اطبع هذه الصفحة


رسالة إلى حاج

مشعل بن عبد العزيز الفلاحي

 
هاهي أصوات الملبين بدأت تلج إلى مسامع الناس من كل حدب وصوب ، وهاهم الراحلين إلى بيت الله يتجهون إلى هناك ، ولكأنني اليوم أرقب هذه الجموع وهي في طريق سيرها ، أو كأني بهم اليوم في شعاب مكة ، وفي جنبات الحرم ، وهم ما بين محرم يعيش يوم التروية ، أو على ضفاف عرفات ، أو حتى يعيش أيام التشريق مع جموع الناس هناك . وهذا المشاهد بالذات عندما ترتفع أصواتها بالتلبية أو بالتكبير إنما تبعث في نفسي الأمل ، وتحدو في روحي بحادي الشوق ، أن أشاركها هذه الشعارات الربانية في حجها المبارك لهذا العام ، وقبل أن أبدأ حديثي معك أخي الحاج أدعو الله لك بالتوفيق والسداد وهنيئاً أيها الحاج بالحج.

أخي الحاج : أحييك بتحية أهل الجنة تحيتهم يوم يلقون ربهم سلام فسلام الله عليك ورحمته وبركاته ، سائلاً المولى أن يحقق لك حجك ، ويغفر لك ذنبك ، ويبارك لك في عمرك . ولتسمح لي يارعاك الله بهتاف أجترته مشاعر سفرك إلى أرض مكة هناك .

أخي الحاج : إن الرحلة تشرُف كثيراً بمن سترحل إليه ، ورحلة الحج بالذات إنما هي رحلة إلى رب العالمين ، رحلة إلى بيت لا أعظم منه على وجه الأرض ! رحلة إلى مآثر الأنبياء ومواطئ أقدام الرسل هناك . رحلة هي النجاح بكل ما تعنيه هذه الكلمة ، وحينما ترحل إلى هناك تكون بإذن الله تعالى في عداد من بلغهم صوت النبي الكريم إبراهيم الخليل عند ندائه بالحج من على مشارف مكة . وهنيئاً بهذه التلبية ، وأنت مع كل ذلك وقبله وبعده من وفد الله تعالى وقد صح في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( وفد الله ثلاثة وذكر منهم الحاج والمعتمر ) . فمن ياتُرى أحسن حالاً منك في هذه الأيام المباركة . لقد بدأ إبراهيم الخليل وابنه اسماعيل يجهدان في البناء في هذا البيت العظيم ، غير أنهم يلبّون أمر الله تعالى لكن لا يرون أحداً من البشر حولهم ، فالأرض مجدبة ، والصحراء متباعدة ، والقوم في ذلك الزمان يبحثون عن أرض معشبة فمن يحج هذا البيت ياترى ؟ فجاء التوجيه الرباني لإبراهيم : (( وأذّن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق )) قال ابن كثير رحمه الله تعالى : (( أي ناد في الناس بالحج ، داعياً لهم إلى الحج إلى هذا البيت الذي أمرناك ببنائه ، فذكر أنه قال : يارب وكيف أبلّغ الناس وصوتي لا ينفذهم ؟ فقال : ناد وعلينا البلاغ ، فقام على مقامه وقال : يا أيها الناس إن ربكم قد اتخذ بيتاً فحجوه فيقال : إن الجبال تواضعت حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض ، وأسمع من في الأرحام والأصلاب ، وأجابه كل شيء سمعه من حجر وشجر ومدر ، من كتب الله أن يحج إلى يوم القيامة : لبيك اللهم لبيك . وهذا مضمون ما روي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وغير واحد من السلف والله أعلم . اهـ رحمه الله . ولعلك أيها الحاج أحد من ولجت أذنيه هذه الدعوة المباركة من نبي الهدى فتحقق عظيم الخير والإحسان فهنيئاً بالتلبية وحجاً مبروراً ، ولا حرمك الله تحقيق هذه الاستجابة . وليس هذا فقط حفظك الله فلقد جاء رسولك صلى الله عليه وسلم بذكر شيء من الفضائل لهذه الرحلة المباركة فقال: (من حج هذا البيت فلم يرفث ، ولم يفسق ، رجع كما ولدته أمه ) متفق عليه من حديث أبي هريرة . وللبخاري : ( رجع كيوم ولدته أمه ) . وقال صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلى الجنة ) متفق عليه . وروى الإمام مسلم في صحيحيه من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة . وإنه ليدنوا ثم يباهي بهم الملائكة . فيقول : ما أراد هؤلاء ؟ ) . وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( تابعو بين الحج والعمرة ، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة ) رواه الترمذي والنسائي وصححه الألباني . وقال صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة : ( وفد الله عز وجل ثلاثة : الغازي والحاج والمعتمر ) رواه النسائي وصححه الألباني . وهذه الفضائل قل أن تجتمع في عبادة من العبادات . لذا حق لمن يسّر الله تعالى له الحج أن يعد ذلك نعمة من نعم الله تعالى .

أخي الحاج : في كل طريق تسعاه من المهم جداً أن تختار رفيق السفر المبارك ، ذلك الذي يعينك على الحق ، ويكون عوناً لك على لأواء السفر ، ومشقة الرحلة ، ورحلة الحج بالذات تحتاج منك إلى دقة في اختيار رفيق الرحلة ، وتمعّن في اصطفاء الأوفياء والصالحين ، وكيف لا يكون ذلك وقد قال رسولك الكريم صلى الله عليه وسلم : ( مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير ) ولتعلم يا رعاك الله أن الحج عبادة جليلة يترتّب عليها بعد توفيق الله تعالى مغفرة الذنوب ، وتكفير السيئات ، وعود الإنسان من تلك الديار كيوم ولدته أمه ، وفضل مثل هذا ينبغي أن تحرص فيه على رفيق صالح يدلك على الخيرات ، ويعينك على أداء هذه العبادة على وجهها الصحيح . فإذا عزمت على الانضمام إلى إحدى الحملات على كثرتها فتخيّر منها ما تعينك على أداء هذه العبادة وفق ما جاء بها الشارع الكريم .

أخي الحاج : تذكر وأنت على مشارف السفر أو في ثنايا طريق الرحلة أو حتى في جنبات مكة أنه ينبغي التخلّص من حقوق المخلوقين أياً كانت هذه الحقوق سواء كانت حقوقاً مالية ، أو حقوقاً معنوية . فأي حج هذا وللمخلوقين في ذمتك أموالاً مغصوبة أو مسروقة أو مأخوذه على غير وجهها الشرعي . وأي حج هذا وبينك وبين المسلمين خصومة مزمنة ، وتقاطع طويل ، وتهاجر تعاقبت عليه الأزمان دون أن تنجح في تغيبه من واقع الحياة . إن من يريد الحج اليوم لمغفرة الله تعالى هو أحوج ما يكون إلى مراجعة نفسه قبل أن يحزم حقائب السفر . وليتذكّر في سفره حديث النبي صلى الله عليه وسلم حين قال : من كانت له مظلمة لأحد من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم ، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته ، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحُمِل عليه )) رواه البخاري من حديث أبي هريرة . أو قوله صلى الله عليه وسلم : ( لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهيده وقال هم سواء ) رواه مسلم من حديث جابر بن عبد الله . أو حديثه صلى الله عليه وسلم : هجر المسلم سنة كسفك دمه ، وقوله صلى الله عليه وسلم : تعرض الأعمال إلى الله في كل اثنين خميس فيغفر الله لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً إلا المتخاصمين فيقول انظروا هذين حتى يصطلحا ) . وغير ذلك من الحقوق التي يحتاج الحاج من أمثالك إلى تسويتها ، وسدادها ، والتخلّص منها قبل أن يطأ حرم الله تعالى إن أراد موعود رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي مر معنا في بداية الحديث .

أخي الحاج : هاهو بيت الله تعالى بين ناظريك فتمعّن في هذا البناء ، وتأمّل فيه كثيراً ، وتذكّر أن إبراهيم وابنه اسماعيل شيّدا هذا البناء على أمل أن تصل أنت وإخوانك إليه . وتذكر وأنت تجوب المشاعر المقدسة بدءاً بالحرم وإنطلاقاً إلى منى ، وانتظار يوم العمر في عرفات ، والمبيت بمزدلفة ، والعودة إلى منى من جديد تذكّر رحلة نبيك صلى الله عليه وسلم حينما حج حجة الوداع ، فأي رحلة أعظم من رحلة على آثار ومواطئ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . إن هذا البيت يارعاك الله بيت الله ، وهذه الرحلة التي تشهدها اليوم إنما تسير فيها على مواطئ الأنبياء وقد حجوا هذا البيت مثلما تحج أنت هذا العام ، فلكأنك اليوم تسير على أقدام القوم . ولعل في حديث النبي صلى الله عليه وسلم ما يشعر بذلك حينما - مرَّ بوادي الأزرق" فقال لأصحابه: "أي واد هذا؟" قالوا: هذا وادي الأزرق. قال: "كأني أنظر إلى موسى عليه السلام هابطًا من الثنية، وله جؤار إلى الله تعالى بالتلبية". ثم أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - على ثنية يقال لها: ثنية هَرشى فقال: "أي ثنية هذه؟" قالوا: "هذه هَرشى" قال: "كأني أنظر إلى يونس بن متى عليه السلام على ناقة حمراء جعدة - يعني مجمعة الخلق شديدة -، عليه جبة من صوف، خطام ناقته خُلبة - يعني من الليف- وهو يلبي . وهنيئاً بهذه القدوة ، وهذه الآثار ، وقريباً ستصل بإن الله تعالى إلى الاجتماع بالقوم لا حرمنا وإياك رؤيتهم والأنس بهم في ظلال الجنان .

أخي الحاج : لك أن تتأمّل في من حولك من الحجيج أمم من أقطار الدنيا كلها ولك أن تتساءل تُرى ما الذي جاء بالقوم من هناك ؟ ولماذا اجتمعوا هنا جميعاً ؟ هاهي أرض مكة اليوم بمشاعرها المقدسة تحتظنكم جميعاً دون أدنى فارق ، بل لا ترعي الفوارق أي اهتمام مهما كانت . ولك أن تدرك أن هذه الجموع كلها إخوانك على الطريق ، جاءوا للغاية التي جئت أنت من أجلها فيالله العجب ما أعظم الهدف ! وما أرقى الغايات التي تتنافس على الحج إلى بيت الله تعالى ! ولتعي أن بين هؤلاء فقير تلمس في عينيه حاجته إلى الطعام والشراب ، وبين هؤلاء مريض يجهد على عناء حاله وضعف جسده وماله ، وبينهم كذلك جاهل بأحكام شرعه فلأول مرة تطأ قدمه على تراب مكة فما واجبك تجاه هؤلاء القوم ؟ إن مثلك لا يخفى عليه إن شاء الله أن الجود والسخاء في المشاعر المقدسة من أعظم القربات فالله الله لتطعم ذلك الفقير ، وليهنأ بخدمتك ذلك المريض ، وليرى منك ذلك التائه حسن المعاملة ، وروعة الأخلاق ، وليشعر من حج لأول مرة أو من يجهل بدينه أنهم أمام من يريد لهم الخير فتراة توزّع مطوية ، وثانية تهدي شريطاً ، وثالثة توجّه بكلمة دافئة حديث معروف إلى من يجانبه ، ورابعة أراك في جنبات الطريق تهدي ضالاً ، أو تعين منكوباً ، أو تجود بالخير لمن يستحقه . وحين يؤذن منادي الرحيل بالعودة إلى الديار تكون أنت من أسعد الناس بالرحلة ، ومن خير الحجاج أثراً ورفعة . ولك مني ومن غيري دعاء بظهر الغيب أن يرفع ذكرك ، ويعلي شأنك ، ويكتب أجرك . وهنيئاً إن شاء الله بالعود كيوم ولدتك أمك .

وأخيراً : هذي رسالتي بين يديك في أي مكان كنت هي جزء من بعض الواجب الذي حدّثتك عنه وأعتقد أنه غير كافٍ لأداء الواجب العظيم ، آملاً أن نلتقي وإياك في رحاب مكة ، وأن توقفنا الرحلة على أداء واجب مما ذكرت ، ولن أنسى لك هذا العمل العاجل . وعسى أن يجعل الله تعالى في أيام الدنيا فسحة لنا لنرى الواقع بالخير ماثلاً ، وبالنجاح متحققاً . والله يتولاك برعايته . وحج مبرور .

أخوك / مشعل بن عبد العزيز الفلاحي
ص . ب : 1604 الرمز 21972
Mashal001@hotmail.com 

 

مختارات الحج

  • صفة الحج
  • يوميات حاج
  • أفكار الدعوية
  • رسائل للحجيج
  • المرأة والحج
  • المختارات الفقهية
  • أخطاء الحجيج
  • كتب وشروحات
  • عشرة ذي الحجة
  • فتاوى الحج
  • مسائل فقهية
  • منوعات
  • صحتك في الحج
  • أحكام الأضحية
  • العروض الدعوية
  • وقفات مع العيد
  • مواقع الحج
  • الرئيسية