساعدة في طاعتك وما تحب بعد مساعدة . و( الرغباء إليك ) معناها الطلب والمسألة والرغبة .
    112. اشتملت كلمات التلبية على قواعد عظيمة وفوائد جليلة :
    • إحداها : أن قولك لبيك يتضمن إجابة داع دعاك ومناد ناداك ولا يصح في لغة ولا عقل إجابة من لا يتكلم ولا يدعو من أجابه .
    • الثانية : أنها تتضمن المحبة كما تقدم ولا يقال لبيك إلا لمن تحبه وتعظمه ولهذا قيل في معناها أنا مواجه لك بما تحب وأنها من قولهم امرأة لبة أي محبة لولدها .
    • الثالثة : أنها تتضمن التزام دوام العبودية ولهذا قيل هي من الإقامة أي أنا مقيم على طاعتك
    • الرابعة : أنها تتضمن الخضوع والذل أي خضوعا بعد خضوع من قولهم : أنا ملب بين يديك أي خاضع ذليل .
    • الخامسة : أنها تتضمن الإخلاص ولهذا قيل إنها من اللب وهو الخالص .
    • السادسة : أنها تتضمن الإقرار بسمع الرب تعالى إذ يستحيل أن يقول الرجل لبيك لمن لا يسمع دعاءه .
    • السابعة : أنها تتضمن التقرب من الله ولهذا قيل إنها من الإلباب وهو التقرب .
    الثامنة : أنها جعلت في الإحرام شعارا لانتقال من حال إلى حال ومن منسك إلى منسك كما جعل التكبير في الصلاة سبعا للانتقال من ركن إلى ركن ولهذا كانت السنة أن يلبي حتى يشرع في الطواف فيقطع التلبية ثم إذا سار لبى حتى يقف بعرفة فيقطعها ثم يلبي حتى يقف بمزدلفة فيقطعها ثم يلبي حتى يرمي جمرة العقبة فيقطعها ؛ فالتلبية شعار الحج والتنقل في أعمال المناسك ، فالحاج كلما انتقل من ركن إلى ركن قال : لبيك اللهم لبيك كما أن المصلي يقول في انتقاله من ركن إلى ركن الله أكبر فإذا حل من نسكه قطعها كما يكون سلام المصلي قاطعا لتكبيره .
    • التاسعة : أنها شعار لتوحيد ملة إبراهيم الذي هو روح الحج ومقصده بل روح العبادات كلها والمقصود منها ولهذا كانت التلبية مفتاح هذه العبادة التي يدخل فيها بها .
    • العاشرة : أنها متضمنة لمفتاح الجنة وباب الإسلام الذي يدخل منه إليه وهو كلمة الإخلاص والشهادة لله بأنه لا شريك له .
    • الحادية عشرة : أنها مشتملة على الحمد لله الذي هو من أحب ما يتقرب به العبد إلى الله واول من يدعي إلى الجنة أهله وهو فاتحة الصلاة وخاتمتها .
    • الثانية عشرة : أنها مشتملة على الاعتراف لله بالنعمة كلها ولهذا عرفها باللام المفيدة للاستغراق أي النعم كلها لك وانت موليها والمنعم بها .
    • الثالثة عشرة : أنها مشتملة على الاعتراف بأن الملك كله لله وحده فلا ملك على الحقيقة لغيره .
    • الرابعة عشرة : أن هذا المعنى مؤكد الثبوت بإن المقتضية تحقيق الخبر وتثبيته وأنه مما لا يدخله ريب ولا شك .
    • الخامسة عشرة : في إن وجهان فتحها وكسرها فمن فتحها تضمنت معنى التعليل أي لبيك الحمد والنعمة لك ومن كسرها كانت جملة مستقلة مستأنفة تتضمن ابتداء الثناء على الله والثناء إذا كثرت جمله وتعددت كان أحسن من قلتها وأما إذا فتحت فإنها تقدر بلام التعليل المحذوفة معها قياسا والمعنى لبيك لأن الحمد لك والفرق بين أن تكون جمل الثناء علة لغيرها وبين أن تكون مستقلة مرادة لنفسها .
    • السادسة عشرة : أنها متضمنة للإخبار عن اجتماع الملك والنعمة والحمد لله عزوجل وهذا نوع آخر من الثناء عليه غير الثناء بمفردات تلك الأوصاف العلية فله سبحانه من أوصافه العلي نوعا ثناء نوع متعلق بكل صفة على انفرادها ونوع متعلق باجتماعها وهو كمال مع كمال وهو عامة الكمال والله سبحانه يفرق في صفاته بين الملك والحمد وسوغ هذا المعنى أن اقتران أحدهما بالآخر من أعظم الكمال والملك وحده كمال والحمد كمال واقتران أحدهما بالآخر كمال فإذا اجتمع الملك المتضمن للقدرة مع النعمة المتضمنة لغاية النفع والإحسان والرحمة مع الحمد المتضمن لعامة الجلال والإكرام الداعي إلى محبته كان في ذلك من العظمة والكمال والجلال ما هو أولى به وهو أهله وكان في ذكر الحمد له ومعرفته به من انجذاب قلبه إلى الله وإقباله عليه والتوجه بدواعي المحبة كلها إليه ما هو مقصود العبودية ولبها وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء . ونظير هذا اقتران الغنى بالكرم كقوله : " فإن ربي غني كريم " [ النمل :40]فله كمال من غناه وكرمه ومن اقتران أحدهما بالآخر . ونظيره اقتران العزة بالرحمة " وإن ربك لهو العزيز الرحيم "[الشعراء :9] ونظيره اقتران العفو بالقدرة " وكان الله عفوا قديرا " [ النساء :99]ونظيره اقتران العلم بالحلم " والله عليم حليم " ونظيره اقتران الرحمة بالقدرة " والله قدير والله غفور رحيم " [الممتحنة :7]وهذا يطلع ذا اللب على رياض من العلم أنيقات ويفتح له باب محبة الله ومعرفته والله المستعان وعليه التكلان .
    • السابعة عشرة : أن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قال : " أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير "(20) وقد اشتملت بالتلبية على هذه الكلمات بعينها وتضمنت معانيها . وقوله : وهو على كل شيء قدير لك أن تدخلها تحت قولك في التلبية : لا شريك لك ، ولك أن تدخلها تحت قولك : إن الحمد والنعمة لك ، ولك أن تدخلها تحت إثبات الملك له تعالى إذ لو كان بعض الموجودات خارجا عن قدرته وملكه واقعا بخلق غيره لم يكن نفي الشريك عاما ولم يكن إثبات الملك والحمد له عاما وهذا من أعظم المحال والملك كله له والحمد كله له وليس له شريك بوجه من الوجوه .
    • الثامنة عشر : أن كلمات التلبية متضمنة للرد على كل مبطل في صفات الله وتوحيده فإنها مبطلة لقول المشركين على اختلاف طوائفهم ومقالاتهم ، ولقول الفلاسفة وإخوانهم من الجهمية المعطلين لصفات الكمال التي هي متعلق الحمد فهو سبحانه محمود لذاته ولصفاته ولأفعاله فمن جحد صفاته وأفعاله فقد جحد حمده ، ومبطلة لقول مجوس الأمة لقدرية الذين أخرجوا من ملك الرب وقدرته أفعال عبادة من الملائكة والجن والإنس فلم يثبتوا له عليها قدرة ولا جعلوه خالقا لها فعلى قولهم لا تكون داخلة تحت ملكه إذ من لا قدرة له على الشيء كيف يكون هذا الشيء داخلا تحت ملكه فلم يجعلوا الملك كله لله ولم يجعلوه على كل شيء قدير ، وأما الفلاسفة فعندهم لا قدرة له على شيء البتة فمن علم معنى هذه الكلمات وشهدها وأيقن بها باين جميع الطوائف المعطلة .
    • التاسعة عشرة : في عطف الملك على الحمد والنعمة بعد كمال الخبر وهو قوله إن الحمد والنعمة والملك ولم يقل إن الحمد والنعمة لك والملك لطيفة بديعة ؛ وهي أن الكلام يصير بذلك جملتين مستقلتين فإنه لو قال إن الحمد والنعمة والملك لك كان عطف الملك على ما قبله عطف مفرد فلما تمت الجملة الأولى بقوله لك ثم عطف الملك كان تقديره والملك لك فيكون مساويا لقوله له الملك وله الحمد ولم يقل الملك والحمد وفائدته تكرار الحمد في الثناء .
    • العشرون : لما عطف النعمة على الحمد ولم يفصل بينهما بالخير كان فيه إشعار باقترانهما وتلازمهما وعدم مفارقة أحدهما للآخر فالإنعام والحمد قرينان .
    • الحادية والعشرون : في إعادة الشهادة له بأنه لا شريك له لطيفة وهي : أنه أخبر لا شريك له عقب إجابته بقوله لبيك ثم أعادها عقب قوله إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك وذلك يتضمن أنه لا شريك له في الحمد والنعمة الملك والأول يتضمن أنه لا شريك لك في إجابة هذه الدعوة ؛ وهذا نظير قوله تعالى : " شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم "[ آل عمران :18] فأخبر بأنه لا إله إلا هو في أول الآية وذلك داخل تحت شهادته وشهادة ملائكته وأولي العلم وهذا هو المشهود به ثم أخبر عن قيامه بالقسط وهو العدل فأعاد الشهادة بأنه لا إله إلا هو مع قيامه بالقسط . 255
    113. حديث ابن عمر سأل رجل رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ما يترك المحرم من الثياب فقال : " لا يلبس البرانس … … "(21) فيه أحكام عديدة :
    • الحكم الأول أنه ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ سئل عما يلبس المحرم وهو غير محصور فأجاب بما لا يلبس لحصره فعلم أن غيره على الإباحة ونبه بالقميص على ما فصل للبدن كله من جبة أو دلق أو دراعة أو عرقشين ونحوه ونبه بالعمامة على كل ساتر للرأس معتاد كالقبع والطاقية والقلنسوة والكلتة ونحوها ونبه بالبرنس على المحيط بالرأس والبدن جميعا كالغفارة ونحوها ونبه بالسراويل على المفصل على الأسافل كالتبان ونحوه ونبه بالخفين على ما في معناهما من الجرموق والجورب والزربول ذي الساق ونحوه .
    • الحكم الثاني : أنه منعه من الثوب المصبوغ بالورس أو الزعفران وليس هذا لكونه طيبا فإن الطيب في غير الورس والزعفران أشد ولأنه خصه بالثوب دون البدن وإنما هذا من أوصاف الثوب الذي يحرم فيه أن لا يكون مصبوغا بورس ولا زعفران .
    • الحكم الثالث : أنه ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ رخص في لبس الخفين عند عدم النعلين ولم يذكر فدية ورخص في حديث كعب بن عجرة في حلق رأسه مع الفدية وكلاهما محظور بدون العذر والفرق بينهما أن أذى الرأس ضرورة خاصة لا تعم فهي رفاهية للحاجة وأما لبس الخفين عند عدم النعلين فبدل يقوم مقام المبدل والمبدل وهو النعل لا فدية فيه فلا فدية في بدله وأما حلق الرأس فليس ببدل وإنما هو ترفه للحاجة فجبر بالدم .
    • الحكم الرابع : أنه أمر لابس الخفين بقطعهما أسفل من كعبيه في حديث ابن عمر لأنه إذا قطعهما أسفل من الكعبين صارا شبيهين بالنعل . 277
    114. اختلف الفقهاء في قطع الخف هل هو واجب أم لا على قولين :
    • أحدهما : أنه واجب وهذا قول الشافعي وأبي حنيفة ومالك والثوري وإسحاق وابن المنذر وإحدى الروايتين عن أحمد لأمر رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بقطعهما وتعجب الخطابي من أحمد فقال : ( العجب من أحمد في هذا فإنه لا يكاد يخالف سنة تبلغه وقلت سنة لم تبلغه ) وعلى هذه الرواية إذا لم يقطعهما تلزمه الفدية .
    • والثاني : أن القطع ليس بواجب وهو أصح الروايتين عن أحمد ويروى عن علي بن أبي طالب وهو قول أصحاب ابن عباس وعطاء وعكرمة وهذه الرواية أصح لما في الصحيحين عن ابن عباس قال سمعت النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يخطب بعرفات " من لم يجد إزارا فليلبس سراويل ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين "(22) فأطلق الإذن في لبس الخفين ولم يشترط القطع وهذا كان بعرفات والحاضرون معه إذ ذاك أكثرهم لم يشهدوا خطبته بالمدينة فإنه كان معه من أهل مكة واليمن والبوادي من لا يحصيهم إلا الله تعالى وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع ، وهو أعظم جمع كان له ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فقال " من لم يجد الإزار فليلبس السروايل ومن لم يجد النعلين فليلبس الخفين " ولم يأمر بقطع ولا فتق . فدل هذا على أن هذا الجواز لم يكن شرع بالمدينة وأن الذي شرع بالمدينة هو لبس الخف المقطوع ثم شرع بعرفات لبس الخف من غير قطع . 278
    115. إن قيل حديث ابن عمر مقيد وحديث ابن عباس مطلق والحكم والسبب واحد وفي مثل هذا يتعين حمل المطلق على المقيد وقد أمر في حديث ابن عمر بالقطع فالجواب من وجهين :
    • أحدهما : أن قوله في حديث ابن عمر وليقطعهما قد قيل إنه مدرج من كلام نافع قال صاحب المغني : ( كذلك روي في أمالي أبي القاسم بن بشران بإسناد صحيح أن نافعا قال بعد روايته للحديث وليقطع الخفين أسفل من الكعبين والإدراج فيه محتمل لأن الجملة الثانية يستقل الكلام الأول بدونها فالإدراج فيه ممكن فإذا جاء مصرحا به أن نافعا قاله زال الإشكال ) ويدل على صحة هذا أن ابن عمر كان يفتي بقطعهما للنساء فأخبرته صفية بنت أبي عبيد عن عائشة أن رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ رخص للمحرم أن يلبس الخفين ولا يقطعهما قالت صفية فلما أخبرته بهذا رجع .
    • الجواب الثاني : أن الأمر بالقطع كان بالمدينة ورسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يخطب على المنبر فناداه رجل فقال ما يلبس المحرم من الثياب فأجابه بذلك وفيه الأمر بالقطع وحديث ابن عباس وجابر بعده وعمرو بن دينار روى الحديثين معا ثم قال انظروا أيهما كان قبل وهذا يدل على أنهم علموا نسخ الأمر بحديث ابن عباس وقال الدارقطني : قال أبو بكر النيسابوري : حديث ابن عمر قبل لأنه قال نادى رجل رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وهو في المسجد فذكره وابن عباس يقول سمعت رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يخطب بعرفات .
    فإن قيل حديث ابن عباس رواه أيوب والثوري وابن عيينة وابن زيد وابن جريج وهشيم كلهم عن عمرو بن دينار عن جابر بن زيد عن ابن عباس ولم يقل أحد منهم بعرفات غير شعبة ورواية الجماعة أولى من رواية الواحد ، قيل هذا عبث فإن هذه اللفظة متفق عليها في الصحيحين وناهيك برواية شعبة لها وشعبة حفظها وغيره لم ينفها بل هي في حكم جملة أخرى في الحديث مستقلة وليست تتضمن مخالفة للآخرين ومثل هذا يقبل ولا يرد ، ولهذا رواه الشيخان ، وقد قال عليُّ ـ رضي الله عنه ـ : قطع الخفين فساد يلبسهما كما هما ، وهذا مقتضى القياس ، فإن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ سوى بين السراويل وبين الخف في لبس كل منهما عند عدم الإزار والنعل ولم يأمر بفتق السراويل لا في حديث ابن عمر ولا في حديث ابن عباس ولا غيرهما ولهذا كان مذهب الأكثرين أنه يلبس السراويل بلا فتق عند عدم الإزار فكذلك الخف يلبس ولا يقطع ولا فرق بينهما ، وأبو حنيفة طرد القياس وقال : يفتق السراويل حتى يصير كالإزار ، والجمهور قالوا : هذا خلاف النص لأن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قال : " السراويل لمن لم يجد الإزار " وإذا فتق لم يبق سراويل ، ومن اشترط قطع الخف خالف القياس مع مخالفته النص المطلق بالجواز .
    ولا يسلم من مخالفة النص والقياس إلا من جوز لبسهما بلا قطع أما القياس فظاهر وأما النص فما تقدم تقديره .
    والعجب أن من يوجب القطع يوجب مالا فائدة فيه فإنهم لا يجوزون لبس المقطوع كالمداس والجمجم ونحوهما بل عندهم المقطوع كالصحيح في عدم جواز لبسه فأي معنى للقطع والمقطوع عندكم كالصحيح ؟ ! .
    قال شيخنا : وأفتى به جدي أبو البركات في آخر عمره لما حج . وقال شيخنا : وهو الصحيح لأن المقطوع لبسه أصل لا بدل . 279
    116. مدار مسألة قطع الخفين وفتق السراويل على ثلاث نكت :
    • إحداها أن رخصة البدلية إنما شرعت بعرفات ولم تشرع قبل .
    • والثانية أن تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع .
    • والثالثة أن الخف المقطوع كالنعل أصل لا أنه بدل . 282
    117. وأما نهيه ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ في حديث ابن عمر المرأة أن تنتقب وأن تلبس القفازين فهو دليل على أن وجه المرأة كبدن الرجل لا كرأسه فيحرم عليها فيه ما وضع وفصل على قدر الوجه كالنقاب والبرقع ولا يحرم عليها سترة بالمقنعة والجلباب ونحوهما وهذا أصح القولين فإن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ سوى بين وجهها ويديها ومنعها من القفازين والنقاب ومعلوم أنه لا يحرم عليها ستر يديها وأنهما كبدن المحرم يحرم سترهما بالمفصل على قدرهما وهما القفازان فهكذا الوجه إنما يحرم ستره بالنقاب ونحوه وليس عن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ حرف واحد في وجوب كشف المرأة وجهها عند الإحرام إلا النهي عن النقاب وهو كالنهي عن القفازين فنسبة النقاب إلى الوجه كنسبة القفازين إلى اليد سواء وهذا واضح بحمد الله . 282
    118. ثبت عن أسماء ـ رضي الله عنها ـ أنها كانت تغطي وجهها وهي محرمة (23)، وقالت عائشة ـ رضي الله عنها ـ كانت الركبان يمرون بنا ونحن محرمات (24) مع رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها على وجهها فإذا جاوزونا كشفنا .283
    119. اشتراط المجافاة عن وجه المرأة كما ذكره القاضي وغيره ضعيف لا أصل له دليلاً ولا مذهباً . 283
    120. فإن قيل فما تصنعون بالحديث المروي عن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أنه قال : " إحرام الرجل في رأسه وإحرام المرأة في وجهها " (25) . فجعل وجه المرأة كرأس الرجل وهذا يدل على وجوب كشفه ؟ .
    قيل هذا الحديث لا أصل له ولم يروه أحد من أصحاب الكتب المعتمد عليها ولا يعرف له إسناد ولا تقوم به حجة ولا يترك له الحديث الصحيح الدال على أن وجهها كبدنها وأنه يحرم عليها فيه ما أعد للعضو كالنقاب والبرقع ونحوه لا مطلق الستر كاليدين والله أعلم . 283
    121. تحريم لبس القفازين على المرأة في الحج قول عبد الله بن عمر وعطاء وطاووس ومجاهد وإبراهيم النخعي ومالك والإمام أحمد والشافعي في أحد قوليه وإسحق بن راهويه وتذكر الرخصة عن علي وعائشة وسعد بن أبي وقاص وبه قال الثوري وأبو حنيفة والشافعي في القول الآخر ونهى المرأة عن لبسهما ثابت في الصحيح كنهي الرجل عن لبس القميص والعمائم وكلاهما في حديث واحد عن راو واحد وكنهيه المرأة عن النقاب وهو في الحديث نفسه وسنة رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أولى بالاتباع وهي حجه على من خالفها وليس قول من خالفها حجة عليها فأما تعليل حديث ابن عمر في القفازين بأنه من قوله فإنه تعليل باطل وقد رواه أصحاب الصحيح والسنن والمسانيد عن ابن عمر عن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ في حديث نهيه عن لبس القمص والعمائم والسراويلات وانتقاب المرأة ولبسها القفازين ولا ريب عند أحد من أئمة الحديث أن هذا كله حديث واحد من أصح الأحاديث عن رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ مرفوعا إليه ليس من كلام ابن عمر ، وموضع الشبهة في تعليله أن نافعا اختلف عليه فيه فرواه الليث بن سعد عنه عن ابن عمر عن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فذكر فيه " ولا تلبس القفازين "(26) ولكن قد رفعه الليث بن سعد وموسى بن عقبة في الأكثر عنه وإبراهيم بن سعد أيضا رفعه عن نافع . 284
    122. عن سعيد بن المسيب قال : ( وهم ابن عباس في تزويج ميمونة وهو محرم(27)) . وقد روى مالك في الموطأ عن ربيعة بن أبي عبدالرحمن عن سليمان بن يسار أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعث أبا رافع مولاه ورجلا من الأنصار فزوجاه ميمونة بنت الحارث (28) ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالمدينة قبل أن يخرج وهذا وإن كان ظاهره الإرسال فهو متصل لأن سليمان بن يسار رواه عن أبي رافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو حلال وبنى بها وهو حلال وكنت الرسول بينهما وسليمان بن يسار مولى ميمونة وهذا صريح في تزوجها بالوكالة قبل الإحرام . 296
    123. اختلف الناس قديما وحديثا في مسألة أكل المحرم من الصيد وأشكلت عليهم الأحاديث فيها فقالت طائفة : أن للمحرم أكل ما صاده الحلال من الصيد ، وقالت طائفة : لحم الصيد حرام على المحرم بكل حال ، وقالت طائفة : ما صاده الحلال للمحرم ومن أجله فلا يجوز له أكله فأما ما لم يصده من أجله بل صاده لنفسه أو لحلال لم يحرم على المحرم أكله وهذا قول مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأصحابهم . قال ابن عبدالبر : وهو الصحيح عن عثمان في هذا الباب . وحجة من ذهب هذا المذهب أنه عليه تصح الأحاديث في هذا الباب وإذا حملت على ذلك لم تتضاد ولم تختلف ولم تتدافع وعلى هذا يجب أن تحمل السنن ولا يعارض بعضها ببعض ما وجد إلى استعمالها سبيل . وآثار الصحابة كلها في هذا الباب إنما تدل على هذا التفصيل . 304
    124. قوله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ في حديث الحجاج بن عمرو " من كسر ..وعليه الحج من قابل "(29) هذا إذا لم يكن حج الفرض فأما إن كان متطوعا فلا شيء عليه غير هدي الإحصار . 316
    125. اختلف العلماء من الصحابة فمن بعدهم فيمن منع من الوصول إلى البيت بمرض أو كسر أو عرج هل حكمه حكم المحصر في جواز التحلل ؟ . فروي عن ابن عباس وابن عمر ومروان بن الحكم أنه لا يحلله إلا الطواف بالبيت وهو قوله مالك والشافعي وإسحاق وأحمد في المشهور من مذهبه ، وروى عن ابن مسعود أنه كالمحصر بالعدو وهو قول أبو حنيفة وأصحابه . ومن حجة هؤلاء حديث الحجاج وأبي هريرة وابن عباس(30) قالوا : وهو حديث حسن يحتج بمثله ، قالوا : وأيضا ظاهر القرآن بل صريحه يدل على أن الحصر يكون بالمرض فإن لفظ الإحصار إنما هو للمرض ؛ يقال أحصره المرض وحصر العدو فيكون لفظ الآية صريحا في المريض وحصر العدو ملحق به فكيف يثبت الحكم في الفرع دون قالوا : وعلى هذا خرج قول ابن عباس : (لا حصر إلا حصر العدو) (31)، ولم يقل لا إحصار إلا إحصار العدو فليس بين رأيه وروايته تعارض ولو قدر تعارضهما فالأخذ بروايته دون رأيه لأن روايته حجة ورأيه ليس بحجة ، قالوا : وأما قولكم إنه لا يستفيد بالإحلال الانتقال من حاله التي هو عليها ولا التخلص من أذاه بخلاف من حصره العدو فكلام لا معنى تحته فإنه قد يستفيد بحله أكثر مما يستفيد المحصر بالعدو فإنه إذا بقي ممنوعا من اللباس وتغطية الرأس والطيب مع مرضه تضرر بذلك أعظم الضرر في الحر والبرد ومعلوم أنه قد يستفيد بحله من الترفه ما يكون سبب زوال أذاه كما يستفيد المحصر بالعدو بحله فلا فرق بينهما فلو لم يأت نص بحل المحصر بمرض لكان القياس على المحصر بالعدو يقتضيه فكيف وظاهر القرآن والسنة والقياس يدل عليه والله أعلم . 316
    126. يستفيد المشترط بالشرط فائدتين ؛ إحداهما : جواز الإحلال ، والثانية : سقوط الدم ، فإذا لم يكن شرط استفاد بالعذر الإحلال وحده وثبت وجوب الدم عليه فتأثير الاشتراط في سقوط الدم . 316
    127. أخرج النسائي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطوف بالبيت على راحلته فإذا انتهى إلى الركن أشار إليه (32) ، وفي الصحيح عن ابن عمر أنه سئل عن استلام الحجر فقال : ( رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يستلمه ويقبله ) (33) وهذا يحتمل الجمع بينهما ويحتمل أنه رآه يفعل هذا تارة وهذا تارة ، وقد ثبت تقبيل اليد بعد استلامه ففي الصحيحين أيضا عن نافع قال رأيت ابن عمر استلم الحجر بيده ثم قبل يده وقال : (ما تركته منذ رأيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يفعله ) فهذه ثلاثة أنواع صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم تقبيله وهو أعلاها واستلامه وتقبيل يده والإشارة إليه بالمحجن وتقبيله ، فعن أبي الطفيل قال : ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت ويستلم الحجر بمحجن معه ويقبل المحجن) (34) . 330
    128. أما الركن اليماني فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه استلمه من رواية ابن عمر وابن عباس وحديث ابن عمر قال : (لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يمس من الأركان إلا اليمانيين ) (35) وحديث ابن عباس في الترمذي وقد روى البخاري في تاريخه عن ابن عباس قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استلم الركن اليماني قبله ) (36) وفي صحيح الحاكم عنه : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الركن اليماني ويضع خده عليه ) (37) وهذا المراد به الأسود فإنه يسمى يمانيا مع الركن الآخر يقال لهما اليمانيين بدليل حديث عمر في تقبيله الحجر الأسود خاصة وقوله : ( لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك )(38) فلو قبل الآخر لقبله عمر ، وفي النفس من حديث ابن عباس هذا شيء وهل هو محفوظ أم لا ؟ . 330
    129. روى ابن حبان في صحيحه عن ابن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من طاف بالبيت أسبوعا لا يضع قدما ولا يرفع أخرى إلا حط الله عنه بها خطيئة وكتب له بها حسنة ورفع له بها درجة " (39) وأخرج النسائي عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من طاف بالبيت أسبوعا فهو كعدل رقبة "(40) وهذه الأحاديث عامة في كل الأوقات لم يأت ما يخصها ويخرجها عن عمومها وقد روى الترمذي في الجامع من حديث عبد الله بن سعيد بن جبير عن أبيه عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من طاف بالبيت خمسين مرة خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه " . الصفحة
    130. اختلف العلماء في طواف القارن والمتمتع على ثلاثة مذاهب ؛ أحدها : أن على كل منهما طوافين وسعيين ، الثاني : أن عليهما كليهما طوافا واحدا وسعيا واحدا ، الثالث : أن على المتمتع طوافين وسعيين وعلى القارن سعي .347
    131. روى البيهقي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلزق وجهه وصدره بالملتزم )(41) وفي البيهقي أيضا عن ابن عباس ( أنه كان يلزم ما بين الركن والباب ، وكان يقول ما بين الركن والباب يدعي الملتزم لا يلزم ما بينهما أحد يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه )(42)، وأما الحطيم فقيل فيه أقوال أحدها : أنه ما بين الركن والباب وهو الملتزم ، وقيل : هو جدار الحجر لأن البيت رُفِعَ وترك هذا الجدار محطوما ، والصحيح أن الحطيم الحجر نفسه وهو الذي ذكره البخاري في صحيحه واحتج عليه بحديث الإسراء ، قال : " بينا أنا نائم في الحطيم وربما قال في الحجر "(43) قال(44) : وهو حطيم بمعنى محطوم كقتيل بمعنى مقتول .الصفحة
    132. ثبت عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة بإقامة واحدة(45) ، وفي صحيح البخاري من حديث ابن مسعود أنه صلى صلاتين كل واحدة وحدها بأذان وإقامة (46) ، وعن ابن عمر في ذلك ثلاث روايات إحداهن : أنه جمع بينهما بإقامتين فقط ، والثانية : أنه جمع بينهما بإقامة واحدة لهما ، والثالثة : أنه صلاهما بلا أذان ولا إقامة ذكر ذلك البغوي . والصحيح في ذلك كله الأخذ بحديث جابر وهو الجمع بينهما بأذان وإقامتين ؛ لوجيهن اثنين أحدهما : أن الأحاديث سواء مضطربة مختلفة فهذا حديث ابن عمر في غاية الاضطراب كما تقدم فروي عن ابن عمر من فعله الجمع بينهما بلا أذان ولا إقامة ؛ وروي عنه الجمع بينهما بإقامة واحدة ؛ وروي عنه الجمع بينهما بأذان واحد وإقامة واحدة ؛ وروي عنه مسندا إلى النبي صلى الله عليه وسلم الجمع بينهما بإقامة واحدة وروي عنه مرفوعا الجمع بينهما بإقامتين وعنه أيضا مرفوعا الجمع بينهما بأذان واحد وإقامة واحدة لهما وعنه مرفوعا الجمع بينهما دون ذكر أذان ولا إقامة وهذه الروايات صحيحة عنه فيسقط الأخذ بها لاختلافها واضطرابها . وأما حديث ابن عباس فغايته أن يكون شهادة على نفي الأذان والإقامة الثابتين ؛ ومن أثبتهما فمعه زيادة علم وقد شهد على أمر ثابت عاينه وسمعه ، وأما حديث أسامة فليس فيه الإتيان بعدد الإقامة لهما وسكت عن الأذان وليس سكوته عنه مقدما على حديث من أثبته سماعا صريحا بل لو نفاه جملة لقدم عليه حديث من أثبته لتضمنه زيادة على خفيت على النافي ، الوجه الثاني : أنه قد صح من حديث جابر في جمعه صلى الله عليه وسلم بعرفة أنه جمع بينهما بأذان وإقامتين ولم يأت في حديث ثابت قط خلافه والجمع بين الصلاتين بمزدلفة كالجمع بينهما بعرفة لا يفترقان إلا في التقديم والتأخير فلو فرضنا تدافع أحاديث الجمع بمزدلفة جملة لأخذنا حكم الجمع من جمع عرفة . 405
    133. كان الإمام أحمد يدفع حديث أم سلمة : ( أنه ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أرسلها ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت …… )(47) ويضعفه ، وزعم ابن المنذر أنه لا يعلم خلافا فيمن رماها قبل طلوع الشمس وبعد الفجر أنه يجزئه ؛ قال ـ ابن المنذر ـ : ولو علمت أن في ذلك خلافا لأوجبت على فاعل ذلك الإعادة ، ولم يعلم قول الثوري يعني أنه لا يجوز رميها إلا بعد طلوع الشمس وهو قول مجاهد وإبراهيم النخعي ، فمقتضى مذهب ابن المنذر أنه يجب الإعادة على من رماها قبل طلوع الشمس وحديث ابن عباس(48) صريح في توقيتها بطلوع الشمس وفعله صلى الله عليه وسلم متفق عليه بين الأمة فهذا فعله وهذا قوله وحديث أم سلمة قد أنكره الإمام أحمد وضعفه وقال مالك لم يبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرخص لأحد في الرمي قبل طلوع الفجر . 417
    134. حديث أسماء في الصحيحين عن عبد الله مولى أسماء ( أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة فقامت تصلي فصلت ساعة ثم قالت : يابني هل غاب القمر ، قلت : نعم ، قالت : فارتحلوا فارتحلنا فمضينا حتى رمت الجمرة ثم رجعت فصلت الصبح في منزلها ، فقلت : لها ياهنتاه ما أرانا إلا قد غلسنا ، قالت : يابني إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن للظعن )(49) وفي لفظ لمسلم لظعنه . ليس في هذا دليل على جواز رميها بعد نصف الليل فإن القمر يتأخر في الليلة العاشرة إلى قبيل الفجر وقد ذهبت أسماء بعد غيابه من مزدلفة إلى منى فلعلها وصلت مع الفجر أو بعده فهي واقعة عين ، ومع هذا فهي رخصة للظعن ، وإن دلت على تقدم الرمي فإنما تدل على الرمي بعد طلوع الفجر . 418
    135. القرآن قد صرح بأن الأذان يوم الحج الأكبر (50) ولا خلاف أن النداء بذلك إنما وقع يوم النحر بمنى فهذا دليل قاطع على أن يوم الحج الأكبر يوم النحر ، وذهب عمر بن الخطاب وابنه عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ والشافعي إلى أنه يوم عرفة ، وقيل أيام الحج كلها ؛ فعبر عن الأيام باليوم كما قالوا يوم الجمل ويوم صفين قاله الثوري ، والصواب القول الأول . 420
    136. أما ما روي عن عثمان أنه تأهل بمكة لذلك ترك القصر وأتم فيرده أن هذا غير معروف بل المعروف أنه لم يكن له بها أهل ولا مال ، وقد ذكر مالك في الموطأ أنه بلغه أن عثمان بن عفان كان إذا اعتمر ربما لم يحطط راحلته حتى يرجع ، ويرده أن عثمان من المهاجرين الأولين وليس لهم أن يقيموا بمكة بعد الهجرة ، وقال ابن عبد البر : وأصح ما قيل فيه أن عثمان أخذ بالإباحة في ذلك ، وقال : غيره اعتقد عثمان وعائشة في قصر النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان رخصة أخذ بالأيسر رفقا بأمته فأخذا بالعزيمة وتركا الرخصة ، والله أعلم . 442
    137. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعتمر في شوال قط فإنه لا ريب أنه اعتمر عمرة الحديبية وكانت في ذي القعدة ، ثم اعتمر من العام القادم عمرة القضية وكانت في ذي القعدة ، ثم غزا غزاة الفتح ودخل مكة غير محرم ، ثم خرج إلى هوازن وحرب ثقيف ثم رجع إلى مكة فاعتمر من الجعرانة وكانت في ذي القعدة ، ثم اعتمر مع حجته عمرة قرنها بها وكان ابتداؤها في ذي القعدة قال جابر : ( اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عمر كلهن في ذي القعدة إحداهن زمن الحديبية والأخرى في صلح قريش والأخرى في رجعته من الطائف ومن حنين من الجعرانة )(51)
    138. روى الثوري عن جعفر عن أبيه عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حج ثلاث حجج قبل أن يهاجر وحجة بعد ما هاجر معها عمرة ، وهذا لا يناقض ما قبله فإن جابرا أراد عمرته المفردة التي أنشأ لها سفرا لأجل العمرة . 468
    139. لا يصح قول من قال أن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ خرج للعمرة في رمضان لأنه صلى الله عليه وسلم لم يخرج في رمضان إلى مكة إلا في غزاة الفتح ولم يعتمر منها . 470
    140. قال ابن عمر : (أفاض النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يوم النحر ثم صلى الظهر بمنى يعني راجعاً ) ، وقال جابر في حديثه الطويل : (ثم أفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر ) ، وقالت عائشة : (أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر يومه حين صلى الظهر ثم رجع إلى منى فمكث )
    فاختلف الناس في ذلك فرجحت طائفة منهم ابن حزم وغيره حديث جابر وأنه صلى الظهر بمكة
    قالوا : وقد وافقته عائشة واختصاصها به وقربها منه واختصاص جابر وحرصه على الاقتداء به أمر لا يرتاب فيه . وقالوا : ولأنه صلى الله عليه وسلم رمى الجمرة وحلق رأسه وخطب الناس ونحر مائة بدنة هو وعلي وانتظر حتى سلخت وأخذ من كل بدنة بضعة فطبخت وأكلا من لحمها ، قال ابن حزم : وكانت حجته في آذار ولا يتسع النهار لفعل هذا جميعه مع الإفاضة إلى البيت والطواف وصلاة الركعتين ثم يرجع إلى منى ووقت الظهر باق .
    وقالت طائفة منهم شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره : الذي يرجح أنه إنما صلى الظهر بمنى لوجوه ؛ أحدها : أنه لو صلى الظهر بمكة لأناب عنه في إمامة الناس بمنى إماما يصلي بهم الظهر ولم ينقل ذلك أحد ومحال أن يصلي بالمسلمين الظهر بمنى نائب له ولا ينقله أحد ؛ فقد نقل الناس نيابة عبدالرحمن بن عوف لما صلى بهم الفجر في السفر ؛ ونيابة الصديق لما خرج صلى الله عليه وسلم يصلح بين بني عمرو بن عوف ونيابته في مرضه ، ولا يحتاج إلى ذكر من صلى بهم بمكة لأن إمامهم الراتب الذي كان مستمرا على الصلاة قبل ذلك وبعده هو الذي كان يصلي بهم . الثاني : أنه لو صلى بهم بمكة لكان أهل مكة مقيمين فكان يتعين عليهم الإتمام ولم يقل لهم النبي صلى الله عليه وسلم أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر كما قاله في غزاة الفتح . الثالث : أنه يمكن اشتباه الظهر المقصورة بركعتي الطواف ولا سيما والناس يصلونهما معه ويقتدون به فيهما فظنهما الرائي الظهر ؛ وأما صلاته بمنى والناس خلفه فهذه لا يمكن اشتباهها بغيرها أصلا لا سيما وهو صلى الله عليه وسلم كان إمام الحج الذي لا يصلي لهم سواه فكيف يدعهم بلا إمام يصلون أفرادا ولا يقيم لهم من يصلي بهم هذا في غاية البعد .
    وأما حديث عائشة فقد فهم منه جماعة منهم المحب الطبري وغيره أنه صلى الظهر بمنى ثم أفاض إلى البيت بعد ما صلى الظهر لأنها قالت أفاض من آخر يومه حين صلى الظهر ثم رجع إلى منى ، قالوا : ولعله صلى الظهر بأصحابه ثم جاء إلى مكة فصلى الظهر بمن لم يصل كما قال جابر ثم رجع إلى منى فرأى قوما لم يصلوا فصلى بهم ثالثة كما قال ابن عمر وهذه حرفشة في العلم وطريقة يسلكها القاصرون فيه وأما فحول أهل العلم فيقطعون ببطلان ذلك ويحيلون الاختلاف على الوهم والنسيان الذي هو عرض البشر ومن له إلمام بالسنة ومعرفة بحجته صلى الله عليه وسلم يقطع بأنه لم يصل الظهر في ذلك اليوم ثلاث مرات بثلاث جماعات بل ولا مرتين ، وإنما صلاها على عادته المستمرة قبل ذلك اليوم وبعده صلى الله عليه وسلم ، وفهم منه آخرون منهم ابن حزم وغيره أنه أفاض حين صلاها بمكة ، وفي نسخة من نسخ السنن أفاض حتى صلى الظهر ثم رجع وهذه الرواية ظاهرة في أنه صلاها بمكة كما قال جابر ورواية حين محتملة للأمرين والله أعلم . 478
    141. حديث أم سلمة أن وهب بن زمعة ومعه رجل من آل أبي أمية متقمصين فقال لهم رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ "هل أفضت أبا عبدالله " يرويه ابن إسحاق عن أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة عن أبيه وعن أمه زينب بنت أبي سلمة يحدثانه عن أم سلمة وقال أبو عبيدة وحدثتني أم قيس بنت محصن وكانت جارة لهم قالت : ( خرج من عندي عكاشة بن محصن في نفر من بني أسد متقمصا عشية يوم النحر ثم رجعوا إلي عشاء وقمصهم على أيديهم يحملونها فقلت أي عكاشة مالكم خرجتم متقمصين ثم رجعتم وقمصكم على أيديكم تحملونها فقال أخبرتنا أم قيس كان هذا يوما رخص فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا إذا نحن رمينا الجمرة حللنا من كل ما أحرمنا منه إلا ما كان من النساء حتى نطوف بالبيت فإذا أمسينا ولم نطف جعلنا قمصنا على أيدينا ) (52) وهذا يدل على أن الحديث محفوظ فإن أبا عبيدة رواه عن أبيه وعن أمه وعن أم قيس ، وقد استشكله الناس ؛ قال : البيهقي وهذا حكم لا أعلم أحدا من الفقهاء يقول به . 481
    142. وقد روى أبو داود عن عقبة عن أبي الزبير عن عائشة وابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أخر طواف يوم النحر إلى الليل (53) ، وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه . وقال الترمذي : حديث حسن وأخرجه البخاري تعليقا ، وكأن رواية أبي داود له عقب حديث أم سلمة استدلال منه على أنه أولى من حديث أم سلمة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حل قبل طوافه بالبيت ثم أخره إلى الليل لكن هذا الحديث وهم ، فإن المعلوم من فعله صلى الله عليه وسلم أنه إنما طاف طواف الإفاضة نهارا بعد الزوال كما قاله جابر وعبد الله بن عمر وعائشة وهذا أمر لا يرتاب فيه أهل العلم والحديث وقد تقدم قول عائشة أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صلى الظهر من رواية أبي سلمة والقاسم عنها قال البيهقي وحديث أبي سلمة عن عائشة أصح ، وقال البخاري : في سماع أبي الزبير من عائشة نظر وقد سمع من ابن عباس . ويمكن أن يحمل قولها أخر طواف يوم النحر إلى الليل على أنه أذن في ذلك فنسب إليه وله نظائر . 482
    143. في حديث اكتبوا لأبي شاه (54) فوائد منها : أن مكة فتحت عنوة ، وفيه تحريم قطع شجر الحرم ، وتحريم التعرض لصيده بالتنفير فما فوقه ، وفيه أن لقطتها لا يجوز أخذها إلا لتعريفها أبدا والحفظ على صاحبها ، وفيه جواز قطع الإذخر خاصة رطبه ويابسه ، وفيه أن اللاجىء إلى الحرم لا يتعرض له ما دام فيه ؛ ويؤيده قوله في الصحيحين في هذا الحديث فلا يحل لأحد أن يسفك بها دما وفيه ، جواز تأخير الاستثناء عن المستثنى منه وأنه لا يشترط اتصاله به ولا نيته من أول الكلام ، وفيه الإذن في كتابة السنن وأن النهي عن ذلك المنسوخ ، والله أعلم . 500
    144. يذكر الحديث ألا نبني لك بيتا يظلك من الشمس قال ابن القطان : وعندي أنه ضعيف لأنه من رواية يوسف بن ماهك عن أمه مسيكة ، وهي مجهولة لا نعرف روى عنها غير ابنها . والصواب تحسين الحديث فإن يوسف بن ماهك من التابعين ، وقد سمع أم هانئ وابن عمر وابن عباس وعبدالله بن عمرو وقد روى عن أمه ولم يعلم فيها جرح ، ومثل هذا الحديث حسن عند أهل العلم بالحديث ، وأمه تابعية قد سمعت عائشة . 502
    الجزء السادس :
    145. وقد أبعد بعض المتكلفين وقال يحتمل أن يكون المراد بقوله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ " لا تجعلوا بيوتكم قبورا " (55) الحث على كثرة زيارة قبره صلى الله عليه وسلم وأن لا يهمل حتى لا يزار إلا في بعض الأوقات كالعبد الذي لا يأتي في العام إلا مرتين قال ويؤيد هذا التأويل ما جاء في الحديث نفسه لا تجعلوا بيوتكم قبورا أي لا تتركوا الصلاة في بيوتكم حتى تجعلوها كالقبور التي لا يصلى فيها قال بعضهم وزيارة قبره صلوات الله وسلامه عليه غنية عن هذا التكلف البارد والتأويل الفاسد الذي يعلم فساده من تأمل سياق الحديث ودلالة اللفظ على معناه وقوله في آخره وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم وهل في الألغاز أبعد من دلالة من يريد الترغيب في الإكثار من الشيء وملازمته بقوله لا تجعله عيدا وقوله ولا تتخذوا بيوتكم قبورا نهى لهم أن يجعلوه بمنزلة القبور التي لا يصلى فيها وكذلك نهيه لهم أن يتخذوا قبره عيدا نهي لهم أن يجعلوه مجمعا كالأعياد التي يقصد الناس الاجتماع إليها للصلاة بل يزار قبره صلوات الله وسلامه عليه كما كان يزوره الصحابة رضوان الله عليهم على الوجه الذي يرضيه ويحبه صلوات الله وسلامه عليه . 31

    تم المقصود من حاشية ابن القيم على سنن أبي داود .

    وكتبه : عبدالرحمن بن محمد الهرفي

    -------------------------
    ([1])أبو داود (1740)و إسناده ضعفه الألباني
    ([2]) قال ابن حجر في التلخيص (3|847) : رواه أحمد وابو داود وابن ماجه وابن حبان ، ونقل عن البخاري تضعيفه
    ([3])البيهقي (4|353)
    ([4])البيهقي (2|452) وأصل الحديث في الصحيحين
    ([5])مسلم (1211)
    ([6])أبو داود (1765) وإسناده صحيح صححه الألباني
    ([7])مسلم (854)
    ([8])البخاري(1638) ومسلم (1211)
    ([9])مسلم (1279)
    ([10])أصل الحديث في البخاري (1785) ومسلم (1216)
    ([11])أصل الحديث في مسلم (1218) دون الزيادة .
    ([12])مسلم (1244)
    ([13])البخاري(1819) ومسلم (1350)
    ([14])البخاري (167) ومسلم (939)
    ([15])مسلم (1241)
    ([16])  يريد الحديث الذي رواه أبو داود " هذه عمرة استمتعنا بها .. "
    ([17])البيهقي(5|19) ولا يصح في إسناده أبو عيسى الخرساني  قال عنه الدارقطني : حاله مجهولة
    ([18])  يريد ـ رحمه الله ـ باب في الإقران وأوله " سمعت رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ  ـ يلبي بالحج )
    ([19])أصله في مسلم (1224) عن أبي ذر
    ([20])الترمذي (3585)  بلفظ: خير  وانظر  صحيح الترغيب والترهيب (1536)
    ([21])البخاري(1838)
    ([22])البخاري (1841) ومسلم (1178)
    ([23])ابن خزيمة (2690) وصححه
    ([24])أبو داود (1833) وابن ماجه (2935) وصححه الحاكم وابن خزيمة
    ([25])قال ابن حجر في التلخيص (3|911) الدارقطني والطبراني والعقيلي وابن عدي والبيهقي وفي إسناده أيوب بن محمد وهو ضعيف وصحح البيهقي وقفه
    ([26])البخاري (1838)
    ([27])مسلم (1410)
    ([28])الموطا (771)
    ([29])الترمذي (940) وقال حسن صحيح وأبو داود (1862) والنسائي (2860) وابن ماجه (3077)
    ([30]) راجع السنن باب الإحصار .
    ([31])قال ابن حجر في التلخيص (3|934) الشافعي بإسناد صحيح
    ([32])النسائي (2955) والترمذي (865) وقال حسن صحيح
    ([33])البخاري(1611)
    ([34])مسلم (1275)
    ([35])البخاري(1608) (1609) ومسلم (1267)
    ([36])البيهقي (5|76) وضعفه
    ([37])الحاكم (1 |626) وابن خزيمة (4|217) وانظر مجمع الزوائد (3|241) وإسناده ضعيف
    ([38])البخاري (1610) ومسلم (1270)
    ([39])الترمذي (959) وانظر صحيح الترغيب (1139) للألباني
    ([40])قال الهيثمي في المجمع (3|245) رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات وانظر صحيح الترغيب (1140)
    ([41])الدارقطني (2|289) والبيهقي (5|164) وإسناده ضعيف فيه المثنى بن الصباح وهو ضعيف
    ([42])البيهقي (5|164) وأبو الزبير لم يصرح بالتحديث وهو مدلس
    ([43])البخاري (3887) ومسلم (164)
    ([44] )  من القائل ؟
    ([45])مسلم (1288) عن ابن عمر
    ([46])البخاري (1683) عن ابن مسعود
    ([47])أبو داود (1942) وإسناده ضعيف ضعفه الألباني
    ([48]) قال ابن عباس : " قدمنا رسول الله صلى الله عليه أغيلمة بني عبدالمطلب على جمرات فجعل "
    ([49])البخاري(1679) ومسلم (1291)
    [50] ) ذكر الآية
    ([51])البيهقي (5|11) وانظر المجمع (3|278) وله شواهد في الصحيح
    ([52])أبو داود (1999) وظاهره الصحة وصححه الألباني ، ومتنه منكر نكارة شديدة .
    ([53])أبو داود (2000) وإسناده ضعفه الألباني
    ([54])البخاري(6880)
     ([55])أبو داود (2042) واصل الحديث في الصحيحين

     

    اعداد الصفحة للطباعة           
    ارسل هذه الصفحة الى صديقك

    مختارات الحج

  • صفة الحج
  • يوميات حاج
  • أفكار الدعوية
  • رسائل للحجيج
  • المرأة والحج
  • المختارات الفقهية
  • أخطاء الحجيج
  • كتب وشروحات
  • عشرة ذي الحجة
  • فتاوى الحج
  • مسائل فقهية
  • منوعات
  • صحتك في الحج
  • أحكام الأضحية
  • العروض الدعوية
  • وقفات مع العيد
  • مواقع الحج
  • الرئيسية
  • مواقع اسلامية