اطبع هذه الصفحة


عرفة : تعريف واعتراف

حبرها : أحمد بن عائض بن محمد بن يحيى عسيري

 
بسم الله الرحمن الرحيم


أظلتنا أيام جليلة ، ومواسم للخيرات عظيمة ، بها تُحط السيئات ، وتعظم الدرجات ، لأنها أيامُ طاعة وعبادة ، وأسبابُ رفعة وسعادة ، أيام لم يـُحببُ العمل الصالح إلى الله في غيرهن ، كما حبب إليه فيهن ، أيامٌ تسـنـمت من أيام السنة المكان الأسمى ، ومن شهور العام المحل الأعلى ، فلا يُحرم فـضلها إلا محروم أعمى ، ألا وهي أيام العشر التي نعيشها هذه الأيام ، فهي النجوم الزاهرة ، والبدور اللامعة في سماء السنين ، ثم لابد لتلك النجوم من إمام ، وللسماء من بدر تمام ، فإمام نجومها ؛ وبدر تمامها ، يوم عرفة ، فهو إمام الدراري والبدر الساري .
فيوم عرفـة بالـنسـبة لنا نحن المسلمون ، هو يوم تعريف واعتراف . تعريف بهذا الدين العظيم ، وبالمنهج القويم ، وبالصراط المستقيم . تعريف بقوة المسلمين ووحدتهم ، وتعاضدهم وتلاحم كيانهم . تعريف لأعداء الدين بترفع المسلمين عن حطام الدنيا ومـغريـاتـها . تعريف بأن الدين قد يمرض ، وقد يعتل ، ولكنه لا يموت .
تعريف لكل من أراد أن يطعن في ثوابت هذا الدين ، وينال من مقدراته ، أن كيده مردود إليه ، وأن أمره إلى سِفال ، ومصيره إلى وبِال . {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]. يوم عرفة تعريف للقاصي والداني بان هذا الدين رباني ؛{ ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه }.
ويوم عرفة اعتراف . نعم اعتراف لكن بمن ؟ ولمن ؟ اعتراف . بفضل الكريم المنان ، صاحب الطول والأنعام .
اعتراف . بعالمية هذا الدين ، وإقرار بعبودية المولى العظيم ، بل انكسار بين يدية ، وخضوع لديه . فليس للدنيا من ذلك نصيباً أبداً ، فلا يُلتفت إلى أموالها ، ولا إلى مناصبها ، ولا إلى ترفها ونعيمها .
فهل رأيتم بالله عليكم اعترافاً وتذللاً وخضوعاً وانكساراً ، أعظمُ من يوم عرفة . بالله هل رأيتم انقياداً وعبودية وتواضعاً ؛ أجل وأعظم وأكرم من يوم عرفة .
ألم يباهى المولى عز وجل بذلك اليوم ملائـكـتـه ؟ فيقول : { أنظروا إلى عبادي أتوني شعثاً غبراً ... } إن هذه المباهة لعظيمة من عظيم ، وإن يوم عرفة لعظيم ، لأنه يحمل في ثناياه مالا يحمله غيره من الأيام من سمو ومكانة وعلو وجلالة ورفعة شأن .
ففي هذا اليوم ، يوم عرفة تتجلى عظمة الإسلام ، وتتضح أخوة الإيمان ، وترتسم وحدة المسلمين على صعيد عرفات الطاهر ، حيث يقف الجميع على صعيد واحد ، بلباس واحد ، موحدين لرب واحد ، يقولون في صمت لكل حاقد وحاسد ؛ نحن المسلمون كالجسد الواحد إذ اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى .
في هذا اليوم تجتمع القلوب على رضى علام الغيوب ، وفي هذا الاجتماع إشعار ظاهر بتجديد الولاء ، والمحبة والوفاء بين أفراد الأمة الإسلامية ، كما أن فيه صقلاً للقلوب ، وتطهيراً للأنفس من الأحقاد والأضغان التي تعصف بالأمة حيناً بعد حين يذكيها أعداء الملة على اختلاف مشاربهم ، وتنوع أغراضهم ، وتعدد تطلعاتهم .
في هذا اليوم رسالة حية إلى العالم كلّه ، وخاصة لأعداء الدين والملة ، نعم . في هذا اليوم رسالة حية نبعثها على الهواء مباشرة إلى العالم كل العالم : محبهم وشانـئهم ، رسالة تُفرح كل محب ، وتحزن كل شانىء ، رسالة حية نبعثها إلى أعداء الدين خاصة ؛ إلى اليهود والنصارى والشيوعيين والعَلمانيين والمنافقين ، رسالة مضمخة بعبق الولاء ، ونفح البراء ، رسالة مفادها وفحواها بأن المسلمين يحملون أكفانهم على عواتقهم قد خرجوا من الدنيا وحطامها ، وتخلوا عن ملذاتها ، وطلقوها ثلاثاً بما فيها ، فهجروا المال والبلد ، والزوجة والولد ، والفراش الوثير ، وسعوا يحملون أرواحهم على أكفهم إلى لقاء ربهم وخالقهم

 أرواحـنـا يـارب فـوق أكـفنا --- نـرجو ثوابك مغنماً وجوارا
ندعو جهاراً لا إله سوى الذي --- صنع الوجود وقدر الأقدارا
لم نخـش طـاغـوتـاً يحاربـنا ولـو ---- نـصب المنايا حولنا أسوارا
فكأن ظل السيف ظل حديقة --- خضراء تنبت حولنا الأزهارا
 

خرجوا يحدوهم الشوق ، ويؤمهم واثق اليقين ، وصادق المعتقد ، خرجوا متجردين من المخيط ، قد حسروا الرؤوس ، واقبلوا شعثاً غبراً ، يرددون في إيمان صادق ، ويقين واثق ، " لبيك اللهم لبيك ". في هذا اليوم يزداد إيمان المؤمنين ، وتطمئن قلوبهم بوعد الله الذي وعد عباده الصادقين ، فتسمو أرواحهم إلى خالقها ، وتَلِظُّ ألسنتهم بالثناء عليه ، ملبين ، موحدين ، مهللين ومكبرين . في هذا اليوم إصغار و إذلال لأعداء الله من الكافرين ، والمنافقين ، والحاقدين ، لأن كبيرهم وقائدهم قد انهزم ، فأصبح ذليلاً حقيراً ، لمـا يرى في هذا اليوم من تقديس الباري عز وجل .

يوم عرفة يحيي في نفوس المؤمنين لَمَّ الصدع ، وجمع الكلمة ، وتوحيد الصف ، وإذكاء الولاء ، وإحياء البراء .

يوم عرفة فيه وعد ووعيد ، وعد لكل مؤمن صادق بجنة عرضها السماوات والأرض، ووعيد لكل معاند ، جاحد ، مارق ، فاسق ، بنار تلظى لا يصلاها إلا الأشقى .

يوم عرفة يدنو الرب تبارك وتعالى من أهل الموقف ، ثم يباهي بهم الملائكة فيقول : " انظروا إلى عبادي أتوني شعثاً غبراً ضاحين من كل فج عميق أشهدكم أني قد غفرت لهم ".

يوم عرفة يوم مغفرة الذنوب ، وزيادة الحسنات ، وحط الخطايا ، ومحو السيئات ، وقف صلى الله عليه وسلم بعرفات وكادت الشمس أن تؤوب فقال : { يا بلال أنصت لي الناس }. فقام بلال فقال : أنصتوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنصت الناس فقال : {معاشر الناس أتاني جبريل آنفاً فأقرأني من ربي السلام ، وقال : إن الله غفر لأهل عرفات ، ولأهل المشعر ، وضمن عنهم التبعات } . فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : يا رسول الله هذا لنا خاصة . قال : { هذا لكم ولمن أتى من بعدكم إلى يوم القيامة }. فقال عمر : كثر الخير وطاب .

ليوم عرفة نادى الخليل ، وبلغ المولى النداء ، ولبى المسلمون من كل فج عميق{وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج: 27] من يتأمل هذه الآية يقف أمامها إجلالاً وإكباراً ، كما يقول أحد المهتدين إلى الإسلام حديثاً لما رأى يوم عرفة متأملاً هذا النداء ، وسرعة الإجابة قال : لو أن رئيساً ، أو وزيراً ، أو قائداً ، أو والياً بعث في طلب الوفود إليه من كل ناحية لما تأتى له ذلك ، وهب أنه تأتى له فلا شك أن بعض النفوس تأتي مكرهة ، وبعض الأنوف تلبي مرغمة ، أما وفود الرحمن فيبذلون الغالي والنفيس ، ويحتملون كل مشقة وتعب في سبيل تلبية نداء الغفور الودود .
نعم .هذا النداء الخالد ما خلد النَيّران ، وهذه التلبية الباقية ما بقي الجديدان ، حين وقف ويقف الحجيج بعرفات يرددون " لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك " إجابة وإفـراد ، وتنـزيه من الأضداد ، يقولها كل من ترك ولده ، وبلده ، وماله ، يلهج بها لسانه ليسعد حاله ، مـؤكداً إجابة النداء ، إجابة لازمة ، موحداً مولاه عن كل ندٍ وشريكٍ ومثيل .

 لبيـك إن الحمد لك --- والـملك لا شريك لك
ما خاب عبدُ سألك --- أنت له حيث سـلـك
كـل نبـي ومـلِك --- وكل من أهـل لك
وكل عبـد سـألك --- سبح أو لبى فلك
لـبـيك إن الحمد لك --- والـملك لا شريك لك
والليل لما أن حلك --- والسابحـات في الـفَلك
إلهـنا مـا أعدلك --- مـلـيك كل من مـلك
لبيك إن الحمد لـك --- والـملك لا شريك لك
 

الجموع تزحف إلى عرفات من كل فج عميق ، لأن النداء رباني ، نادى مرة واحدة فأذعن له الكون ، وانقاد له صاغراً طائعاً ، ذليلاً ، أذن إبراهيم عليه السلام بأمر من ربه تبارك وتعالى فبلغ أذانه الأفاق ، وجلجل في الآذان ، وأيقنت به النفوس ، فجاءت تسير على المقل ، خاضعة ذليلة ، منقادة للواحد الديان ، وستظل تزحف وتسير ما أذن الرحمن ، لأن المؤمنين لما تلوا ووعوا {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا } [آل عمران: 97] سلكوا تلك الوهاد منقادين لله مذعنين . وحين فهموا توجيه المصطـفى صلى الله عليه وسلم لعامة الأمة في حجة الوداع { إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بـلدكم هذا ….. } عرفوا أنه أمن وأمان ، وسلم وسلام ، فخرجوا إلى ساحة الرحمن يحملون هذا المبدأ ، وهذا التوجيه النبوي بقوة وثبات مرددين " لبيك اللهم لبيك " . خرجت الأمة كل الأمة إلى صعيد عرفات الطاهر ، فمن لم يخرج ببدنه ، خرج بروحه ومشاعره إلى تلك البطاح .

لا يرجع الطرف عنها حين ينظرها --- حتى يعود إليها الطرف مشتاقا

لماذا هذا الحنين العارم؟ لماذا هذا الشوق الجارف؟ الذي يشدنا دائماً إلى تلك الأماكن الطاهرة.

لأن فيها ذكرى المصطـفى الحبيب صلى الله عليه وسلم واقفاً على ناقته القصواء يخطب في الناس ، يأمر هذا ، وينهى ذاك ، ويدل على أمر، ويحذر من آخر. فيضع قواعد الدين وثوابته ، والوصايا الخالدة . فحرم الربا ، وحرم الدماء ، ووصى بالنساء ، وأكد على الاعتصام بالكتاب والسنة ، وحث على إخلاص العبادة لله تعالى ، ثم أمر بالثوابت من الدين ، من صلاة ، وزكاة ، وصيام ، وحج ، وطاعة لولاة الأمر . ثم أبطل أمور الجاهلية كلها ، وحذر من الشيطان ، ونهى عن الظلم بين العباد . وقال يخطب الناس:{إن الله كتب عليكم الحج }فقام الأقرع بن حابس فقال:أفي كل عام يا رسول الله ؟ قال : { لو قلتها لوجبت الحج مرة فما زاد فهو تطوع }، وهذا من رفقه بأمته صلى الله عليه وسلم . وأرشد بقوله : { لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس }. ووقف صلى الله عليه وسلم على ناقته القصواء بعد أن أدى صلاتي الظهر والعصر جمعاً وقصراً يدعو حتى غابت الشمس ، ثم انطـلق وهو يشير بيده للناس ويوصيهم :{ أيها الناس السكينة السكينة }، وقد شنق للقصواء الزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله .

وفي هذا اليوم كمل الدين ، وتمت النعمة ، نعمة المولى جل في علاه على هذه الأمة ، نعمة السعادة الأبدية ، نعمة الإسلام ، نعمة القرآن ، نعمة السنة ، نعمة المنهج القويم ، نعمة العزة والكرامة ، نعمة حمل شعار ( إياك نعبد وإياك نستعين ) قال تعالى :{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا } [المائدة: 3] ، فنسب الكمال إلى الدين فلا نقص فيه بأي حال من الأحوال . ونسب التمام إلى النعمة ، ونسب النعمة إلى ذاته تبارك وتعالى . ونسب الدين إلى المسلمين لأنهم المختصون به .
ومن أنتقص هذا الدين أو استهزأ به أو بشيء منه فقد ضل وخسر لأنه كذب بهذه الآية وردها ولم يؤمن بها .

ولهذا اليوم فضائل جمة منها :

1- أنه يوم العتق من النار . قال صلى الله عليه وسلم : { ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة ... }
2- وأن فيه كمال الدين ، وتمام النعمة ، ورضى الرب بهذا الدين .
3- وأنه فيه تذكير بيوم المعاد ، ويوم الحشر والموقف الأعظم بين يدي رب العباد .
4- وأنه يوم يدنو فيه الرب من العباد .
5- وأنه يوم المباهاة .
6- وأنه يومُ شهود الملائكة ونزولهم . ورد في الحديث { ... وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول ما أراد هولاء } .
7- وأنه يومٌ تغفر فيه الذنوب .
8- وهو إذلال للشيطان وحزبه . قال صلى الله عليه وسلم : { مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ وَلَا أَدْحَرُ وَلَا أَحْقَرُ وَلَا أَغْيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا رَأَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنْ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ .... }.

والله أعلم .. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

 

مختارات الحج

  • صفة الحج
  • يوميات حاج
  • أفكار الدعوية
  • رسائل للحجيج
  • المرأة والحج
  • المختارات الفقهية
  • أخطاء الحجيج
  • كتب وشروحات
  • عشرة ذي الحجة
  • فتاوى الحج
  • مسائل فقهية
  • منوعات
  • صحتك في الحج
  • أحكام الأضحية
  • العروض الدعوية
  • وقفات مع العيد
  • مواقع الحج
  • الرئيسية